مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 15 | جرى علي أخنوش
في الحلقة الماضية، تحدث الجامعي عن علاقته المهنية مع ولده بوبكر الجامعي في لو جورنال. في هذه الحلقة، سيتحدث عن علاقته بمعتقلي تازمامارت، وعن تجارب إعلامية أخرى مثيرة.
هناك من يقول إنني على علاقة وطيدة بعدد من المعتقلين السابقين في تازمامارت، بالرغم من أنني والجريدة التي كنت أترأس تحريرها، والحزب الذي كنت أنتمي إليه، تواطأنا بالصمت ضدهم يوم كانوا في واحد من أسوأ السجون التي عرفها التاريخ المعاصر المغربي: تازمامارت.
الجواب:
هناك من يقول إنني على علاقة وطيدة بعدد من المعتقلين السابقين في تازمامارت، بالرغم من أنني والجريدة التي كنت أترأس تحريرها، والحزب الذي كنت أنتمي إليه، تواطأنا بالصمت ضدهم يوم كانوا في واحد من أسوأ السجون التي عرفها التاريخ المعاصر المغربي: تازمامارت.
الجواب:
علاقتي الشخصية بمعتقلي تازمامارت بدأت يوم دخلت إلى لوبينيون ذات صباح في نهاية الثمانينيات، فوجدت مجموعة من النساء ينتظرن مدير الجريدة إدريس القيطوني. وعندما قدمن أنفسهن لي باعتبارهن زوجات معتقلي سجن تازمامارت، طلبت منهن مرافقتي إلى مكتبي، وهناك قلت لهن بكل صراحة:
هذه جريدة تابعة لحزب الاستقلال، وهذا الحزب لا علاقة له بتازمامارت، وبالتالي فأنتم تضيعون وقتكم بين أروقة هذه الجريدة، وأؤكد لكم مسبقًا أنها لن تكتب عنكم حرفًا واحدًا.
لم يسبق لأي قيادي في حزب الاستقلال أن استقبل عائلات معتقلي تازمامارت، ولم يشأ أي أحد استقبال عائلات المعتقلين. الوحيد الذي استقبلهم من قادة الأحزاب ووفى بوعده لهم هو محمد بن سعيد آيت يدر، الذي كان أول وآخر من أثار قضية تازمامارت في البرلمان.
نساء المعتقلين لن ينسين استقبالي لهن وحديثي معهن بكل تلك الصراحة. ففي تلك المرحلة التي أتحدث عنها، كان مجرد استقبال أفراد من عائلات معتقلي تازمامارت، والحديث إليهم بصدق، والتعبير عن مجرد تضامن معهم، يُدخل الحبور إلى قلوبهم.
قلت لنساء المعتقلين: لنترك جانبًا حزب الاستقلال وجرائده، ما الذي يمكنني أن أفعله من أجلكم؟
فأجبن: مجرد أنك استقبلتنا واستمعت إلينا باهتمام فهذا يكفي.
أما العلاقة الثانية بتازمامارت فكانت عبر أحمد المرزوقي.
بعد الإفراج عن معتقلي تازمامارت بمدة، دخل مكتبي في لوبينيون شخص قدم لي نفسه على أنه أحمد المرزوقي، وأخبرني أنه تعرض للاختطاف من طرف عناصر “الديستي”، وذلك عندما كان بصدد الإعداد لكتابة كتاب الزنزانة رقم 10.
بعد انتهائه من كتابة مذكراته، سلم المرزوقي المسودة إلى مثقف معروف بكتاباته عن العبيد والحريم للاطلاع عليها قبل نشرها، فقام هذا الأخير بتسليم المسودة إلى أيدي “دي إس تي”. نصب أفراد هذا الجهاز كمينًا للمرزوقي، عصبوا عينيه، واقتادوه إلى إحدى الفيلات، ولم يفرجوا عنه إلا بعد تحذيره من التعامل مع الصحافي الفرنسي إنياس دال، الذي كانت تربطه به علاقة.
عندما زارني وحكى لي ما حدث، كتبت مقالًا طويلًا شرحت فيه كل ما تعرض له هذا العائد حديثًا من تازمامارت، ونجحت في التحايل على إدريس القيطوني ونشرت المقال دون إخباره. ولا زلت إلى اليوم أذكر عنوان المقال، وهو مستوحى من رواية بنفس العنوان للكاتب آلان باتون، التي تتحدث عن معاناة السود مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا.
قام أحمد المرزوقي بترجمة ذلك المقال وضمنه في كتابه تازمامارت: الزنزانة رقم 10. وبعد ذلك أصبحت عضوًا شرفيًا في جمعية ضحايا معتقل تازمامارت، واشتغلت فيها مع الضحايا، وما زلت إلى الآن على اتصال بمعتقلي تازمامارت.
بعد تعويض ضحايا تازمامارت من طرف الدولة عن سنوات اعتقالهم، تأسست جمعية ضحايا أحداث الصخيرات، التي اعتبر مؤسسوها أن أغلب معتقلي سجن تازمامارت كانوا مسؤولين عن قتل ذويهم، وقد تم تعويضهم بدورهم. هؤلاء أيضًا ضحايا لأحداث استُبيحت فيها حقوق الإنسان بفظاعة، بغض النظر عمّا إذا كان تأسيس جمعيتهم جاء كرد فعل على تعويض الدولة لمعتقلي تازمامارت أم لا.
الأهم من هذا وذاك هو أن ضحايا معتقل تازمامارت رحبوا بفكرة تأسيس جمعية ضحايا أحداث الصخيرات، وكانت لأحمد المرزوقي تصريحات متعددة في هذا الباب. لكن على ضحايا محاولة انقلاب الصخيرات لسنة 1971 أن يقرّوا بأن تازمامارت كانت نقطة سوداء في تاريخ المغرب، وقد حصلت فيها عدالة إلهية، إذ إن مدير سجن تازمامارت، الذي كان يتلذذ بتعذيب السجناء، مات مربوطًا إلى سريره، يأكل برازه.
علاقتي بأحمد المرزوقي تطورت إلى أن أصبح مترجمًا لعدد من كتاباتي. أحمد أحمل له احترامًا خاصًا، فهو نموذج حي للقوة الفكرية للإنسان. كيف يمكن تصور أن رجلًا عاش 18 سنة تحت الأرض دون أن ينكسر معنويًا، يغادر السجن، ويجتاز امتحانات البكالوريا، ويحصل على الإجازة في القانون؟
هذا النموذج يجب أن يراه الشباب المغربي حتى لا يسقط في الاتكالية ويستمر في ترديد عبارات: “ما قدرش ندير شي حاجة”.
أحمد المرزوقي هو أحسن مترجم تعاملت معه؛ لغته العربية مشبعة باللغة القرآنية، ولا يترجم ترجمة حرفية، بل يدخل إلى ذهني ويعبر عن أفكاري باللغة العربية. وهو الآن يترجم لي مجموعة قصصية.
أما علاقتي بسيرفان شرايبر، مالك أسبوعية لافي إيكونوميك، فقد بدأت عندما شرعت في كتابة مقال ثابت فيها، بينما كنت في الوقت نفسه أتولى رئاسة تحرير لوبينيون. كانت علاقة جيدة، ولم تُفرض علي الرقابة في جريدته كما كان الحال في لوبينيون.
ويجب أن تعرفوا أن الفضل في اقتناء لافي إيكونوميك من طرف سيرفان شرايبر سنة 1994 يعود إلى الحسن الثاني، الذي كلف أندري أزولاي، بعد تعيينه مستشارًا له سنة 1990، بمهمة ربط الاتصال بالصحافة الفرنسية، وكان من ثمار ذلك الحوار الذي أجراه الحسن الثاني مع جريدة ليبيراسيون.
سمح الحسن الثاني استثنائيًا لشرايبر بشراء الأسبوعية رغم منع القانون امتلاك الأجانب للصحف، وكان ذلك مرتبطًا بالتحولات الدولية بعد تصدع المعسكر الشرقي وبداية تشكل نظام عالمي جديد شعاره الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولعب شرايبر دورًا في تلميع صورة نظام الحسن الثاني في فرنسا عبر لافي إيكونوميك.
بعد برمجة زيارة للحسن الثاني إلى فرنسا، أعدت الجريدة عددًا خاصًا طُبع منه عشرة آلاف نسخة، لكن مرض الملك حال دون السفر. طُلب مني أن أكتب مقالًا عن “الحسن الثاني والديمقراطية”، فقلت: إذا كتبت سأنتقد. وبعد نقاشات، وزع العدد في المغرب، وقال الحسن الثاني: “وزعوا العدد ليعرف المغاربة ما هي ديمقراطيتي”.
كان إدريس البصري غير مرتاح لهذا الانفتاح، وما هي إلا مدة حتى فُرض على شرايبر بيع الجريدة إلى عزيز أخنوش. بعد ذلك تعرضت لأول مرة للرقابة في لافي إيكونوميك، إذ رُفض نشر مقالي بدعوى أنه ينتقد المخزن. فقلت لهم: إذا لم تعودوا تتحدثون عن هذه الأمور، الله يهنيكم.
كان ذلك سنة 1997، السنة التي أُطلقت فيها أسبوعية لو جورنال التي أسسها ولدي بوبكر الجامعي رفقة آخرين، والتحقت بها بعد ستة أشهر من صدورها. خلال تلك الفترة، تحولت الجريدة من أسبوعية اقتصادية إلى جريدة شاملة ذات بعد سياسي واضح، متأثرة بتجربة فاينانشال تايمز والنموذج الإسباني للانتقال الديمقراطي.
ساهمت أحداث 1997 و1998 وحكومة التناوب في هذا التحول، لكن العامل الأساسي كان الاقتناع بصعوبة نجاح جريدة اقتصادية مستقلة في بلد مثل المغرب. ومع حكومة التناوب اختلفت مواقفنا، إذ كنت أنا وعلي المرابط ضدها منذ البداية، بينما كان بوبكر يراهن على نجاحها، ثم اعترف لاحقًا بأن موقفي كان صائبًا.
أما موقفي من مجلة كلمة لنور الدين عيوش، فقد كان دفاعًا عن حقها في الوجود رغم جرأتها. عاشت المجلة بين 1983 و1987، وخلخلت الجمود الفكري، لكن تم خنقها بالتضييق والحجز والإتلاف. حضرت عشاءها الأخير وبكيت لفقدانها، وقلت لصحافييها إن أبواب لوبينيون مفتوحة لهم.
من خلال علاقتي بنور الدين عيوش التقيت مليكة أوفقير بعد الإفراج عنها، وكان أول من تجرأ على تشغيلها. وبعد مدة قصيرة سمح لها بمغادرة المغرب. كما أتذكر افتتاحية كتبها بوبكر الجامعي من إنجلترا بعد صدور كتاب السجينة، رغم التخوف من رد فعل السلطة.
أما عودة أبراهام السرفاتي سنة 1999، فكنت ضد الطريقة التي تمت بها، وقلت إن عودته يجب أن تكون بقرار قضائي لا سياسي. عبرت له عن ذلك لاحقًا، وكان رده أنه تعب من الانتظار وأراد العودة بأقصر الطرق.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.
هذه جريدة تابعة لحزب الاستقلال، وهذا الحزب لا علاقة له بتازمامارت، وبالتالي فأنتم تضيعون وقتكم بين أروقة هذه الجريدة، وأؤكد لكم مسبقًا أنها لن تكتب عنكم حرفًا واحدًا.
لم يسبق لأي قيادي في حزب الاستقلال أن استقبل عائلات معتقلي تازمامارت، ولم يشأ أي أحد استقبال عائلات المعتقلين. الوحيد الذي استقبلهم من قادة الأحزاب ووفى بوعده لهم هو محمد بن سعيد آيت يدر، الذي كان أول وآخر من أثار قضية تازمامارت في البرلمان.
نساء المعتقلين لن ينسين استقبالي لهن وحديثي معهن بكل تلك الصراحة. ففي تلك المرحلة التي أتحدث عنها، كان مجرد استقبال أفراد من عائلات معتقلي تازمامارت، والحديث إليهم بصدق، والتعبير عن مجرد تضامن معهم، يُدخل الحبور إلى قلوبهم.
قلت لنساء المعتقلين: لنترك جانبًا حزب الاستقلال وجرائده، ما الذي يمكنني أن أفعله من أجلكم؟
فأجبن: مجرد أنك استقبلتنا واستمعت إلينا باهتمام فهذا يكفي.
أما العلاقة الثانية بتازمامارت فكانت عبر أحمد المرزوقي.
بعد الإفراج عن معتقلي تازمامارت بمدة، دخل مكتبي في لوبينيون شخص قدم لي نفسه على أنه أحمد المرزوقي، وأخبرني أنه تعرض للاختطاف من طرف عناصر “الديستي”، وذلك عندما كان بصدد الإعداد لكتابة كتاب الزنزانة رقم 10.
بعد انتهائه من كتابة مذكراته، سلم المرزوقي المسودة إلى مثقف معروف بكتاباته عن العبيد والحريم للاطلاع عليها قبل نشرها، فقام هذا الأخير بتسليم المسودة إلى أيدي “دي إس تي”. نصب أفراد هذا الجهاز كمينًا للمرزوقي، عصبوا عينيه، واقتادوه إلى إحدى الفيلات، ولم يفرجوا عنه إلا بعد تحذيره من التعامل مع الصحافي الفرنسي إنياس دال، الذي كانت تربطه به علاقة.
عندما زارني وحكى لي ما حدث، كتبت مقالًا طويلًا شرحت فيه كل ما تعرض له هذا العائد حديثًا من تازمامارت، ونجحت في التحايل على إدريس القيطوني ونشرت المقال دون إخباره. ولا زلت إلى اليوم أذكر عنوان المقال، وهو مستوحى من رواية بنفس العنوان للكاتب آلان باتون، التي تتحدث عن معاناة السود مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا.
قام أحمد المرزوقي بترجمة ذلك المقال وضمنه في كتابه تازمامارت: الزنزانة رقم 10. وبعد ذلك أصبحت عضوًا شرفيًا في جمعية ضحايا معتقل تازمامارت، واشتغلت فيها مع الضحايا، وما زلت إلى الآن على اتصال بمعتقلي تازمامارت.
بعد تعويض ضحايا تازمامارت من طرف الدولة عن سنوات اعتقالهم، تأسست جمعية ضحايا أحداث الصخيرات، التي اعتبر مؤسسوها أن أغلب معتقلي سجن تازمامارت كانوا مسؤولين عن قتل ذويهم، وقد تم تعويضهم بدورهم. هؤلاء أيضًا ضحايا لأحداث استُبيحت فيها حقوق الإنسان بفظاعة، بغض النظر عمّا إذا كان تأسيس جمعيتهم جاء كرد فعل على تعويض الدولة لمعتقلي تازمامارت أم لا.
الأهم من هذا وذاك هو أن ضحايا معتقل تازمامارت رحبوا بفكرة تأسيس جمعية ضحايا أحداث الصخيرات، وكانت لأحمد المرزوقي تصريحات متعددة في هذا الباب. لكن على ضحايا محاولة انقلاب الصخيرات لسنة 1971 أن يقرّوا بأن تازمامارت كانت نقطة سوداء في تاريخ المغرب، وقد حصلت فيها عدالة إلهية، إذ إن مدير سجن تازمامارت، الذي كان يتلذذ بتعذيب السجناء، مات مربوطًا إلى سريره، يأكل برازه.
علاقتي بأحمد المرزوقي تطورت إلى أن أصبح مترجمًا لعدد من كتاباتي. أحمد أحمل له احترامًا خاصًا، فهو نموذج حي للقوة الفكرية للإنسان. كيف يمكن تصور أن رجلًا عاش 18 سنة تحت الأرض دون أن ينكسر معنويًا، يغادر السجن، ويجتاز امتحانات البكالوريا، ويحصل على الإجازة في القانون؟
هذا النموذج يجب أن يراه الشباب المغربي حتى لا يسقط في الاتكالية ويستمر في ترديد عبارات: “ما قدرش ندير شي حاجة”.
أحمد المرزوقي هو أحسن مترجم تعاملت معه؛ لغته العربية مشبعة باللغة القرآنية، ولا يترجم ترجمة حرفية، بل يدخل إلى ذهني ويعبر عن أفكاري باللغة العربية. وهو الآن يترجم لي مجموعة قصصية.
أما علاقتي بسيرفان شرايبر، مالك أسبوعية لافي إيكونوميك، فقد بدأت عندما شرعت في كتابة مقال ثابت فيها، بينما كنت في الوقت نفسه أتولى رئاسة تحرير لوبينيون. كانت علاقة جيدة، ولم تُفرض علي الرقابة في جريدته كما كان الحال في لوبينيون.
ويجب أن تعرفوا أن الفضل في اقتناء لافي إيكونوميك من طرف سيرفان شرايبر سنة 1994 يعود إلى الحسن الثاني، الذي كلف أندري أزولاي، بعد تعيينه مستشارًا له سنة 1990، بمهمة ربط الاتصال بالصحافة الفرنسية، وكان من ثمار ذلك الحوار الذي أجراه الحسن الثاني مع جريدة ليبيراسيون.
سمح الحسن الثاني استثنائيًا لشرايبر بشراء الأسبوعية رغم منع القانون امتلاك الأجانب للصحف، وكان ذلك مرتبطًا بالتحولات الدولية بعد تصدع المعسكر الشرقي وبداية تشكل نظام عالمي جديد شعاره الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولعب شرايبر دورًا في تلميع صورة نظام الحسن الثاني في فرنسا عبر لافي إيكونوميك.
بعد برمجة زيارة للحسن الثاني إلى فرنسا، أعدت الجريدة عددًا خاصًا طُبع منه عشرة آلاف نسخة، لكن مرض الملك حال دون السفر. طُلب مني أن أكتب مقالًا عن “الحسن الثاني والديمقراطية”، فقلت: إذا كتبت سأنتقد. وبعد نقاشات، وزع العدد في المغرب، وقال الحسن الثاني: “وزعوا العدد ليعرف المغاربة ما هي ديمقراطيتي”.
كان إدريس البصري غير مرتاح لهذا الانفتاح، وما هي إلا مدة حتى فُرض على شرايبر بيع الجريدة إلى عزيز أخنوش. بعد ذلك تعرضت لأول مرة للرقابة في لافي إيكونوميك، إذ رُفض نشر مقالي بدعوى أنه ينتقد المخزن. فقلت لهم: إذا لم تعودوا تتحدثون عن هذه الأمور، الله يهنيكم.
كان ذلك سنة 1997، السنة التي أُطلقت فيها أسبوعية لو جورنال التي أسسها ولدي بوبكر الجامعي رفقة آخرين، والتحقت بها بعد ستة أشهر من صدورها. خلال تلك الفترة، تحولت الجريدة من أسبوعية اقتصادية إلى جريدة شاملة ذات بعد سياسي واضح، متأثرة بتجربة فاينانشال تايمز والنموذج الإسباني للانتقال الديمقراطي.
ساهمت أحداث 1997 و1998 وحكومة التناوب في هذا التحول، لكن العامل الأساسي كان الاقتناع بصعوبة نجاح جريدة اقتصادية مستقلة في بلد مثل المغرب. ومع حكومة التناوب اختلفت مواقفنا، إذ كنت أنا وعلي المرابط ضدها منذ البداية، بينما كان بوبكر يراهن على نجاحها، ثم اعترف لاحقًا بأن موقفي كان صائبًا.
أما موقفي من مجلة كلمة لنور الدين عيوش، فقد كان دفاعًا عن حقها في الوجود رغم جرأتها. عاشت المجلة بين 1983 و1987، وخلخلت الجمود الفكري، لكن تم خنقها بالتضييق والحجز والإتلاف. حضرت عشاءها الأخير وبكيت لفقدانها، وقلت لصحافييها إن أبواب لوبينيون مفتوحة لهم.
من خلال علاقتي بنور الدين عيوش التقيت مليكة أوفقير بعد الإفراج عنها، وكان أول من تجرأ على تشغيلها. وبعد مدة قصيرة سمح لها بمغادرة المغرب. كما أتذكر افتتاحية كتبها بوبكر الجامعي من إنجلترا بعد صدور كتاب السجينة، رغم التخوف من رد فعل السلطة.
أما عودة أبراهام السرفاتي سنة 1999، فكنت ضد الطريقة التي تمت بها، وقلت إن عودته يجب أن تكون بقرار قضائي لا سياسي. عبرت له عن ذلك لاحقًا، وكان رده أنه تعب من الانتظار وأراد العودة بأقصر الطرق.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





