وفاة الشاعر الكبير مبارك كوكو… رحيل قامة سامقة من قمم شعر أسايس بسوس
موقع تيرفي
ببالغ الحزن والأسى، تلقّى الوسط الثقافي والفني خبر وفاة الشاع الكبير الحاج مبارك كوكو، أحد أعمدة شعر أسايس وأبرز أعلام النظم المرتجل بسوس، ورمز من رموز الذاكرة الشعرية الأمازيغية التي طبعت تاريخ أحواش.
وُلد الرايس مبارك كوكو سنة 1938 بمنطقة أكادير إزناكن ناحية أولوز، ونشأ في مناخ فني زاخر، تسيدته أسماء كبيرة في شعر أسايس من قبيل بويحزماي وبوزيت وأوشن، حيث تشكّلت ملامح موهبته المبكرة، وبرزت قدرته الاستثنائية على خوض غمار المحاورة الشعرية بشراسة فنية ونَفَس طويل.
لمع نجم الرايس مبارك كوكو من خلال مبارزاته الأولى مع كبار شعراء عصره، قبل أن تتجاوز شهرته سهل سوس إلى جبال الأطلس الصغير، خاصة بعد صدور الأشرطة الصوتية التي وثّقت محاوراته الشهيرة مع الثنائي إحيا وأجماع، والتي شكّلت منعطفاً بارزاً في مساره الفني ورسّخت مكانته كأحد أصعب المحاورين وأكثرهم مراساً.
ارتبط اسم مبارك كوكو في الذاكرة الجماعية لجمهور أحواش بصورة الشاعر “إشقا”، أي صعب المراس، وهي صورة تختزل جوهر شخصيته الفنية. فتميّزه لم يكن رهين جمال الصوت أو تنوّع الألحان، بقدر ما كان متجسداً في حضوره الطاغي داخل أسايس، وفي طريقته الخاصة في إدارة المبارزة الشعرية، القائمة على المواجهة المباشرة، والدحض، وهدم منطق الخصم كلمةً كلمة.
ورغم محدودية قدراته الصوتية وما كان يعانيه من إجهاد الحنجرة، إضافة إلى سرعة الإلقاء وعدم وضوح المخارج أحياناً، فإن هذه العناصر لم تُضعف من أثره، بل زادت من حدّة أدائه وقوة وقعه، خاصة حين تبلغ المحاورة ذروتها. فقد كان يعتمد اعتماداً شبه كلي على سرعة بديهة خارقة وقدرة نادرة على الارتجال الفوري، وهي موهبة جعلته في طليعة شعراء أسايس دون منازع.
تميّز البناء الشعري لدى الرايس مبارك كوكو بطابع سجالي واضح، نابع من مزاج حاد وشخصية نفسية تميل إلى الردّ الآني وردود الأفعال اللحظية، حيث يتحوّل المحاور في شعره إلى خصم يجب تفنيد رأيه وإسقاط حججه. لذلك، لم يكن مفهوم “أمارك” لديه حواراً شعرياً بقدر ما كان معركة فنية تُحسم بالكلمة القوية والحجة القاطعة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الزخرف الجمالي أو الصور الرمزية.
ومن خصائصه اللافتة أيضاً أنه لا يفتتح الإنشاد أبداً، بل يفضّل انتظار الطرف الآخر ليبني رده ارتجالاً، كما أنه لا يحتفظ بذاكرة شعرية، إذ يبدع قصيدته في لحظتها ثم ينساها ليبدع غيرها عند الحاجة، حين يجد المحاور القادر على استفزاز قريحته.
اتسم شعر مبارك كوكو بالتقريرية والخطاب المباش، وبخشونة الطبع وشدة الوقع، كما انتهج في محاوراته أسلوب الملاحقة والتضييق، وهدم منطق الخصم، وأحياناً مباغتته بتفاصيل دقيقة تمس حياته الخاصة، ما جعل ردوده تحتاج إلى نفس طويل وعدد أكبر من الأبيات.
وبرحيل الشاعر مبارك كوكو، يفقد شعر أحواش مدرسة قائمة بذاتها، وتجربة فنية استثنائية شكّلت علامة فارقة في تاريخ أسايس. فقد كان قمة شامخة طبعت عصرها بقوة، وشغلت الناس بإبداعها، وستظل حاضرة في الذاكرة الثقافية الأمازيغية كنموذج فريد لقوة الارتجال وسلطة الكلمة.
رحم الله الشاعر الكبير مبارك كوكو، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من عطاء شعري وفني خالداً في وجدان الأجيال.
إنا لله وإنا إليه راجعون.





