مولاي علي شوهاد: شاعر الوعي وسؤال الهوية في الأغنية الأمازيغية السوسية
مولاي علي شوهاد واحدا من الأسماء البارزة في الثقافة الأمازيغية المعاصرة، ليس فقط بوصفه شاعرا ومغنيا، بل باعتباره تجربة فنية وفكرية متكاملة ساهمت في إعادة تعريف دور الأغنية الأمازيغية السوسية بوصفها خطابا إنسانيا ووعيا جماعيا، لا مجرد تعبير فني عابر. لقد شكل مساره نموذجا لفنان جعل من الكلمة أفقا للتأمل، ومن الموسيقى وسيلة لطرح أسئلة الهوية والوجود والانتماء.
في سن الثالثة عشرة، شارك لأول مرة في مسابقة الشعر الحواري والرقص أحواش، منافسا شعراء أسايس الكبار، وهو ما مكنه من صقل موهبته وتحسين أدائه، وفتح أمامه أفقا مبكرا للاحتكاك بالتجربة الجماعية للشعر الأمازيغي.
من القرية إلى المدينة: تشكل الوعي بالهوية
شكل انتقاله إلى الدار البيضاء من أجل الدراسة منعطفا حاسما في مساره، ليس فقط على المستوى الجغرافي، بل على المستوى الوجودي. فبين صفاء القرية وصخب المدينة، وبين وحدة الجبل واغتراب الإسفلت، تبلور لديه سؤال الهوية بوصفه محورا مركزيا في كتاباته. هذا التوتر بين الأصل والحداثة، وبين الذاكرة والتحول، سيصبح لاحقا سمة بارزة في شعره وأغانيه.
التجربة الجماعية: إزماز وأرشاش
في أواخر السبعينيات، ساهم في تأسيس فرقة إزماز سنة 1977 رفقة عدد من الشعراء والفنانين، قبل أن يؤسس سنة 1979 بالدار البيضاء مجموعة أرشاش، إلى جانب عزيز الهراس، مولاي ابراهيم اسكران، الحسين وخاش، وإكرام صالوت، ثم التحق بهم لاحقا المرحوم مولاي عبد الكبير شوهاد سنة 1996.
لم تكن أرشاش مجرد مجموعة موسيقية، بل شكلت مشروعا فنيا ملتزما سعى إلى تجديد الأغنية الأمازيغية السوسية، وتحويلها إلى أداة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع. وبعد إصدار شريطها الاول سنة 1980، بدأت المجموعة تشق طريقها بثبات، إلى أن سطع نجمها لدى جمهور واسع محليا ووطنيا.
توالت اعمالها البارزة، من الشباب والصور، إلى تاموكريست سنة 1989، الذي تناولت فيه المجموعة قضايا سياسية، من بينها موضوع الجارة الجزائر ومواقفها من الوحدة الترابية للمغرب، ثم تيموزغا وتجلا نوفات، مؤكدة قدرة الأغنية الأمازيغية على التفاعل مع القضايا الكبرى دون فقدان بعدها الجمالي.
الشعر بوصفه تفكيرا في الوجود
تتجلى خصوصية تجربة مولاي علي شوهاد في تعامله مع القصيدة باعتبارها فضاء للتأمل الوجودي. فهو لا يكتب عن الالم كحادثة عابرة، بل كشرط انساني دائم، ولا يتناول الهوية كشعار جاهز، بل كسؤال مفتوح على القلق والاحتمال. في شعره، يظهر الانسان الامازيغي ممزقا بين الارض والهجرة، بين الجماعة والفرد، وبين الذاكرة والتحول.
أصدر ديوانه الشعري اغبالو سنة 2004 عن مطبعة اكدال بالرباط، في 107 صفحات، متضمنا خمسين قصيدة شعرية. ويحمل عنوان الديوان رمزية واضحة، فالمنبع هنا ليس مصدرا للماء فقط، بل مصدرا للمعنى، في محاولة للعودة إلى الاصل قبل تشوهه بالاستلاب والنسيان.
من بين قصائد الديوان، تبرز قصيدة أليلي التي تتخذ من نبتة مرة المذاق رمزا للصبر والثبات، محذرة من الحكم على الاشياء بمظاهرها لا بجواهرها، وقصيدة أركان التي تستحضر شجرة الاركان بوصفها رمزا للاصالة والصمود والتشبث بالارض، في تشبيه واضح بالانسان الامازيغي المرتبط بوطنه وهويته، إلى جانب قصائد اخرى مثل كمرغ لوز وأكساب تالخاتمت.
بين الغناء والتمثيل: وحدة الفن والفكر
لم تقتصر تجربة مولاي علي شوهاد على الشعر والغناء، بل امتدت إلى التمثيل، حيث بدا الجسد امتدادا للقصيدة، والصوت تجسيدا للفكرة. اداؤه الفني لا يقوم على تقنية باردة، بل على انخراط وجداني عميق، يجعل الشخصية التي يؤديها استمراراً لاسئلته الداخلية. في هذا التداخل بين الفنون، تتأكد رؤيته التي لا تفصل بين الفن والفكر، بل تعتبر الفن شكلا من اشكال التفلسف العملي.
شاعر الوعي لا شاعر اللحظة
في زمن تختزل فيه الاغنية في سرعة الايقاع، وتختصر القصيدة في عبارات عابرة، ظل مولاي علي شوهاد وفيا لبطء الفكرة وعمق التامل. جعل من الفن موقفا اخلاقيا وفكريا، ومن الكلمة اداة لاستعادة الكرامة، ومن القصيدة مساحة لاحياء المعنى.
لهذا، لا يمكن اختزال تجربته في توصيف فني ضيق، بل هي مشروع وعي متكامل، ينطلق من المحلي الامازيغي ليبلغ الافق الانساني الكوني. فهو امازيغي في لغته وانتمائه، كوني في اسئلته ورؤيته، ويثبت من خلال مساره ان الجمال بلا وعي هش، وان الفن اذا لم يوقظ السؤال فينا، يبقى مجرد صدى عابر.





