مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي الحلقة الأخيرة | بن بركة قتل خالي

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

  مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي الحلقة الأخيرة | بن بركة قتل خالي 

مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي الحلقة الأخيرة | بن بركة قتل خالي


في الحلقة الماضية تحدث خالد الجامعي عن علاقته الصحفية مع جريدة لو جورنال ومجلة كلمة. أما في هذه الحلقة، فيكشف عن علاقته الفنية مع مجموعة ناس الغيوان، وعن واحد من أسرار والده مع الحسن الثاني.

يقول الجامعي:
أما قصتي مع الفن وناس الغيوان بشكل خاص، فلي علاقة خاصة بهذه المجموعة منذ تأسيسها، لكنها علاقة لم تخلُ من نقد لهذه المجموعة وغيرها من مجموعات جيل السبعينيات. تعرفت عليهم من خلال صداقتي بالطيب الصديقي ونادية بردالي، كما أن الاثنين من أبرز الأسماء داخل هذه المجموعة، وهما العربي باطما وبوجميع، وقد سبق لهما أن تتلمذا على يد والدي في مدرسة الأزهر باللارميرطاج بالدار البيضاء، وهي مدرسة تخرج منها عدد من الفنانين والمناضلين، من بينهم شهيد الحركة الماركسية اللينينية في المغرب عبد اللطيف زروال.

كانت هناك علاقة لناس الغيوان بنادية بردالي، خاصة عندما زارنا محمد بودية، الصحفي والمسرحي الجزائري، المنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذي قام بعدة عمليات فدائية قبل أن يتم اغتياله من طرف الموساد الإسرائيلي في باريس سنة 1973 بتفجير سيارته. كان محمد بودية صديقًا لنادية بردالي ومديرًا لمسرح غرب باريس، وطلب من ناس الغيوان، الذين لم يكونوا يحملون هذا الاسم بعد، المجيء إلى باريس لإطلاق الأغنية السياسية.

وبالفعل، سافرت المجموعة إلى باريس، غير أن أفرادها لم يكونوا يمتلكون الوعي والإرادة الكافيين لتأسيس فعل ثقافي بالحجم والقيمة التي كان محمد بودية يطمح إليها، لذلك عاد الغيوان سريعًا إلى المغرب، وأسسوا مجموعة “نيو ديرفيش” (الدراويش الجدد)، وهو اسم مستوحى من حركة “نيو إيدج” الروحانية التي ظهرت في الستينيات.

في هذه المرحلة، ارتبط ناس الغيوان بالمسرح عن طريق الطيب الصديقي، الذي سماهم لاحقًا بمجموعة ناس الغيوان. ويؤكد الجامعي: كنت من أوائل الذين كتبوا عن تجربة ناس الغيوان، بل أول من كتب عنها في لوبينيون بنبرة نقدية، كما أنجزت أطروحتي للإجازة حول هذه المجموعة.

خلصت في بحثي إلى أن ناس الغيوان تشتغل على التراث بشكل استلابي للغرب، إذ لا نجد في التراث المغربي حاجزًا بين الجوقة والجمهور، بينما لدى ناس الغيوان توجد خشبة وجدار رابع. كما أن نصوصهم المغناة لا تحمل خطابًا سياسيًا واضحًا، بل تظل قابلة لتأويلات متعددة، مثل قولهم: “دقة تابعة دقة شكون حد الباس”، حيث يمكن تفسيرها دينيًا أو سياسيًا حسب المتلقي.

ويضيف الجامعي أن المجموعة حُمّلت أكثر مما تحتمل، وتم إسقاط تأويل سياسي ثوري على أغانيها، في وقت كانت فيه تغني داخل القصر، ولم يُعتقل أي فرد من أفرادها، عكس ما راج في الأوساط الشعبية. ويقارن ذلك بتجارب أمريكا اللاتينية، حيث كانت الأغنية السياسية تسمي الأشياء بأسمائها دون غموض أو ترميز.

ويرى أن ما ينطبق على ناس الغيوان يسري أيضًا على مجموعات جيل جلالة والمشاهب، التي لم تمتلك الوعي السياسي الكافي، وسقطت في استلاب شكلي للتجارب العالمية دون الجرأة على تسمية القمع والديكتاتورية. ويقارن ذلك بتجربة فناني حركة 20 فبراير، الذين سمّوا الأشياء بمسمياتها دون لبس.

يشير الجامعي إلى أن أغنية “الصينية” كانت الوحيدة التي حملت مضمونًا سياسيًا واضحًا في صيغتها الأولى، حيث ورد فيها مقطع: “اش ذنب المهدي”، والمقصود به المهدي بن بركة، قبل أن يتم حذف هذا المقطع. ويُقال إن الأغنية كانت تُغنى من طرف رجل أعمى بساحة جامع الفنا قبل أن تلتقطها ناس الغيوان وتغير مضمونها.

وبموازاة علاقته بالطيب الصديقي، كان
مت له علاقة قوية بأخيه الشاعر والكاتب المسرحي الراحل سعيد الصديقي (عزيزي)، الذي درّسه في المدرسة المحمدية، ثم أصبح صديقًا له. كما تعرف عبره على الشاعر مصطفى القصري، أول من ترجم ديوان أزهار الشر لبودلير، وعلى الشاعر كمال الزبدي، الذي كتب فيه قصيدة بعد رسالته الشهيرة إلى إدريس البصري، وهو ما فعله أيضًا محمد خير الدين سنة 1993.

كان هؤلاء الشعراء يلتقون في مقهى باليما بالرباط، رفقة محمد العربي الخطابي، وزير الإعلام الوحيد الذي دافع عن حرية التعبير أمام الحسن الثاني. وللتحايل على الراقبة، كانوا يضعون راحة الكف فوق السبابة للدلالة على “صاحب المظلة”، أي الملك.

ورغم صداقته لسعيد الصديقي، هاجمه هذا الأخير بسبب تصريح أدلى به لوكالة الأنباء الفرنسية حول المقيم العام ليوطي، دعا فيه إلى قراءة تاريخ المغرب قراءة علمية نسبية. لكن الخلاف انتهى بروح الدعابة التي طبعت علاقتهما.

حقيقة مقتل أحمد الشرايبي كما ترويها عائلة خالد الجامعي

أما حقيقة أن المهدي بن بركة هو الذي قتل خالي أحمد الشرايبي، أحد مؤسسي منظمة الهلال الأسود المقاومة، فهذا ما تقوله عائلة والدي، وهي كالتالي، وهي قصة طويلة.

قبل أسبوع من اغتيال خالي أحمد الشرايبي، تم قذف بيته في الدار البيضاء بقنبلة انفجرت داخله دون أن تؤذي أحدا. وحسب ما تحكيه عائلة والدتي أيضا، فإن الفقيه البصري عندما فر من سجن القنيطرة سنة 1955 قصد بيت خالي، وقضى فيه أسبوعا كاملا هو وستة من مرافقيه، ومن بيت خالي ذهب إلى بيت بوشعيب الزموري.

وبعد ذلك بمدة قصيرة سيتم اغتيال خالي، فإذا فالفقيه البصري، الذي يتهم بدوره بالتورط في دم خالي الشرايبي، قد حل ضيفا على الأخير في بيته قبل أن يتم اغتياله بأيام.

لقاء المهدي بن بركة بالشرايبي ورفض الانضواء


لذلك فإن أسباب قتل أحمد الشرايبي ورفاقه في الهلال الأسود لم ينفض عنها كثير من الغبار، وتُقحم عائلة والدي المهدي بن بركة في قتل خالي أحمد الشرايبي، لأن الشرايبي تم استقباله من طرف المهدي بن بركة في الرباط قبل أقل من 15 يوما على اغتياله.

وطلب منه بن بركة في هذا اللقاء العمل على جعل منظمة الهلال الأسود تنضوي تحت راية المقاومة التي كان يتزعمها الفقيه البصري، فرفض الشرايبي ذلك، ليجيبه بن بركة: «إيلا ما بغيتوش تدخلوا، تحملوا مسؤوليتكم».

وقد حكى الشرايبي ذلك لعائلته ومقربيه، وأكد لهم أن مجموعة بن بركة لن يهدأ لها بال إلا بعد قتله هو ومن معه في الهلال الأسود.

وبالفعل، فقد تم اغتيال عبد الله الحداوي زعيم المنظمة وعدد من القياديين داخلها، ثم جاء الدور على خالي الذي تم تصفيته في اليوم الموالي لقيام محمد الخامس بأول زيارة للدار البيضاء.

وقد نفذت عملية الاغتيال عناصر كان يقودها المسمى أحمد الطويل، الذي تحكي عائلة والدتي أنه كان يعمل تحت إمرة المهدي بن بركة. وفي الليلة التي اغتيل فيها خالي، تمت تصفية 60 رئيس خلية من الهلال الأسود.

تفاصيل اغتيال أحمد الشرايبي


تم اغتيال خالي أحمد الشرايبي، حسب ما حكته لي والدتي، بعدما طلبت منه أن يشتري لي قميصا، فذهب إلى محل بيع الملابس قرب سينما الملكية في درب السلطان بالدار البيضاء.

وعندما دخل إلى المحل، داهمه القتلة، هبطوا “الريدو”، شنقوه بحبل من القنب الرقيق، ثم حملوه في علبة كرتونية ورموه في مزبلة بحي القريعة.

ما زال مشهد أحمد الشرايبي ميتا ماثلا نصب عيني، فقد رافقت العائلة وأنا ابن الثانية عشرة إلى القريعة، حيث عثرنا على جثته داخل كرتونة.

تهديد بشتى الجامعي ومحاولة اغتياله


أما قصة والدي بشتا الجامعي، فقد تم تهديده بدوره بالقتل. عندما كان والدي في سجن غبيلة بين سنتي 1953 و1954، عرف أن هناك تيارا داخل حزب الاستقلال يعتبر العلماء السلفيين داخل الحزب رجعيين، ويسعى إلى التخلص منهم بأي شكل من الأشكال.

ولكي يجد هؤلاء سببا كافيا لاغتيال والدي، فقد اعتبروا أنه مقرب من منظمة الهلال الأسود، وهكذا تم تكليف المقاوم سعيد بونعيلات بعد مدة باغتيال والدي.

جاء بونعيلات ليلا إلى والدتي وقال لها: «غدا قولي للفقيه أخوي راني جاي نقتله». وفعل بن عيلات ذلك لأنه سبق أن كان ضمن خلية لحزب الاستقلال يشرف عليها والدي.

ولاحقا حكى لي بونعيلات، الذي كان معروفا حينها باسم “موحماد”، عن متانة علاقته بوالدي، وكيف كان ينقلني معه وأنا طفل صغير في شاحنته. ولم ينس بونعيلات أن والدي كان أول من اعتقل في بداية الثلاثينيات في صفوف الحركة الوطنية، وأول مغربي اعتقل في مساندة القضية الفلسطينية في نهاية الأربعينيات.

وكان والدي مقربا من الفقراء، نظم حمالي البضائع في نقابة عندما كان في فاس. ولم يكن بن عيلات يملك أن يرفض الأوامر التي أعطيت له بقتل أبي، لكنه تفاداها بطريقته، حين جاء إلى والدتي وطلب منها أن تحث والدي على الهرب، حتى إذا ما جاء لقتله لم يجده.

أما حكاية أن والدي توسل إلى الله أن يقبض روحه لكي لا يلتقي بالحسن الثاني، فتوفي أياما فقط قبل لقائه، فهذا صحيح.

حدث ذلك عندما كان محمد بوستة وعلي يعتى رفقة الحسن الثاني في زيارة للجزائر سنة 1990 على متن الباخرة “مراكش”. في أثناء السفر، تحدث الاثنان مع الحسن الثاني عن الفقيه بشتا الجامعي، فطلب الملك لقاء والدي.

بعد العودة من الجزائر، اتصل بي محمد بوستة وأخبرني بذلك، ثم قابلت علي يعتى فقال لي نفس الكلام، فأبلغت والدي بأن الحسن الثاني يريد استقباله.

للحظة تدخلت والدتي قائلة: «الفقيه خصك تشري جلابه وبلغة جديدة». فأجابها والدي: «سيري تلعبي مع جرانك، بقات لي غير الجلابه والبلغة».

وأضاف: «ماذا عساني أقول للحسن الثاني؟ هل أقول له إنه خرج على هذه البلاد؟ إذا قلت له ذلك فسوف يمحي ولاد الجامع من على وجه الأرض».

ثم رفع كفيه إلى الله وقال: «هناك حل واحد يا ربي، تديني قبل ما نشوفه».

وفعلا، بعد أقل من أسبوعين على ذلك، استجاب الله لدعائه، وقبضه إليه دون أن يلتقي بالحسن الثاني.


التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث