مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 14 | علاقتي ببوبكر الجامعي
في الحلقة الماضية حكى الجامعي الكثير عن علاقته الخاصة مع إدريس البصري، وفي هذه الحلقة غادي يتحدث عن هامش الحرية في أواخر التسعينات، ويواصل حكاياته مع إدريس البصري.
وكيقول: دار بيني وبين إدريس البصري خلال العشاء اللي جمعني به في بيت القيادي الاستقلالي السابق مولاي محمد خليفة في 1999، واللي غادي يقترح علي البصري فيه يشتري الحسن الثاني مطبعة الأسبوعية لو جورنال اللي كان ولدي بوبكر الجامعي مدير نشرها.
بمجرد ما دخل البصري رفقة أحد مساعديه بادرني بالقول: اش أخبارك أولد الجامعي؟ كي داير بوبكر؟ جاوبته: كي داير توفيق، وأضافت لنتفق: إذا انت ناديتني بخالد ساناديك بإدريس، وإذا قلت السي خالد أقول لك السي إدريس. ضحك البصري وجاوب: احنا جوج ديال العروبية ضاربنا الله، عيط لي إدريس وأنا نعيط لك خالد.
يبدو للناس هذه جرأة كبيرة في حديثي مع الرجل الثاني في النظام. مرة حكيت هذه التفاصيل لأحد الصحفيين وظن أنني أبالغ، فاتصل بمولاي محمد الخليفة يسأله عن الموضوع، فقدم مولاي محمد شهادة قال فيها ما مفاده أنه لم يسبق له أن رأى أحدًا يكلم إدريس البصري بجرأة مثل خالد الجامعي.
كان يرافق البصري في هذا اللقاء مدير ديوانه عثمان بوعبيد. خرج البصري في بداية هذا اللقاء ورقة من جيبه ليظهر أنه يسجل ما يقوله له الحسن الثاني، وأنه مجرد مشاوري جايب الخبار ديال الملك، ثم قال: كيقول لك سيدنا نصره الله، اتوقفوا على الحديث عن أبراهام السرفاتي. أبراهام السرفاتي كان منفي فرنسا، وتوقفوا على الحديث على عبد السلام ياسين كان رهن الإقامة الجبرية، وأضاف: وهذاك عبد الله زعزاع توقفوا عن نشر ذاك البسالات دياله اللي كيهضر فيها على الجمهورية.
ثم تساءل باستنكار: علاش كطبعوا لو جورنال في الخارج؟ عندما أنهى كلامه جاوبت قائلاً: أولاً أنا لست مدير الجريدة بل بوبكر الجامعي، وأنا مجرد كاتب رأي فيها. قاطعني وقال لي: قال لك سيدنا أنت باه كيعلق، زعما هذه هي عقلية المخزن: بوه يربيه.
جاوبت البصري: أنا ما يمكن ليّاش نتحدث باسم بوبكر، ويمكن أن تفتاتحه شخصيًا في الموضوع. فقال: بوبكر صافي راه سميه سيدي، يعني ولي العهد الملك محمد السادس، صيفط ليه فؤاد علي الهمة وشوف قوالب المخزن، أنا مصيفطين ليّ البصري وبكر مصيفطين ليه الهمة، زعما كل ثور يحروا مع جرينو.
أضفت: في اعتقادي أن لو جورنال ستستمر في الحديث عن السرفاتي وعن ياسين، أما عبد الله زعزاع كنتعجب كيفاش كتخافوا من شخص أعزل كيقول مفرده أنه جمهوري، وأنتم دولة تتباهى بكونها متجذرة وسط المغاربة وكتحكم البلاد لأزيد من ثلاث قرون. أما عن طبع لو جورنال في الخارج فلم نلجأ إليه إلا بعدما ضيقتم علينا الخناق في الداخل.
وأضافت: هل تظن أن الحزب الشيوعي أو البوليساريو هم من يؤدون مصاريف طبع الجريدة في الخارج؟ أنت تملك الدي إس تي واللادجيد، فكيف لا تعرف من يؤدي لنا مصاريف طبع الجريدة؟
قطعني البصري وقال لي: قال لك سيدنا إلا كان غير المشكل ديال الطبع هو يشري لكم طباعة، ثم استطرد قائلاً: ولن يتدخل أحد في خطكم التحريري. جاوبته بلا باقة: الله يجازيه بخير سيدنا، قول له راه ما محتاجينش، ونهار نحتاجوا غادي ندقوا في الدار الكبيرة.
قاطعني البصري: إلا ما بغيتوش أنا نجيب لكم مطبعة. جاوبته: آ السي إدريس اللي بغى يسعى يقصد الديور الكبار، واش أنا مخلي الملك ونجي عندك أنت؟ وضحكنا بجوج.
أضفت: أنت إلى عطيتينا شي حاجة غادي تبدأ تسب فينا وتقول لنا اش كتكتبوا. عندما كنا نغادر بيت مولاي محمد الخليفة أشرت للبصري إلى أنني أعرف أن مرض الحسن الثاني في مراحل متقدمة، ونصحته أن يطلب من الملك الجديد إعفاءه. جاوب: لا، سيدنا الله يطول في عمره.
أضفت: راه الملك مريض، ونصيحتي ليك هي أنه عندما ينتقل الحكم إلى الملك الجديد، وهو أمر أصبح منظور، طلب منه أنه يعفيك من مهامك، وإلا فإن الجيل الجديد سوف يدهسك كما سيدهسني أنا، ويتجاوزك بأفكاره وديناميته، قبل أن يتخلص منك.
هناك من يقول إن إدريس البصري اعتُقل من طرف ضباط سامين في الجيش يوم بيعة الملك محمد السادس، وأن الأمير مولاي هشام هو من تدخل للإفراج عنه قبل أن يتم إلباسه سجل باب ويتم اقتياده إلى قاعة العرش شخصيًا. كنأكد هذه المعلومة أن البصري تم اعتقاله يوم بيعة محمد السادس، وكنتحفظ على تفاصيل ذلك.
المصدر اللي خبرني بها لم يسبق أن سألت البصري عن هذه الواقعة، لكن سألت إدريس البصري عندما أصبحت ألتقي به بعد إبعاده من وزارة الداخلية عن مسؤوليته عن معتقل تازمامارت الرهيب. قسم لي بأغلظ الإيمان لا يد له في تازمامارت، وأن الدليمي هو الذي بادر الحسن الثاني عندما طلب منه إيجاد حل للجنود والضباط المعتقلين على ذمة انقلابي 1971 و1972.
قال الدليمي: نعم أسيدي أنا عندي ليهم حل، وهكذا قادهم إلى سيت تازمامارت اللي عين عليه شخص شبه أمي مدير ليه، وهو محمد القاضي اللي كينحدر من منطقة زكوطه القريبة من مدينة دليمي سيدي قاسم، واللي نكل بالمعتقلين. فكان هذا المدير كلما توفي أحدهم من شدة المعاناة يتصل بالمسؤولين قائلاً: راه تهرست واحد القرعة ديال كوكا كولا، فيجاوبوه: لوح الشقوفة.
هناك من يقول إن الدليمي توفي في حادثة سير غامضة في 1983، وإدريس البصري الرجل الثاني في الدولة بعد الحسن الثاني، ولا هو المسؤول على تازمامارت. الجواب اللي عندي خبرني به البصري أنه بعد وفاة الدليمي ولى الجنرال مولاي حفيظ هو المسؤول عن تازمامارت، ومن بعد وفاة مولاي حفيظ العلوي في 1989 أصبح حسني بن سليمان هو المسؤول على تازمامارت.
أما قصة إدريس البصري مع الإعلام، فلقد لعبت القناة الثانية دوزيم بعد تأسيسها من طرف مجموعة أومنيوم شمال إفريقيا (أونا) دورًا مهمًا في مواكبة الانفتاح السياسي اللي عرفه المغرب سنوات التسعينيات، سواء تشغيلها لكفاءات وطنية أو عبر استضافتها لأسماء كانت مدرجة في اللائحة السوداء لدار الإذاعة والتلفزة.
ويجب أن نعرف أن دوزيم لم يكن يتحكم فيها البصري، بل كانت مرتبطة مباشرة بالقصر الملكي. وعندي واحد المثال: عندما وقعت تفجيرات فندق أطلس أسني في مراكش صيف 1994 استدعاني الصحفي محمد ماماد، وكان حينها رئيس التحرير في دوزيم، لحضور برنامج حول الموضوع.
وعلى ذكر ماماد، فعندما تولى نور الدين الصايل إدارة دوزيم في أبريل 2000 كان أول ما قام به هو طرد محمد ماماد وصحفي آخر ومسؤول في إدارة القناة، لأنهم عرضوا غلاف عدد لو جورنال الذي تضمن مقالًا عن محمد عبد العزيز زعيم بوليساريو. ليس الصايل من اتخذ هذا القرار من تلقاء نفسه، بل جون أندري أزولاي ومحمد العربي المساري وزير الإعلام حينها، واللي سيتم إبعاده من الوزارة شتنبر من السنة نفسها.
لنعود إلى تفجيرات فندق أسني 1994. اللي قلته في البرنامج المخصص لمناقشة موضوع التفجيرات: أولاً بعد حدود التفجيرات تم إنجاز برنامج شبه مباشر على الأحداث، وهو ما لا يمكن إنجازه اليوم. هل تتصور اليوم إنجاز برنامج يستضيف معارضين حقيقيين في أعقاب اعتقال عبد القادر بن العرج أو إثر تفجيرات أركانة؟
المهم اتصل بي الصحفي محمد ماماد للمشاركة في ذلك البرنامج، فقلت له أنا لا أشارك إلا في البرامج المباشرة. فأوضح لي أن الزمن الذي سيفرق بين تسجيل الحلقة وبثها لن يتعدى دقيقتين. ثم سألته: واش الجهات العليا غادي تشوف هذا الشيء؟ وقصدت بذلك الحسن الثاني طبعًا. جاوبني ماماد: نعم سيراه، لكنني لا أظن أن فارق دقيقتين سيكفي لإبداء ملاحظات وأعمال المقص.
أضفت سائلاً: ولكن هل يمكنني يا ماماد أن أتحدث في كل؟ فأجاب: بدون حدود، لن يوقفك أحد. سألته بعدها عن من سيكون معي في الحلقة، فقال: محمد أوجار الذي كان مديرًا لجريدة الميثاق، والصحفي السوداني طلحة جبريل.
قلت: لا يعقل أن يدخل السلاح إلى هذا البلد ويخزن في منطقة أكنول قريبا من مقر الدرك الملكي. وأضافت موجها الكلام إلى البصري: لا يعقل ألا يكون لوزير الداخلية علم بهذا الأمر. ثم استطردت بانفعال: شكون هذا اللي قرر يدير الفيزا مع الجزائر، كما انتقدت طريقة إجراء رجال الدرك تحقيقات بوجه مكشوف، مما يعرض الأمنيين الذين يحققون في الموضوع إلى خطر الانتقام منهم.
المهم أنني تبوردت، وعندما انتهى البرنامج قال لي ماماد: قالوا لي خليه يهضر وخليتك. أظن أن الحسن الثاني كان باغي الخدمة في إدريس البصري، وكان بحاجة إلى من ينتقده أمام الجمهور، لكن لا دليل لدي على هذا.
لقد سقت هذه الحكاية للتدليل على أن هامش الحرية الذي كان متاحًا في بداية التسعينيات لم يعد متوفرًا في المغرب اليوم. ففي الوقت الذي كنا نطمح فيه إلى توسيع هذا الهامش، تم تضييقه بشدة.
ومن المفارقات أنه في بداية التسعينيات كنت أدرس الصحفيين في المعهد العالي للصحافة، بالرغم من أنني كنت صوتًا جريئًا وكنت على خلاف تام مع إدريس البصري. وعندما اتصلت بمدير المعهد ثم كاتبه العام آنذاك محمد طلال، سألتهما هل أخبرتما إدريس البصري بهذا؟ فأجابني نعم، وأضاف أن البصري قال: المدير ما تلقاش حسن من خالد الجامعي.
اليوم لا وجود لهذا التفكير، المسؤولون الحاليون يتعاملون بمنطق معي أو ضدي. كلفني المعهد بتدريس مادة التحليل السياسي، فكنت أحضر إلى الدرس وأحمل قصاصة خبرية أثبتها على السبورة وأبدأ في تحليلها رفقة الطلبة.
لقد كنت أنا من أدخل الفوضى الخلاقة إلى المعهد، حيث أزحت المكتب وحولت مقاعد الطلبة إلى نصف دائرة، واشتغلنا على شكل ورشة بطريقة تفاعلية وتشاركية.
وفي نهاية الموسم طلبت مني إدارة المعهد أن أمتحن الطلبة في المادة التي كنت أدرسها، فأجبت بأنني ضد الامتحانات ولن أمتحن أحدًا. لكن الإدارة أفهمتني بأنه سيكون علي أن أعطي نقطة للطلبة كل حسب مجهوده.
فدخلت للفصل وأعطيت ورقة الحضور للطلبة، وطلبت منهم أن يضع كل واحد منهم نقطة لنفسه، ثم أخبرتهم بأنني سأراجع تنقيطهم ولا داعي إلى أن يمنح أحد نفسه نقطة 20 على 20. وعندما أعادوا إلي ورقة الحضور لم يكن هناك من أعطى نفسه نقطة تفوق 12 على 20.
طريقتي في التعامل تقوم على أن أضع من يتعاملون معي أمام مسؤوليتهم، وهم غالبًا يتحملونها، خصوصًا عندما يعرفون أنك لا تتعامل معهم على أساس نفعي ضيق.
فعندما طلبوا مني في إدارة المعهد توقيعًا على وثائق لصرف راتبي، جاوبتهم: أنا أتبرع براتبي على إدريس البصري ووزارته في الإعلام.
بمجرد ما دخل البصري رفقة أحد مساعديه بادرني بالقول: اش أخبارك أولد الجامعي؟ كي داير بوبكر؟ جاوبته: كي داير توفيق، وأضافت لنتفق: إذا انت ناديتني بخالد ساناديك بإدريس، وإذا قلت السي خالد أقول لك السي إدريس. ضحك البصري وجاوب: احنا جوج ديال العروبية ضاربنا الله، عيط لي إدريس وأنا نعيط لك خالد.
يبدو للناس هذه جرأة كبيرة في حديثي مع الرجل الثاني في النظام. مرة حكيت هذه التفاصيل لأحد الصحفيين وظن أنني أبالغ، فاتصل بمولاي محمد الخليفة يسأله عن الموضوع، فقدم مولاي محمد شهادة قال فيها ما مفاده أنه لم يسبق له أن رأى أحدًا يكلم إدريس البصري بجرأة مثل خالد الجامعي.
كان يرافق البصري في هذا اللقاء مدير ديوانه عثمان بوعبيد. خرج البصري في بداية هذا اللقاء ورقة من جيبه ليظهر أنه يسجل ما يقوله له الحسن الثاني، وأنه مجرد مشاوري جايب الخبار ديال الملك، ثم قال: كيقول لك سيدنا نصره الله، اتوقفوا على الحديث عن أبراهام السرفاتي. أبراهام السرفاتي كان منفي فرنسا، وتوقفوا على الحديث على عبد السلام ياسين كان رهن الإقامة الجبرية، وأضاف: وهذاك عبد الله زعزاع توقفوا عن نشر ذاك البسالات دياله اللي كيهضر فيها على الجمهورية.
ثم تساءل باستنكار: علاش كطبعوا لو جورنال في الخارج؟ عندما أنهى كلامه جاوبت قائلاً: أولاً أنا لست مدير الجريدة بل بوبكر الجامعي، وأنا مجرد كاتب رأي فيها. قاطعني وقال لي: قال لك سيدنا أنت باه كيعلق، زعما هذه هي عقلية المخزن: بوه يربيه.
جاوبت البصري: أنا ما يمكن ليّاش نتحدث باسم بوبكر، ويمكن أن تفتاتحه شخصيًا في الموضوع. فقال: بوبكر صافي راه سميه سيدي، يعني ولي العهد الملك محمد السادس، صيفط ليه فؤاد علي الهمة وشوف قوالب المخزن، أنا مصيفطين ليّ البصري وبكر مصيفطين ليه الهمة، زعما كل ثور يحروا مع جرينو.
أضفت: في اعتقادي أن لو جورنال ستستمر في الحديث عن السرفاتي وعن ياسين، أما عبد الله زعزاع كنتعجب كيفاش كتخافوا من شخص أعزل كيقول مفرده أنه جمهوري، وأنتم دولة تتباهى بكونها متجذرة وسط المغاربة وكتحكم البلاد لأزيد من ثلاث قرون. أما عن طبع لو جورنال في الخارج فلم نلجأ إليه إلا بعدما ضيقتم علينا الخناق في الداخل.
وأضافت: هل تظن أن الحزب الشيوعي أو البوليساريو هم من يؤدون مصاريف طبع الجريدة في الخارج؟ أنت تملك الدي إس تي واللادجيد، فكيف لا تعرف من يؤدي لنا مصاريف طبع الجريدة؟
قطعني البصري وقال لي: قال لك سيدنا إلا كان غير المشكل ديال الطبع هو يشري لكم طباعة، ثم استطرد قائلاً: ولن يتدخل أحد في خطكم التحريري. جاوبته بلا باقة: الله يجازيه بخير سيدنا، قول له راه ما محتاجينش، ونهار نحتاجوا غادي ندقوا في الدار الكبيرة.
قاطعني البصري: إلا ما بغيتوش أنا نجيب لكم مطبعة. جاوبته: آ السي إدريس اللي بغى يسعى يقصد الديور الكبار، واش أنا مخلي الملك ونجي عندك أنت؟ وضحكنا بجوج.
أضفت: أنت إلى عطيتينا شي حاجة غادي تبدأ تسب فينا وتقول لنا اش كتكتبوا. عندما كنا نغادر بيت مولاي محمد الخليفة أشرت للبصري إلى أنني أعرف أن مرض الحسن الثاني في مراحل متقدمة، ونصحته أن يطلب من الملك الجديد إعفاءه. جاوب: لا، سيدنا الله يطول في عمره.
أضفت: راه الملك مريض، ونصيحتي ليك هي أنه عندما ينتقل الحكم إلى الملك الجديد، وهو أمر أصبح منظور، طلب منه أنه يعفيك من مهامك، وإلا فإن الجيل الجديد سوف يدهسك كما سيدهسني أنا، ويتجاوزك بأفكاره وديناميته، قبل أن يتخلص منك.
هناك من يقول إن إدريس البصري اعتُقل من طرف ضباط سامين في الجيش يوم بيعة الملك محمد السادس، وأن الأمير مولاي هشام هو من تدخل للإفراج عنه قبل أن يتم إلباسه سجل باب ويتم اقتياده إلى قاعة العرش شخصيًا. كنأكد هذه المعلومة أن البصري تم اعتقاله يوم بيعة محمد السادس، وكنتحفظ على تفاصيل ذلك.
المصدر اللي خبرني بها لم يسبق أن سألت البصري عن هذه الواقعة، لكن سألت إدريس البصري عندما أصبحت ألتقي به بعد إبعاده من وزارة الداخلية عن مسؤوليته عن معتقل تازمامارت الرهيب. قسم لي بأغلظ الإيمان لا يد له في تازمامارت، وأن الدليمي هو الذي بادر الحسن الثاني عندما طلب منه إيجاد حل للجنود والضباط المعتقلين على ذمة انقلابي 1971 و1972.
قال الدليمي: نعم أسيدي أنا عندي ليهم حل، وهكذا قادهم إلى سيت تازمامارت اللي عين عليه شخص شبه أمي مدير ليه، وهو محمد القاضي اللي كينحدر من منطقة زكوطه القريبة من مدينة دليمي سيدي قاسم، واللي نكل بالمعتقلين. فكان هذا المدير كلما توفي أحدهم من شدة المعاناة يتصل بالمسؤولين قائلاً: راه تهرست واحد القرعة ديال كوكا كولا، فيجاوبوه: لوح الشقوفة.
هناك من يقول إن الدليمي توفي في حادثة سير غامضة في 1983، وإدريس البصري الرجل الثاني في الدولة بعد الحسن الثاني، ولا هو المسؤول على تازمامارت. الجواب اللي عندي خبرني به البصري أنه بعد وفاة الدليمي ولى الجنرال مولاي حفيظ هو المسؤول عن تازمامارت، ومن بعد وفاة مولاي حفيظ العلوي في 1989 أصبح حسني بن سليمان هو المسؤول على تازمامارت.
أما قصة إدريس البصري مع الإعلام، فلقد لعبت القناة الثانية دوزيم بعد تأسيسها من طرف مجموعة أومنيوم شمال إفريقيا (أونا) دورًا مهمًا في مواكبة الانفتاح السياسي اللي عرفه المغرب سنوات التسعينيات، سواء تشغيلها لكفاءات وطنية أو عبر استضافتها لأسماء كانت مدرجة في اللائحة السوداء لدار الإذاعة والتلفزة.
ويجب أن نعرف أن دوزيم لم يكن يتحكم فيها البصري، بل كانت مرتبطة مباشرة بالقصر الملكي. وعندي واحد المثال: عندما وقعت تفجيرات فندق أطلس أسني في مراكش صيف 1994 استدعاني الصحفي محمد ماماد، وكان حينها رئيس التحرير في دوزيم، لحضور برنامج حول الموضوع.
وعلى ذكر ماماد، فعندما تولى نور الدين الصايل إدارة دوزيم في أبريل 2000 كان أول ما قام به هو طرد محمد ماماد وصحفي آخر ومسؤول في إدارة القناة، لأنهم عرضوا غلاف عدد لو جورنال الذي تضمن مقالًا عن محمد عبد العزيز زعيم بوليساريو. ليس الصايل من اتخذ هذا القرار من تلقاء نفسه، بل جون أندري أزولاي ومحمد العربي المساري وزير الإعلام حينها، واللي سيتم إبعاده من الوزارة شتنبر من السنة نفسها.
لنعود إلى تفجيرات فندق أسني 1994. اللي قلته في البرنامج المخصص لمناقشة موضوع التفجيرات: أولاً بعد حدود التفجيرات تم إنجاز برنامج شبه مباشر على الأحداث، وهو ما لا يمكن إنجازه اليوم. هل تتصور اليوم إنجاز برنامج يستضيف معارضين حقيقيين في أعقاب اعتقال عبد القادر بن العرج أو إثر تفجيرات أركانة؟
المهم اتصل بي الصحفي محمد ماماد للمشاركة في ذلك البرنامج، فقلت له أنا لا أشارك إلا في البرامج المباشرة. فأوضح لي أن الزمن الذي سيفرق بين تسجيل الحلقة وبثها لن يتعدى دقيقتين. ثم سألته: واش الجهات العليا غادي تشوف هذا الشيء؟ وقصدت بذلك الحسن الثاني طبعًا. جاوبني ماماد: نعم سيراه، لكنني لا أظن أن فارق دقيقتين سيكفي لإبداء ملاحظات وأعمال المقص.
أضفت سائلاً: ولكن هل يمكنني يا ماماد أن أتحدث في كل؟ فأجاب: بدون حدود، لن يوقفك أحد. سألته بعدها عن من سيكون معي في الحلقة، فقال: محمد أوجار الذي كان مديرًا لجريدة الميثاق، والصحفي السوداني طلحة جبريل.
قلت: لا يعقل أن يدخل السلاح إلى هذا البلد ويخزن في منطقة أكنول قريبا من مقر الدرك الملكي. وأضافت موجها الكلام إلى البصري: لا يعقل ألا يكون لوزير الداخلية علم بهذا الأمر. ثم استطردت بانفعال: شكون هذا اللي قرر يدير الفيزا مع الجزائر، كما انتقدت طريقة إجراء رجال الدرك تحقيقات بوجه مكشوف، مما يعرض الأمنيين الذين يحققون في الموضوع إلى خطر الانتقام منهم.
المهم أنني تبوردت، وعندما انتهى البرنامج قال لي ماماد: قالوا لي خليه يهضر وخليتك. أظن أن الحسن الثاني كان باغي الخدمة في إدريس البصري، وكان بحاجة إلى من ينتقده أمام الجمهور، لكن لا دليل لدي على هذا.
لقد سقت هذه الحكاية للتدليل على أن هامش الحرية الذي كان متاحًا في بداية التسعينيات لم يعد متوفرًا في المغرب اليوم. ففي الوقت الذي كنا نطمح فيه إلى توسيع هذا الهامش، تم تضييقه بشدة.
ومن المفارقات أنه في بداية التسعينيات كنت أدرس الصحفيين في المعهد العالي للصحافة، بالرغم من أنني كنت صوتًا جريئًا وكنت على خلاف تام مع إدريس البصري. وعندما اتصلت بمدير المعهد ثم كاتبه العام آنذاك محمد طلال، سألتهما هل أخبرتما إدريس البصري بهذا؟ فأجابني نعم، وأضاف أن البصري قال: المدير ما تلقاش حسن من خالد الجامعي.
اليوم لا وجود لهذا التفكير، المسؤولون الحاليون يتعاملون بمنطق معي أو ضدي. كلفني المعهد بتدريس مادة التحليل السياسي، فكنت أحضر إلى الدرس وأحمل قصاصة خبرية أثبتها على السبورة وأبدأ في تحليلها رفقة الطلبة.
لقد كنت أنا من أدخل الفوضى الخلاقة إلى المعهد، حيث أزحت المكتب وحولت مقاعد الطلبة إلى نصف دائرة، واشتغلنا على شكل ورشة بطريقة تفاعلية وتشاركية.
وفي نهاية الموسم طلبت مني إدارة المعهد أن أمتحن الطلبة في المادة التي كنت أدرسها، فأجبت بأنني ضد الامتحانات ولن أمتحن أحدًا. لكن الإدارة أفهمتني بأنه سيكون علي أن أعطي نقطة للطلبة كل حسب مجهوده.
فدخلت للفصل وأعطيت ورقة الحضور للطلبة، وطلبت منهم أن يضع كل واحد منهم نقطة لنفسه، ثم أخبرتهم بأنني سأراجع تنقيطهم ولا داعي إلى أن يمنح أحد نفسه نقطة 20 على 20. وعندما أعادوا إلي ورقة الحضور لم يكن هناك من أعطى نفسه نقطة تفوق 12 على 20.
طريقتي في التعامل تقوم على أن أضع من يتعاملون معي أمام مسؤوليتهم، وهم غالبًا يتحملونها، خصوصًا عندما يعرفون أنك لا تتعامل معهم على أساس نفعي ضيق.
فعندما طلبوا مني في إدارة المعهد توقيعًا على وثائق لصرف راتبي، جاوبتهم: أنا أتبرع براتبي على إدريس البصري ووزارته في الإعلام.
تأسيس مجلة لوجورنال
أما قصة علاقتي بتأسيس أسبوعية لو جورنال فهي كالآتي: أول من فكر في تأسيس لو جورنال هو مصطفى التراب، مدير عام المكتب الشريف للفوسفاط، عندما كان بوبكر الجامعي يشتغل معه في الأمانة التنفيذية للقمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقد كان مضمون الفكرة في البداية هو إطلاق أسبوعية فرونكوفونية متخصصة في الاقتصاد. في نونبر 1997، قبيل إطلاق لو جورنال، جاء عندي بوبكر وقال لي: أنا بغيت نحقق الحلم اللي ما حققتيهش أنت، بغيت نأسس جريدة خاصة.
اعتبرت ذلك من حماس الشباب، قلت له يعاونك. فضاف: بغيتك تكون أنت مدير لو جورنال. جاوبته: شوف السي بوبكر، أنا عندي لك احترام كبير، ولأجل ذلك كنرفض هذا العرض، لأنه في حالة ما إذا كنت أنا هو الرقم واحد في مشروع إعلامي كتأسسه أنت، غادي نبتلعك، ولن يكون لك اسم مستقل عني، وستبقى دائمًا بوبكر ابن خالد الجامعي.
بينما أنا أفضل أن يقال: قال خالد الجامعي والد بوبكر الجامعي. وأضفت: بعد ستة أو سبعة أشهر على إطلاق هذا المنتوج الصحفي سوف أشتغل لديك صحفيًا كباقي الصحفيين، وستربط بيني وبينك علاقة صحفي بمدير جريدة.
وللتاريخ، فقد تأسست علاقتي بمسؤولي التحرير في لو جورنال على هذا الأساس. عندما بدأت أكتب في لو جورنال قلت: لا أزال رئيس تحرير يومية لوبينيون، وهي جريدة حزبية محافظة إذا ما قورنت بجرأة لو جورنال.
هذه الثنائية حسمتها قبل ظهور لو جورنال بمدة، وذلك حين بدأت أكتب عمودًا في لافي إكونوميك بعد ما أصبحت أجد صعوبة في نشر مقالاتي التي كنت، في نظر مدير لوبينيون السي إدريس القيطوني رحمه الله، كتتحمل جرأة زائدة.
فكان يتدخل لمنع نشرها من باب الاحتياط، وكيتذرع بمبررات من قبيل: أظن أن نشر هذا المقال غادي يدخل الحزب في مأزق. هكذا أصبحت كلما كتبت مقالًا أحمله قاصدًا باب المقر المركزي لحزب الاستقلال، نبكي على محمد بوسته ونشرح ليه أن المقال لا خطورة فيه، فيتصل هو بالإدريسي القيطوني.
وهكذا، كتابتي في لافي إكونوميك لم تكن بغرض خلق مورد مادي إضافي، ذهبت إلى لافي إكونوميك لكي أعبر عن رأيي بكل حرية. أنا كنعرف عقلية قيادات حزب الاستقلال، فهي شبيهة بعقلية المخزن، اللي عندما يسند إليك مهمة ما لا يريد منك أن تأتيه في كل مرة لتقول له لدي مشكل، بل يريد منك أن تقول له عندي حل.
لذلك، فعندما تعددت مشاكلي مع الإدريسي القيطوني، اتفقت مع مسؤولي لافي إكونوميك على أن أكتب معهم عمودًا أسبوعيًا، ثم قصدت محمد بوسته واقترحت عليه ذلك كحل لتجاوز الرقابة المضروبة علي في لوبينيون.
لقد كنت دائمًا أعتبر الصحافة سلاحي الذي به أناضل، فلم تكن تهمني جريدة بقدر ما كانت تهمني مساحة الحرية التي ستمنحني إياها. تلك كانت ضالتي، إن وجدتها عانقتها. فعندما كانت متوفرة في الأوبينيون كنت هناك، وعندما ضاق هامشها ذهبت إلى لافي إكونوميك ومنها إلى لو جورنال.
هذا هو مساري الإعلامي: فكلما مورست علي الرقابة في جريدة بحثت عن أخرى، لأنني لم أمارس الصحافة من أجل الصحافة، بل من أجل الأفكار التي أناضل في سبيل تحقيقها.
وبهكذا، القيادة الاستقلالية استراحت من الخلافات المتكررة مع مدير لوبينيون الإدريسي القيطوني، كما أنها لم تعد محرجة من مقالاته التي تتجاوز سقف جرأة الحزب.
في إحدى المرات دخل محمد بوسته إلى اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، وهو يسولوا الدويري: كيفاش كيكتب خالد الجامعي في لافي إكونوميك وهو رئيس تحرير لوبينيون؟ جاوبهم بوسته: شوف، إذا كتب شيئًا جيدًا وجاء الناس يشكرونه، غادي نقولو لهم خالد ولدنا وتربى يدينا، وإذا كتب شيئًا سيئًا فسنقول لهم لأجل ذلك قلنا لخالد ابتعد عن صحافتنا واكتب ما شئت.
خلال تجربتي في لافي إكونوميك كتبت في 1996 مقالًا على هامش نشر مقال الأمير مولاي هشام في جريدة لوموند، اللي كان سببًا في غضب الحسن الثاني. وحكاية هذه القصة كالتالي: كان ذلك أول مقال كتبه مولاي هشام في لوموند، وكان قلقًا من رد فعل عمه الحسن الثاني، لذلك اتصل بي وأخبرني بالأمر.
فطمأنته، قلت له: اش غادي يدير لك؟ جهد غادي ينفيك للصحراء. ثم أضفت: غادي نشوف لك شي فتوى. اتصلت بسيرفان شرايبر، مؤسس لافي إكونوميك، وأخبرته بأنني سأكتب مقالًا تعقيبيًا على مقال مولاي هشام.
فأجابني شرايبر: سوف تخلق لي مشكلًا، يمكنك أن تكتب متى تشاء باستثناء الخوض في العلاقة بين مولاي هشام والملك. قلت له: هو يقرأ بعدًا المقال ديالي أولًا، ثم يقرر ما إذا كنت ستنشره أم لا.
وكنت قد قلت في متنه إن مقال مولاي هشام هو نقد من الداخل، وهو شيء إيجابي يعكس كيف أن العائلة المالكة في المغرب تستوعب الاختلاف والتنوع داخلها. وهذا راق الحسن الثاني، ولطف من حدة غضبه على ابن أخيه، لأنه قال إن الملاحظين اعتبروا ما قام به مولاي هشام شيئًا إيجابيًا، ولم يركزوا على تفاصيل نقده للنظام بقدر ما لفت انتباههم أن يأتي ذلك النقد من داخل البلاط. هكذا فككنا مشكل مولاي هشام.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





