مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 07 | كرم الكلاوي

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 07 | كرم الكلاوي

مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 07 | كرم الكلاوي

في الحلقة السابقة، توقفنا عند الرسائل الأمريكية الموجّهة إلى التهامي الكلاوي، والتي كشفت جانبًا من المصالح المتبادلة بين الطرفين.
أما في هذه الحلقة، فنغوص في موضوع بالغ الحساسية: الكرم، ليس بوصفه خُلقًا فرديًا فقط، بل كأداة سياسية وديبلوماسية، استُخدمت بذكاء في بناء النفوذ وشراء الولاءات.

الكرم كما رآه المعاصرون

يقول عبد الصادق، نجل الكلاوي، في مذكراته المعنونة بـ «الأوبة الكتوبة»، إن كل من كتب عن والده—سواء كانوا خصومًا أو أنصارًا أو حتى محايدين—أجمعوا على الإشادة بكرمه وحسن ضيافته.
منذ سنة 1912، كانت موائد الكلاوي تجمع آلاف الضيوف من مختلف الأجناس والبلدان: رجال دولة، قادة عسكريين، علماء، فنانين، صحفيين، ورجال أعمال. هذا الحضور الكثيف لم يكن عفويًا، بل شكّل أحد أسرار شهرته التي تجاوزت حدود المغرب.

الكرم الاجتماعي: مراكش أولًا

لم ينسَ الكلاوي الفقراء والمحتاجين. فقد اعتاد توزيع مساعدات سنوية منتظمة على فقراء مراكش، سواء في شكل أموال أو مؤونة غذائية، إلى درجة أن هذه الإعانات تحولت عند كثيرين إلى مدخول قار، موثق في دفاتر حسابات خاصته.
كما أولى عناية خاصة بقدماء المحاربين، والأيتام، وكان يترأس بنفسه الجمعية الخيرية المشرفة على ميتم مراكش، الذي حظي بدعم مالي سخي ومتواصل.

التضامن خارج الحدود

تكشف المراسلات المحفوظة في أرشيفه عن امتداد هذا الكرم إلى خارج المغرب:

3 ملايين فرنك فرنسي سنة 1944 للمساهمة في إعادة إعمار فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.

100 ألف فرنك سنة 1947 لصالح حملة التضامن الفرنسي المغربي.

200 ألف فرنك لضحايا الفيضانات في بريطانيا، مع رسائل شكر رسمية من القنصلية البريطانية ومن عمدة لندن.

هذه المبادرات جعلت اسمه حاضرًا في باريس، لندن، الرباط، وحتى في الهند الصينية، حيث تظهر مراسلة شهيرة تطلب إرسال شحنات من النعناع المغربي إلى الجنود المغاربة هناك، في بُعد رمزي يتجاوز قيمته المادية.

التعليم والدين: شرعية مزدوجة

شمل كرم الكلاوي دعم الزوايا، الأضرحة، المساجد، والمستوصفات، إضافة إلى تشجيع طلاب الكتاتيب القرآنية وتكريم المتفوقين منهم.
وفي مجال التعليم العصري، تبرز مساهمته البارزة في تأسيس مدرسة رياض العروس، حيث تبرع بمبلغ 3 ملايين فرنك، مقابل مليوني فرنك فقط تبرع بها السلطان محمد الخامس، في خطوة حملت أكثر من دلالة سياسية ورمزية.

رسائل الامتنان: الكلاوي كـ«أب» وملاذ

رسائل شخصيات عربية من مصر والجزائر والحجاز تصف الكلاوي بالأب والسند، وتلجأ إليه في أوقات الضيق، طلبًا للمساعدة أو التدخل لدى القنصليات. هذه الشهادات تكشف أن نفوذه لم يكن محليًا فقط، بل عابرًا للحدود.

قراءة تحليلية: الكرم كقوة ناعمة

تكشف هذه الرسائل أن كرم الكلاوي لم يكن فعلًا إنسانيًا محضًا، بل:

أداة ديبلوماسية لشراء الحماية الفرنسية والبريطانية.

وسيلة دعائية لتلميع صورته كرجل دولة عالمي.

شبكة زبونية تضمن ولاء الفقراء، الأعيان، والمؤسسات الدينية.

شرعية موازية تنافس شرعية القصر، دون قطيعة مباشرة قبل الصدام الكبير.

لقد صنع الكلاوي ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الولاءات: المال مقابل الصمت، الدعم، والحماية.
وبذلك لم يكن مجرد باشا أو قائد قبلي، بل فاعلًا سياسيًا دوليًا، استخدم السخاء—المادي والرمزي—لبناء هالة تحميه من تقلبات السياسة.

الكرم عند التهامي الكلاوي لم يكن مجرد فضيلة أخلاقية، بل كان أداة حكم.
وبين الإنسان المتصدق والسياسي البراغماتي، تتجلى شخصية معقدة لا يمكن اختزالها في الأبيض أو الأسود.

انتهت الحلقة، وإلى اللقاء في الحلقة المقبلة بحول الله.
التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث