المسار التاريخي لقضية الصحراء
محمد شاوف
في العصر النيوليتي ( العصر الحجري الحديث ) عرفت الصحراء مناخا رطبا و كانت مجالا تسري فيه الحياة؛ و هو ما تشهد عليه النقوش الصخرية المترامية على أطراف التراب الصحراوي؛ و في هذه الفترة كان المجال تستوطنه مجموعات زنجية تمارس الفلاحة و تربية الماشية؛ و بدخول الجمل إلى المنطقة في القرن الثاني الميلادي و بداية التصحر؛ ستبدأ مجموعات من الرحل في ممارسة نمط العيش القائم على الترحال، و بتعاقب الأزمة ستتطور النظم السياسية للمجال بعد سيطرة المجموعات الصنهاجية ذات الأصل الأمازيغي على أهم المحاور التجارية الصحراوية التي تلتقي في أودغست؛ قبل أن تتقهقر بعد انهزامها أمام السنونكيين؛ و سيشكل ذلك حدثا تمهيديا لقيام الدولة المرابطية ذات الأصل الصنهاجي في القرن الحادي عشر؛ فبعد حجة يحيى ابن ابراهيم الكدالي و انعراجه على أبي عمران الفاسي في القيروان؛ و قدومه مع عبد الله ابن ياسين من رباط نفيس متجهين نحو الصحراء بغية تلقين التعاليم الدينية لأهل المنطقة؛ التي ستنتهي بقيام الفقهاء الكداليين ضد عبد الله ابن ياسين بعد ما لاحظوه عليه من تشدد في الدين و رفضه لبعض ممارساتهم التي لا تساير الشريعة الاسلامية كتعدد الزوجات؛ سينتهي الأمر بالفقيه باتخاذه لرباط سيكون مهدا لنشأة أول كيان سياسي بالمنطقة.
و مع بداية القرن الرابع عشر سيعرف المجال حدثا بارزا؛ تمثل في توافد القبائل المعقلية التي غيرت بشكل كلي البناء السياسي و الاجتماعي للمجال؛ و مع مطلع القرن الخامس عشر بدأت الاستكشافات الجغرافية البرتغالية تصل مشارف السواحل الصحراوية حيث سيتم عقد اتفاقية اللاكوفاس 1479 م؛ بين اسبانيا و البرتغال؛ بموجبها منحت البلاد الواقعة جنوب بوجدور للبرتغاليين؛ بينما سيطرت اسبانيا على المجال الشمالي للمنطقة بعد اتفاقية tordesillas 1494م؛ و ستتزايد أطماع خارجية أخرى تمثلت في المستعمر الانجليزي و الفرنسي؛ بدعوى إنشاء مراكز تجارية؛ لكنها ستجابه بمقاومة الأهالي و إحراق بنايات ماكينزي؛ و الهجوم على الشركة الاسبانية و قتل من فيها من العمل سنة 1885م؛ و بمرور سنة على هذا الحدث ستعلن مدريد المنطقة الواقعة بين بوجدور و الرأس الأبيض منطقة حماية لها و سيتم إلحاقها بجزر الكناري؛ و في القرن التاسع عشر سيتم و ضع اتفاقيات رسم الحدود الاستعمارية بين فرنسا و اسبانيا؛ ثم بموجبها ضم فرنسا لمنطقة أدرار و شمال وادي درعة؛ بينما استولت اسبانيا على المجال الممتد من جنوب وادي درعة حتى وادي الذهب؛ أمام هذه الوقائع و الأحداث ستبرز المقاومة الصحراوية بقيادة الشيخ ماء العينين؛ و بعده مقاومة أحمد الهيبة و مربيه ربه.
مع استقلال الدولة المغربية؛ و تفكيك قواعد جيش التحرير بعد هزيمته في معركة أكفيون 1958م أمام التحالف الفرنسي الاسبان؛ ستصدر اسبانيا ظهيرا تعتبر بموجبه الصحراء إقليما لها يمثل بثلاث نواب في البرلمان الاسباني؛ و في 1966م ستتبنى الأمم المتحدة قرارا يدعوا اسبانيا إجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء؛ و سيتزامن ذلك مع تأسيس حركة تحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب من طرف محمد سيدي إبراهيم البصيري؛ و بعد معركة الزملة و اختطاف زعيم الحركة؛ سيتم الإعلان عن تأسيس الحركة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ( البوليساريو ) سنة 1973م؛ و بعد مرور سنة من هذا الحدث سيرفع المغرب قضية الصحراء إلى محكمة العدل الدولية لإصدار رأيها الاستشاري؛ و الذي ستعلن فيه وجود علاقات ولاء بين سلطان المغرب و بعض القبائل التي كانت تعيش في المنطقة؛ بالإضافة إلى وجود علاقات قانونية ترتبط بحقوق الأرض بين الصحراء و الدولة الموريتانية مع التشبث بتقرير المصير و إنهاء الاستعمار الاسباني؛ و بعد مرور ساعات من نشر المحكمة لرأيها الاستشاري أعلن الحسن الثاني عن انطلاق المسيرة الخضراء؛ وهو ما سيفرض على اسبانيا توقيع اتفاقية مدريد بينها و بين موريتانيا و المغرب؛ تم بموجبه تقسيم الصحراء بين الدولتين الأخيرتين و أما ضغط جبهة البوليساريو على موريتانيا ستتنازل لها هذه الأخيرة عن وادي الذهب بعد عقد اتفاقية سرية بينهما سنة 1979م؛ لكن سرعان ما استحوذ المغرب على المجال بعد سيطرت القوات المسلحة الملكية على المنطقة؛ و في 1981م سيصادق الحسن الثاني على إجراء الاستفتاء؛ وانسحابه من المنظمة الإفريقية بعد انضمام البوليساريو و التوجه نحو تطبيق القرارات الأمية؛ لكن سرعان ما ستتعثر محاولات المينورسو في تحديد هوية المعنيين بالتصويت على الاستفتاء؛ وهو ما سيجعل المبعوث الأممي "جيمس بيكر" يقترح حلا ثالثا مبني على الحكم الذاتي؛ سرعان ما سيلقى رفض البوليساريو و الجزائر سنة 2003م؛ و في 2006م سيتم إعادة هيكلة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية تمهيدا لمشروع الحكم الذاتي؛ و انطلاق مفاوضات مباشرة بين المتنازعين دون التوصل إلى نتيجة ملموسة حتى الآن؛ و هو ما سيجعل المغرب يعلن عن مشروع الجهوية الموسعة سنة 2009م؛ و إعطاء الأولوية في التطبيق للأقاليم الصحراوية.
