مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي– الحلقة الثانية

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 هل حقا كان التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب

هل حقا كان التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب

في الحلقة الماضية تحدث خالد الجامعي عن أصوله العائلية وعن حياة والده بوشتى الجامعي العلمية والنضالية، وفي هذه الحلقة يواصل الجامعي حكاياته ويقول:

كان والدي بوشتى الجامعي أول من اعتُقل من رجال الحركة الوطنية في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، وما أعرفه عن هذا الموضوع لم يخبرني به والدي، وإنما سمعته من صديقه الحاج الهاشمي الفيلالي، الذي روى لي أن الباشا البغدادي، باشا فاس آنذاك، هو من أمر باعتقال والدي.

وحين علم رفاق والدي في الحركة الوطنية بأمر اعتقاله، ارتابوا في أن يكون قد اعترف بأسمائهم تحت التعذيب، لذلك وضعوا خطة ليدخلوا عند والدي إلى سجن عين قادوس، حيث افتعل اثنان منهم عراكًا عنيفًا، فتم إلقاء القبض عليهما وإدخالهما إلى السجن.
وعندما التقيا والدي طمأنهما بأنه لم يبح بكلمة عن رفاقه، بل كان مصرًا أثناء الاستنطاق على أنه يعمل بمفرده. كما حكى لهما بأن الباشا استدعى جلادًا كان اسمه بن عتروس، وأمره بجلب عصي وضرب والدي على قدميه، عطاه 'الفلاقة' وأثناء ضربه لوالدي كان الباشا البغدادي يسأله ويقول:
شحال كتملك من حصان؟
شحال كتملك من أسلحة؟
وحين كان والدي يجيب بأنه لا يملك شيئًا، كان الباشا يعلق ساخرًا، وكيف تريد أن تطرد الفرنسيين؟
ثم توقف للحظة عن ضربه وقال له:
حين يصير معك سلاح وحصان تعال إليّ لأضع يدي في يدك لطرد الفرنسيين.

الخلاف داخل الحركة الوطنية


عاش والدي بوشتى الجامعي بداية الخلاف الفكري والتنظيمي بين علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، والذي سينتهي بتأسيس حزبين مختلفين ومتصارعين.
هذه الخلافات تحكمت فيها حساسيات شخصية أكثر منها أسباب موضوعية، فبين علال الفاسي وبن الحسن الوزاني، اللذين يمتلك كلاهما كاريزما القيادة، كان الخلاف ينم عن منافسة شخصية على رئاسة الحزب الوطني.
من جهة أخرى، كان الاثنان ينحدران من مدرستين فكريتين مختلفتين:

علال الفاسي بتكوين تقليدي تمثله جامعة القرويين
محمد بن الحسن الوزاني بتكوين فرنسي حامل لقيم غربية

لم يتحدث معي والدي يومًا في هذا الأمر، وحتى حين كنت أسأله كان يرفض مجاراتي في النقاش وينهي المحادثة بعبارة: ما كل شيء يقال.
لم يسبق لي أن سمعت والدي ينتقد بن الحسن الوزاني أو يقول فيه كلمة عيب، بل كان دائمًا يقول عنه إنه رجل وطني قدم الكثير من أجل المغرب.
كما أنني لم أسمع والدي يتكلم بسوء عن حزب الشورى والاستقلال، ولذلك أعود للقول بأنني أعتقد أن الخلاف بين الرجلين والتيارين هو خلاف ثقافي بين محافظين وحداثيين.

الدار البيضاء والاعتقال الثاني (1952)


بعد استقرار عائلتي بالدار البيضاء، التي وُلدت فيها، اعتقلت السلطات الفرنسية والدي للمرة الثانية. عشت هذا الحدث وأنا طفل.
بعد انتقال والدي إلى الدار البيضاء، ازداد دادَه أختي سكينة التي تكبرني بحوالي سنتين، ثم عقبتها أنا سنة 1944، وكانت ولادتي في درب الصبليون بمنطقة درب السلطان في قلب الدار البيضاء.
وأذكر يوم اعتقل أبي للمرة الثانية نهاية سنة 1952، عقب إلقاء القبض على فرحات حشاد الزعيم السياسي والنقابي التونسي الذي اغتالته السلطات الاستعمارية الفرنسية يوم 5 دجنبر 1952.
ما أتذكره عن هذا الاعتقال أن والدي كان يعرف أنهم سيعتقلونه، لذلك ناداني وأمرني بأن أذهب لأحضر أختي خديجة، التي كانت متزوجة من الفقيه البرادة، أحد رموز الحركة الوطنية بالدار البيضاء.
وفي طريقي إليها مررت عبر ساحة السراغنة، حيث كان جنود الاستعمار يطلقون النار في الشارع على المتظاهرين. بدأت أركض ليس خوفًا من الرصاص فقط، بل خوفًا من ألا أستطيع تنفيذ أمر أبي.
عندما عدت مصحوبًا بأختي، وجدت أمي تلاحق أبي في أرجاء المنزل، تحرص على أن يرتدي الكثير من الملابس قبل أن يداهم العسكر بيتنا.
أما أبي فكان يكرر موجهًا كلامه إليّ، وأنا لم أتجاوز التاسعة:
احرق ولا تمزق، فإن العدو يلفق.
و حين حضر الجنود أخطأوا بيتنا وبدأوا يطرقون باب الجيران، فنظر أبي من النافذة وقال ساخرًا:
شوف هذ المفلسين حتى الدار ما عارفينهاش. ثم نزل وقال لهم:
خلّيو الناس عليكم، أنا هو بوشتى الجامعي اللي كتقلبوا عليه.

علاقة بوشتى الجامعي بالشيوعيين


رغم أن والدي بوشتى الجامعي كان فقيهًا سلفيًا من خريجي جامعة القرويين ومؤسسًا لحزب الاستقلال، فقد كانت له علاقة قوية مع الشيوعيين المغاربة، وعلى رأسهم علي يعتى.
وقد حكت لي والدتي أن السي علي يعتى، عندما كان لا يزال شابًا، كان يسكن في منزلنا بالدار البيضاء، كما أن السي بوشتى، والدي، هو من أدخل علي يعتى إلى صفوف الحركة الوطنية.
وما أقوله الآن سمعته مباشرة من علي يعتى، الذي أذكر أنه كتب بعد وفاة والدي مقالًا في جريدة البيان عبّر فيه عن التقدير العظيم الذي يكنه لوالدي.
وقد علمت أنه يوم وفاة أبي كان علي يعتى في اجتماع للديوان السياسي، فلما بلغه خبر وفاة بوشتى الجامعي غادر الاجتماع متألمًا وهو يردد الأبيات الشعرية التي قالها الشاعر الأموي الفرزدق في زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
ما قال لا قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
وقد أدرج السي علي يعتى هذه الأبيات في مقاله الذي كان بمثابة رثاء في الحاج بوشتى الجامعي.

قصة مرض الطفولة: علي يعتى كأب ثانٍ


وسبق لعلي يعتى أن حكى لي أن والدي احتضنه في بيتنا، ولي قصة طريفة لا أكاد أذكرها مع علي يعتى. فعندما كنت صبيًا في السنة الثانية من عمري، أصبت بالمرض الذي نسميه “العدوة”، وكان علي يعتى هو من أنقذ حياتي وبقائي لليوم على قيد الحياة، ولذلك كنت دائمًا أعتبره بمثابة أبي الثاني.
فالسي علي هو الذي كان يصطحبني إلى مصحة “الكامب” التي كان يديرها الفرنسيون في الدار البيضاء لتلقي العلاجات، وكان يقدمني على أني ابنه.
وبما أن علي يعتى كان يتحدر من الجزائر، التي ظل الفرنسيون يعتبرونها مقاطعة من المقاطعات الفرنسية، فقد كنت أتلقى أحسن علاج، وكان الفرنسيون يحيطونني بمزيد من العناية.

زفاف علي يعتى وموقف بوشتى الجامعي


أما سر علاقة والدي الفقيه السلفي بوشتى الجامعي بالشيوعية والشيوعيين، فلي فيها حكاية عن حفل زفاف السي علي يعتى، الذي رفض رموز الحركة الوطنية حضوره من منطلق أن علي تزوج من امرأة إسبانية. لكن أبي لم يأبه بهذه الأمور، وكان من أوائل من لبوا دعوة صديقه الشيوعي، مباركًا ومشجعًا. وهناك أمر آخر، فعندما كان علي يعتى يعمل في السرية، لم يكن أحد يعرف مكانه حتى رفاقه في الحزب الشيوعي، وحده أبي كان يعرف مخبأه. وعندما كان إبراهام السرفاتي يريد الوصول إلى علي يعتى، كان الحاج بوشتى الجامعي هو من يصطحبه إليه.

لا فرق بين شيوعي ويهودي ومسلم


لقد استحضرت هاتين الواقعتين لأؤكد أن والدي لم يكن يفرق بين شيوعي ويهودي ومسلم، طالما كانوا وطنيين يناضلون من أجل عزة واستقلال ورفاه الوطن. وكان الزعيم محمد بن سعيد آيت يدر في مرحلة الاستعمار يشتغل بإحدى الخلايا السرية التابعة لحزب الاستقلال، وكان يعتبر الحاج بوشتى شيخه وزعيمه.
وحتى حينما حدث انفصال الاتحاديين عن حزب الاستقلال، ظل آيت يدر يعتبر أبي مرجعًا له يستشيره في العديد من القضايا.
أنا بدوري كنت أنسق مع الشبيبة الشيوعية في الدار البيضاء منذ أن كنت تلميذًا. وفي أواسط الستينيات طُرحت مسألة استقلال موريتانيا عن المغرب.
في هذه المرحلة كنت قد كثفت نشاطي ضمن الشبيبة المدرسية، وحينئذ تعرفت على صديقي الشيوعي اليهودي ريموند بن نعيم. فكنا ننسق لتوزيع بيانات حزب الاستقلال والحزب الشيوعي (التحرر والاشتراكية سابقًا) الرافضة لفصل موريتانيا عن المغرب. وبقيت على علاقة بريموند بن نعيم حتى بعد فراره خارج المغرب في بداية السبعينيات.

ريموند بن نعيم ومرحلة “إلى الأمام”


وكان ريموند بن نعيم قد أصبح قياديًا في الحزب الشيوعي المغربي، قبل أن يلتحق بمنظمة إلى الأمام التي أسسها إبراهام السرفاتي وعبد اللطيف زروال وآخرون. وعندما اعتُقل قياديو “إلى الأمام” في بداية السبعينيات، صدر في حق ريموند بن نعيم حكم بالمؤبد، لكنه هرب إلى فرنسا. وقد التقيته في جنيف في نهاية الثمانينيات خلال مؤتمر لمساندة مردخاي فعنونو، الإسرائيلي من أصل مغربي، الذي قام سنة 1985 بتصوير أجزاء خطيرة من داخل المفاعل النووي الإسرائيلي ديمونا.
حضر هذا المؤتمر التضامني مع فعنونو بصفتي متعاونًا مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديدًا مع حركة فتح، وكنت مسؤولًا عن الصفحة المخصصة للقضية الفلسطينية في لوبينيون. وكان ريموند بن نعيم وقتها يعمل مستشارًا اقتصاديًا لياسر عرفات في نهاية التسعينيات. وسأعود للقاء ريموند في الدار البيضاء، وقد صادف ذلك بداية حكومة التناوب التوافقي.

حكومة التناوب: اختلاف في الرؤية


وخلال النقاش اختلفت مع ريموند، الذي كان يرى في حكومة التناوب فرصة جيدة للنهوض بالمغرب. وقد أخبرني أنه يعتزم العمل مستشارًا لـ خالد عليوة، وزير التنمية الاجتماعية والتضامن والتشغيل والتكوين المهني، والناطق الرسمي باسم الحكومة.
فأجبته أنا حاسمًا:
حكومة التناوب ليست إلا تمثيلية من صنع الحسن الثاني.
بداية علاقتي باليهود المغاربة ولا بد أن أشير إلى أن علاقتي باليهود المغاربة بدأت عندما قرر والدي، من داخل سجنه، أن ألتحق بالمدرسة الصناعية في الدار البيضاء. فقد كان شأنه شأن كل الزعماء الوطنيين، مهوسًا بأن يصبح أبناء المغاربة مهندسين لينافسوا الغرب. بقيت بالمدرسة الصناعية إلى حدود السنة الثالثة إعدادي، ثم انتقلت إلى الكوليج التقني، ومنه إلى ثانوية اليوطي.

أصدقاء يهود في الدراسة والنضال


وهناك التقيت أول صديق يهودي لي، وهو ريموند بن نعيم، الذي أصبح لاحقًا مستشارًا اقتصاديًا لياسر عرفات. كما كان لي صديق يهودي آخر اسمه عمار، كنت أزوره في منزله ويزورني في بيتنا. اعتراف صريح: عنصرية جماعية مسكوت عنها أما علاقة اليهود المغاربة بالمسلمين المغاربة، فبصدق قلت في تصريح لإحدى الجرائد الإسرائيلية إن ما يتم التسويق له من تعايش مثالي فيه الكثير من الكذب. ففي العمق كنا كمسلمين عنصريين تجاه اليهود، وما زلت أتذكر كيف كنا نعتدي على أطفال اليهود في الملاح، ونسلبهم تذاكر السينما، وكيف كان الكبار يعتدون على الصناع اليهود. وكانت هذه حالة جماعية، وما زالت، تجاه اليهود والسود على حد سواء.
التحول في الوعي: من العنف إلى الفهم وقد وقع لي هذا التحول في الوعي تجاه اليهود المغاربة تدريجيًا، من طفل يعتدي عليهم، إلى شخص يحترمهم ويصادقهم.
لكن التحول الحقيقي حدث في نهاية الستينيات، عندما قرأت مقالات إبراهام السرفاتي في مجلة أنفاس، وخاصة مقاله ضد الصهيونية.
وهنا تساءلت لأول مرة: كيف يمكن أن يكون هناك يهودي ضد الصهيونية؟
و أحب أن أضيف أن مجلة أنفاس لعبت دورًا كبيرًا في تكوين وعيي السياسي والثقافي والفني. وفي تاريخ الصحافة بالمغرب، كانت هناك ثلاث جرائد لعبت دورًا أساسيًا في نشر وعي سياسي متنور:
أنفاس
لامليف
لو جورنال
وهي ليست مجرد جرائد، بل محطات مفصلية في تاريخ الأجيال المغربية.
التصنيفات

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث