كيف سيطرت إنوي على سوق الاتصالات في المغرب؟

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 كيف سيطرت إنوي على سوق الاتصالات في المغرب؟

تيرفي نت

إذا كنت من المغرب و من مواليد تسعينيات القرن الماضي أو قبلها فلابد أنك تتذكر فترة كانت فيها المكالمات الهاتفية مرتفعة الثمن جدا، وكانت العروض الترويجية نادرة وضعيفة. في أغلب البيوت، كان يوجد هاتف واحد فقط مشحون، وكان صاحبه يحاول الاقتصاد في الرصيد إلى أقصى حد. وحتى عندما كانت شركات الاتصالات تحاول استمالة زبنائها عبر عروض مضاعفة، فإن مدة هذه العروض كانت قصيرة جدًا.
لكن في ظرف زمني وجيز، تغيّر هذا الواقع كليًا، وأصبح عدد كبير من الناس قادرين على التحدث بحرية عبر الهاتف والاشتراك في العروض المختلفة، وكان السبب وراء هذا التحول هو إطلاق علامة تجارية جديدة استطاعت قلب موازين السوق وتغيير قواعد اللعبة، وهي بطبيعة الحال إنوي.

تم إطلاق إنوي من طرف نفس الشركة التي أطلقت سابقا شركة “وانا” سنة 2007، والتي استثمرت آنذاك مليارات الدراهم لمنافسة ميديتيل و اتصالات المغرب، لكنها لم تصمد سوى أقل من ثلاث سنوات قبل أن تعلن فشلها و تنسحب من السوق. غير أن إطلاق إنوي بعد أشهر قليلة من انسحاب وانا سنة 2010 جاء بنتائج مغايرة تماما، إذ استفادت الشركة من أخطاء التجربة السابقة، وفهمت بشكل أعمق طريقة تفكير المستهلك المغربي، فحققت هذه المرة نجاحا كبيرًا وبدأت في اقتسام الحصص السوقية مع اتصالات المغرب وميديتيل التي أصبحت لاحقا أورانج.

في غضون ثلاثة أشهر فقط من إطلاقها، استطاعت إنوي استقطاب أكثر من مليون زبون جديد، واستمرت في توسيع قاعدة زبنائها إلى أن بلغت سنة 2014 ما يقارب ثلث سوق الاتصالات في المغرب. وكان هذا الأمر مذهلًا في ذلك الوقت، لأن إنوي، رغم دخولها القوي واستثماراتها الضخمة بدعم من مجموعة المدى وشركة زين الكويتية، حققت نجاحا سريعا في سوق صعب تهيمن عليه شركات عملاقة وقديمة، مما جعل هذا الإنجاز ظاهرة تسويقية تستحق الدراسة.

لفهم سر هذا النجاح، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى سنة 2007، عندما أطلقت شركة وانا أول مشغل اتصالات لها في السوق المغربية. في بداياتها، بدا دخول وانا واعدا، خاصة بفضل الاستثمارات الكبيرة للهولدينغ الملكي آنذاك، حيث كانت قادرة على ضخ أموال طائلة من أجل فرض وجودها ومنافسة اتصالات المغرب وميديتيل. وفي السنوات الأولى، كانت وانا تسير بشكل جيد، بل قررت التقدم خطوة إضافية بإطلاق منتج جديد باسم “باين”، وهو عرض غير مسبوق آنذاك، يوفر خدمات الهاتف المحمول بنفس أسعار الهاتف الثابت، الذي كان أرخص بكثير في ذلك الوقت، ما خلق ضجة كبيرة بسبب الانخفاض الملحوظ في ثمن المكالمات.

غير أنه مع بداية سنة 2010، توقفت وانا عن التقدم، ولم تعد قادرة على تقديم عروض جديدة أو ابتكارات مميزة، كما فشلت في استقطاب زبناء جدد. وفي أي سوق تنافسية، إذا لم تتقدم فإنك تتراجع، وهذا ما حدث فعلًا. إضافة إلى ذلك، فإن الاستراتيجية التسويقية التي اعتمدتها وانا، والقائمة على الإكثار من العروض الترويجية، كانت سهلة التقليد من طرف المنافسين، مما أفقدها قدرتها على التميز، وأدى في النهاية إلى خسائر كبيرة دفعتها إلى الانسحاب من السوق سنة 2010 والبحث عن استراتيجية جديدة.

المشغل الجديد هذه المرة تم إطلاقه بشراكة مع العملاق الكويتي زين، وكان الهدف واضحًا: عدم تكرار أخطاء الماضي، والبحث عن ثغرة حقيقية في السوق والاستجابة لمشكل فعلي يعاني منه المستهلك. وبعد أشهر من التخطيط، تم إطلاق المشغل الجديد باسم إنوي، وبمجرد ظهوره أحدث ضجة كبيرة، وسرعان ما اتضح أنه سيقود ثورة في سوق الاتصالات بالمغرب.

ويمكن تلخيص أسباب الانطلاقة القوية والنجاح السريع لإنوي في ثلاث نقاط أساسية.


1 : الفهم الجيد للسوق، حيث أدركت إنوي أن أغلب المغاربة كانوا يعانون من ارتفاع تكلفة المكالمات بسبب اعتماد الفوترة بالدقيقة بدل الثانية. لذلك ركزت كل حملاتها التواصلية على ميزة واحدة فارقة، وهي الفوترة بالثانية، مما مكن حتى أصحاب الأرصدة الضعيفة من إجراء مكالمات قصيرة أو حتى مجرد “رنة” دون الحاجة إلى رصيد يكفي دقيقة كاملة.

2 : صعوبة تقليد هذا الامتياز التنافسي، إذ استغرق كل من ميديتيل واتصالات المغرب سنوات قبل أن يتمكنا من اعتماد الفوترة بالثانية، لأن نماذج أعمالهما وتوقعات أرباحهما كانت مبنية أساسًا على الفوترة بالدقيقة. كما اعتمدت إنوي طريقة ذكية في تسعير المكالمات، حيث تكون المكالمات القصيرة أرخص، بينما تعوض المكالمات الأطول هذا الفارق، مما حافظ على توازنها المالي.

3 : قوة العلامة التجارية لإنوي. فمنذ البداية، حددت إنوي فئتها المستهدفة بدقة، وهم الشباب والأجيال الصاعدة، وبنت هويتها كاملة على هذا الأساس، من اختيار اللون البنفسجي العصري، إلى اسم سهل الحفظ، وأسلوب تواصلي يخاطب الشباب بلغتهم. كما برز هذا التوجه في دعمها للأعمال الفنية، والمحتوى الرقمي، والمسلسلات الويب، والمسابقات، والفعاليات الوطنية.

وبعد أن رسخت مكانتها واستحوذت على نحو ثلث السوق، قررت إنوي إطلاق مشغل جديد كليا هو “وين”، موجه لفئة تبحث عن إدارة كل خدماتها انطلاقًا من الهاتف فقط. وكانت حملة إطلاق “وين” من أنجح وأذكى الحملات التسويقية في تاريخ المغرب، حيث سبقتها حملة تشويقية واسعة بعنوان “شنو هو وين؟” جعلت الجمهور يتفاعل وينتظر قبل الإطلاق الرسمي.

حقق “وين” نجاحا كبيرا،ونال جوائز مهمة، وأجبر المنافسين على تقليد نموذجه، مما أكد مرة أخرى أن إنوي أصبحت هي من يحرك السوق ويغير قواعد المنافسة.
التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث