ما لا تعرفونه عن مجموعة أودادن 03 | النجومية
بقلم: الأستاذ الحسين أمكوي
لقاء في مقهى "تامونت" بالدشيرة
ذهبتُ إلى الموعد ودخلت المقهى وأنا أتأبط دفتراً صغيراً وهاتفي الجوال. كنا خمسة جلسنا إلى طاولة مستديرة؛ جلس أمامي مولاي مسعود (صوت ديسكو)، وعلى يمينه مولاي حسن (منظم مهرجان بيوكرا)، وإلى شمالي محمد جمومخ وبجانبه محمد البياز.
بعد التعارف، استغرق الحديث عن الفن بصفة عامة أكثر من نصف ساعة، ليبدأ بعدها الحديث عن مجموعة "أودادن" بصفة خاصة. منذ حاولت الكتابة في المواضيع التي تشغل بالي، أحمل في جيبي باستمرار دفتراً صغيراً للملاحظات، واليوم، بما أن الذاكرة أصبحت تخونني كثيراً، صار الدفتر يمتلئ مع نهاية النهار.
شريط 1985: العمل المثالي وبركة "رضا الوالدين"
يُعتبر شريط مجموعة "أودادن" لسنة 1985 أحسن شريط على الإطلاق، وهو عمل مثالي تضمن قطعاً خالدة مثل: "ميي تريت إربي"، "أيزرين يوداك"، "مداح"، "إسلان"، و"إزنكاد".
لطالما كان الفنان عبد الله الفوا "مرضي الوالدين"، وفي هذا الشريط الأول شاركت معه المرحومة والدته بقصيدة؛ وجميل جداً أن تشاركك والدتك في عمل فني، فهذه هي البركة وهذا هو رضا الوالدين الحقيقي. في هذا الشريط، لم تدع المجموعة باباً إلا وطرقته: مواويل، تقاسيم، إيقاعات "كناوية" و"عيساوية" وغيرها، حيث أبدع عبد الله الفوا وأفراد المجموعة في تبادل الأدوار بمران وحرفية كبيرة.
سُجل العمل لدى "صوت المعارف"، هذا الاستوديو الذي أصبح فيما بعد مكاناً لتداريبهم ولقاءاتهم. ويؤكد مولاي مسعود — بحضور محمد جمومخ والفنان محمد البياز — أن هذا العمل هو أرقى ما قدمته المجموعة قاطبة، وقد حقق سبقاً في الوصول إلى الجمهور وإلى شاشة التلفزة الوطنية، وبيعت منه ما يناهز مليون نسخة.
لقد شكل العمل مفاجأة كبرى وحيّر المتتبعين، وكان حدثاً مذهلاً في تاريخ الأغنية الأمازيغية، إذ خالف القاعدة التي تقول إن الشريط الأول يكون مجرد خطوة ابتدائية؛ لكن "أودادن" كسرت القاعدة وبرهنت على احترافية عناصرها منذ الوهلة الأولى.
محطة 1986 وتحديات البداية
في سنة 1986، صدر شريط "أياتبير إكان أزروال" (سهرة حية بقصر الأندلس) من إنتاج "صوت المعارف". استمدت أغلب كلمات قطعه من التراث الأمازيغي فحقق نجاحاً جماهيرياً باهراً، وأثبت أن قدرات المجموعة لا تقل عن أعتى المجموعات المغربية ذات الصيت الواسع.يقول البعض إن سهرات المجموعة في بدايات الثمانينيات، وخاصة المحلية منها، كانت تشهد أحياناً عراكاً ورشقاً بالحجارة! حيث كان الجمهور ينقسم إلى قسمين: الأول من النساء والفتيات يشجعن ويزغردن، والثاني من الشباب يحتجون ويصفرون، وتتطور الأمور أحياناً إلى مشادات. يحكي أمهال العربي أنه كان يتلقى الحجارة ويواجهها بـ "الباف" (مكبر الصوت) الموجود بجانبه.
شهادة الفنان إبراهيم الرجال
استفسرتُ عن هذا الموضوع من الفنان الكبير إبراهيم الرجال، أحد مؤسسي مجموعة "إندوزال" والرياضي السابق في "أولمبيك الدشيرة"، والذي انضم لأودادن سنة 1987. يقول سي إبراهيم (69 سنة): "إن هذه الصراعات كانت تكتسي طابع الغيرة، نظراً لأن نمط المجموعة في بدايتها كان يركز على الحب والغزل والمرأة، وكان جل جمهورها من الجنس اللطيف". ويضيف أن هذا المشكل واجهته المجموعة فقط في إنزكان والدشيرة وبنسركاو، لأن ذلك الجمهور حينها لم يتقبل هذا النوع من الغناء.روى لي سي إبراهيم تفاصيل دقيقة، فمثلاً عند وصولهم إلى أي مدينة بالقطار أو الحافلة، يجدون الناس ينتظرونهم بسياراتهم وبالزغاريد، والكل يتسابق لأخذ موعد معهم لإحياء الحفلات والأعراس.
التأسيس والانضباط الصارم
لم يكن مؤسسو المجموعة (عبد الله الفوا، أحمد الفوا، العربي أمهال، محمد جمومخ، والمرحوم أعطور حسن) استثناءً؛ كانوا عشرة شبان من مناطق مختلفة من سوس، تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة، جمعهم الجوار في حي واحد. اشتروا آلاتهم (البانجو، الجيتار، تام تام، تاكنزا) بوسائلهم الخاصة، وبدأوا بإحياء أمسيات صغيرة للأصدقاء.بين عامي 1979 و1985، أحيت المجموعة سهرات عديدة دون تفكير في التسجيل، لكن شهرتها طارت عبر "الكاسيتات" التي كان يتداولها الجمهور ويسجلونها بآلات تقليدية، لدرجة وجود قرابة 300 تسجيل غير رسمي في السوق السوداء. هذا النجاح هو ما دفع شركة "صوت المعارف" للتعاقد معهم وتسجيل أول ألبوم رسمي عام 1985.
يؤكد إبراهيم الرجال أن "أودادن" كانت مجموعة منضبطة ولها قوانين داخلية صارمة. ففي الثمانينيات كانوا يحيون الأعراس طيلة الأسبوع (7/7) دون يوم راحة. كما تحدث عن تواضع عبد الله الفوا الذي كان يفضل التنقل مع المجموعة في "Minibus" رغم امتلاكه سيارة خاصة. ومن القوانين الصارمة للمجموعة، منع تناول المشروبات الروحية منعاً كلياً أثناء العمل، مهما كان نوع الحفل أو الطبقة الاجتماعية للمستضيف، وهو انضباط لم يره في أي مجموعة أخرى.
عبد الله الفوا: الإنسان والفنان
يصف إبراهيم الرجال رفيقه عبد الله الفوا بالإنسان الصريح والصادق، الذي لا ينكر فضل أحد. كان مولوعا بزيارة المدارس العتيقة والشيوخ، ويمتاز بروح الفكاهة. ومن الحقائق المثيرة أن عبد الله الفوا كان "أستاذ مطالة" (Tôlerie de voiture) كبيراً، واشتغل بشركة السياحة (Holiday Service) بأكادير ثم بالعيون، قبل أن يقرر احتراف الفن بصفة نهائية.العالمية: من سوس إلى "بيرسي" و"كوبنهاجن"
تعتبر "أودادن" سفيرة الموسيقى والهوية الأمازيغية لأكثر من 40 عاماً. في عام 2012، أصدرت ألبومها الثامن والعشرين، مؤكدة مكانتها كأكبر مجموعة للموسيقى الأمازيغية في العالم. وبإخلاص للفلسفة الأمازيغية القائمة على التضامن، استمر هؤلاء "الحكماء" في المشاركة في المهرجانات والأعراس التقليدية على حد سواء.اقتحمت المجموعة أكبر المسارح العالمية: "بيرسي" و"زينيت" في باريس، "وومكس" في كوبنهاجن، مهرجان "بوسارا" في زنجبار، سلفادور دي باهيا في البرازيل، ومهرجانات في بلجيكا، هولندا، والدنمارك.
موسيقى أودادن هي عاصفة يسبقها هدوء، موسيقى حية تبعث الروح في الجمهور. يقول أحد المتتبعين إنه في نهاية الثمانينيات، حققت أغنية "Amzyi adou dergh" (أمسك بي أو أسقط) نجاحاً أسطورياً. أما الموسيقار كامل زكري فيقول: "عندما أستمع إليهم، أسمع شيئاً قريباً جداً من موسيقى الغيبوبة (Trance) المتعلقة بالعباقرة".
هكذا تظل "أودادن" ظاهرة فنية تخطت الحدود، لتكتب تاريخاً مرصعاً بالنجومية والأصالة.





