مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي .. جذوري العائلية لم تكن يوما في خدمة المخزن – الحلقة الأولى
أجرى الصحافي سليمان الريسوني حوارا مطولًا مع الصحفي الجريء خالد الجامعي رحمه الله، نُشر ضمن زاوية *كرسي الاعتراف بجريدة *المساء* ابتداءً من أبريل 2013.
في هذه الحلقة الأولى، يتحدث خالد الجامعي عن **أصوله العائلية، وعن والده الفقيه بوشتى الجامعي، وعلاقة العائلة بالمخزن والحركة الوطنية.
لقب “الجامعي” والخلط التاريخي مع المخزن
يقول خالد الجامعي إن أول ما يلفت الانتباه في اسمه العائلي هو لقب “الجامعي”، إذ يربط كثيرون هذا اللقب بقبيلة أولاد جامع ، التي عُرفت تاريخيًا بخدمة العلويين.
فقد كان أولاد جامع أعضاء في خدمة الدولة العلوية، ولعبوا دورًا مهمًا في الجيش الذي أسسه السلطان عبد الرحمن بن هشام سنة 1849، أي بعد سنوات من هزيمة جيش المخزن في معركة **إيسلي**. لاحقًا، برز من هذه القبيلة اسمان كبيران في تاريخ المغرب: الحاج المعطي الجامعي: الصدر الأعظم - محمد الصغير الجامعي : وزير الحرب والمسؤول عن الجيش، وكان يُلقب بـ“العلاف” وقد ساعدهما على بلوغ تلك المناصب كون شقيقتهما لالة طامو كانت زوجة للسلطان محمد بن عبد الرحمن وأم السلطان الحسن الأول.
لا علاقة لعائلة خالد الجامعي بالمخزن
يؤكد خالد الجامعي بشكل قاطع: > لكن عائلتي لا علاقة لها بهؤلاء إطلاقًا.” صحيح أن العائلة تنتمي إلى نفس القبيلة (أولاد جامع)، لكن لا صلة لها بالمخزن، ولم يسبق لأي فرد منها أن اشتغل في مؤسسات المخزن، بما في ذلك والده الحاج بوشتى الجامعي.
ويضيف أن جده المباشر، الحاج عبد الله، قدم من اليمن، وتوقف في الجزائر حيث يُقال إنه تزوج هناك، قبل أن يستقر في المغرب، قرب مدينة فاس، وتحديدًا في قرية صغيرة تُدعى *زويتنا* التابعة لقبيلة أولاد جامع.
لم يتذكر خالد الجامعي جده اليمني، ولا حتى والده، إذ توفي الجد وكان والده في سنتين ونصف من عمره. وكل ما يعرفه عنه أنه كان يُدعى الحاج عبد الله وجاء من اليمن.
و يشدد خالد الجامعي على أن من يربط بين بوشتى الجامعي وخالد الجامعي وبوبكر الجامعي و بين الصدر الأعظم المعطي الجامعي، إنما: > “إما يتكلم عن جهل بحقيقة الأمور، أو عن قصد ماكر لتغليط الناس.”
نهاية مأساوية لرموز المخزن… كما يرويها التاريخ
يستقي خالد الجامعي معلوماته حول الجامعيين الذين خدموا المخزن من كتاب المغرب الضائع لوالتر هاريس، الذي خصص فصلًا كاملًا للصدر الأعظم المعطي الجامعي وشقيقه محمد الصغير.
و يروي الكتاب تفاصيل الانقلاب الذي قاده با أحمد ضدهما بعد وفاة السلطان الحسن الأول.
ويشير خالد الجامعي إلى أن با أحمد كان ابن عبد، بلا جذور ولا تاريخ، وهو ما يذكره بشخصية إدريس البصري، معتبرًا أن: “هؤلاء نماذج يصنعها المخزن، يمنحها السلطة لتكون أداة لتنفيذ أهدافه وتصفية معارضيه.” بعد اعتقال الشقيقين، أُرسلا إلى سجن تطوان مقيدين إلى بعضهما البعض. توفي المعطي الجامعي وهو ملتصق بجسد أخيه، ولم يجرؤ باشا تطوان على دفنه إلا بعد تلقي أمر من القصر، استغرق وصوله 11 يومًا. وعندما صدر الإذن، كانت الجثة قد تحللت. أما محمد الصغير، فقد بقي في السجن 14 سنة، خرج بعدها في حالة مزرية، مجردًا من كل ممتلكاته. وقبل وفاته، التقى والتر هاريس و طلب منه أن يدفن وهو مقيد، حتى يعرض أمام الله كيف ظلمه العلويون.
المفارقة – كما يلاحظ خالد الجامعي – أن المخزن نظم له جنازة رسمية بعد وفاته، وهو ما يذكره بما حدث لاحقًا مع الجنرال الدليمي.
موقف والده من قبيلة أولاد جامع
لم تكن علاقة والد خالد الجامعي، الحاج بوشتى الجامعي، بقبيلة أولاد جامع جيدة. فقد زارها مرة واحدة فقط بعد وفاة والده، ثم منع أبناءه منعا كليا من العودة إليها أو ربط أي علاقة بها، وكان يقول: أولئك لا يصلحون للرفقة، فما بالك بالقرابة.
الجدة مريم… المرأة التي صنعت عالما
لم يقضِ والد خالد الجامعي فترة طويلة في الدوار، لأن أمه الجدة مريم أصرت على أن يتعلم ويصير عالمًا.
ألحقته بالمسيد بمجرد أن تعلم الكلام، وكانت تجبره كل مساء على استظهار ما حفظه من القرآن. وإذا شعرت بتلعثمه، تنهره قائلة:
“قم من أمامي، أنت لم تحفظ جيدًا.” لم يكن يدرك أن أمه لا تعرف القراءة والكتابة، وأنها كانت تتحايل عليه لاختبار جديته، إلا عندما كبر.
رفضت الجدة مريم الذهاب إلى الحج، وقالت: “حجي هو تعليم ابني بوشتى.” و بالفعل تحقق حلمها عندما انتقل ابنها إلى فاس للدراسة في جامعة القرويين.
بوشتى الجامعي و الحركة الوطنية
بعد تخرجه، التحق بوشتى الجامعي بالحركة الوطنية، وسكن في غرفة بإحدى المدارس التي وقفها له خاله. وكانت تلك الغرفة نواة لاجتماعات طلبة قرويين وطنيين، من بينهم علال الفاسي ، وستتحول لاحقًا إلى الحزب الوطني ثم حزب الاستقلال.
كانت عائلة علال الفاسي هي الأسرة المحتضنة لوالد خالد الجامعي، ولذلك اقترح عليه الزواج بعد وفاة زوجته الأولى.
قصة الحب والزواج والصبر
تزوج بوشتى الجامعي أولًا من امرأة من أولاد جامع، أنجبت له عائشة (توفيت) و فاطمة التي ستصبح لاحقًا ذاكرة العائلة. ثم تزوج من امرأة فاسية من عائلة الشرايبي، بعد وساطة علال الفاسي، رغم رفض الجدة في البداية بدعوى أنه “عروبي”.
نشأت بينه وبين زوجته قصة حب نادرة، وتجلى ذلك عندما اعتقل و حكم عليه بخمس سنوات سجن، مع احتمال النفي. عرض على زوجته أن يحررها من أي التزام، لكن ردها كان: “لا أقبل أن أكون لغير بوشتى الجامعي.”
انتظرته أكثر من ثماني سنوات، بين السجن والنفي إلى نواحي بركان، حيث درّس العلوم الشرعية، ومن تلامذته الشيخ حمزة البوشيشي، الذي أكد ذلك لاحقًا بنفسه لخالد الجامعي.
السلفية المتنورة داخل الحركة الوطنية
يختم خالد الجامعي هذه الحلقة بالحديث عن العلاقة المعقدة بين الحركة الوطنية ذات النزوع السلفي، والحركة الصوفية، مؤكدًا أن رموزًا مثل:
* علال الفاسي
* بوشتى الجامعي
* عبد العزيز بن إدريس
* الهاشمي الفلالي
مثلوا نموذج السلفية المتنورة، إذ تبنوا المظهر العصري بعد مغادرتهم القرويين، وكانوا الشق الإسلامي المستنير داخل الحركة الوطنية، مقابل نخبة متفرنسة مثل محمد الفاسي.
--- انتهت الحلقة الأولى و إلى الحلقة المقبلة بحول الله.


إرسال تعليق