مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 11 | الكلاوي بين سحر الشيخات و أضواء بياف
في الحلقة الماضية، حكى لنا عبد الصادق، ابن الباشا التهامي الكلاوي، عن علاقة والده بزوجاته وخادماته وجواريه.
في هذه الحلقة، ينتقل بنا إلى عالم آخر من حياة الكلاوي، عالم المكتب، السلطة، ثم العشق العميق للموسيقى والفنون.
الكلاوي بين القصور وتدبير الزمن
يقول عبد الصادق إن الكلاوي لم يكن يملك دارًا واحدة في مراكش فقط، بل كانت له دور أخرى في الدار البيضاء وفاس وطنجة، إضافة إلى القصبات في الجنوب.
وأينما حلّ، كان يحرص على أن تكون هذه الدور جاهزة لاستقباله في أي وقت، بنفس الراحة والتسهيلات التي يجدها في داره الكبيرة بمراكش.
كان الكلاوي يقسّم وقته بين هذه المدن مع أصدقائه ومعارفه، محافظًا على نظام صارم في حياته، رغم انشغالاته السياسية والإدارية والقضائية.
الباشا والإدارة والسلطة
رغم كثرة مسؤولياته، كان الكلاوي يزاول مهامه بدقة وحرص.
بصفته باشا مراكش، كان يشرف على تسيير شؤون المدينة اليومية، ويسهر على حل المشاكل بيده، بمساعدة خليفة مكلف بالشؤون البلدية، يتكفل بالتواصل مع السلطات المغربية والفرنسية والسكان.
في القضايا الكبرى، كان الباشا يستقبل رؤساء المصالح البلدية في داره لمناقشة الملفات وجهًا لوجه، سواء تعلق الأمر بمراكش أو بقياداته خارج المدينة.
وقد استمر هذا التنسيق حتى سنة 1955، حيث ظل محتفظًا بصلاحيات قضائية واسعة.
القضاء بين الاستقلال الشكلي وسلطة الباشا
رغم الإصلاحات التي سعت إلى فصل السلط وتقليص نفوذ القواد والباشوات، بقي وضع مراكش استثناءً.
فحتى عندما بدا أن القضاة نالوا استقلاليتهم، ظلوا عمليًا تحت نفوذ الباشا، يستشيرونه في القضايا الكبرى، نظرًا لأن القوة العمومية كانت بيده.
أما محاكم القضاة الثلاث، المكلفة بقضايا الأحوال الشخصية والنزاعات العقارية، فكانت أكثر استقلالًا، ولا تُراجع أحكامها إلا بمحكمة الاستئناف بالرباط.
ومع ذلك، ظل القضاة في حاجة إلى دعم الباشا لتنفيذ الأحكام.
يوم في حياة التهامي الكلاوي
كان يوم الباشا يبدأ مع الفجر.
بعد الإفطار، حوالي الثامنة والنصف، يتوجه إلى مكتبه الذي بناه في حدائق القصر، قرب قاعة الضيافة.
يستقبل فيه الشكايات والوفود، سواء من سكان المدينة أو شيوخ القبائل.
عند الظهر، يعود إلى الدار لتناول الغداء، وغالبًا ما يكون محاطًا بأصدقائه القدامى أو أعيان المدينة.
بعد القيلولة، يتوجه إلى ملعب الغولف إن لم يكن هناك عمل طارئ، إذ ظل يمارس هذه الرياضة حتى وفاته.
في المساء، يعود لمكتبه لاستكمال اللقاءات، ثم يخلد للنوم مبكرًا استعدادًا ليوم جديد.
الصيد والرحلات
كان الكلاوي شغوفًا بالصيد، خاصة في نواحي تملالت والسفيوة ودمنات.
كان يصطاد الخنزير والغزال، ويتمتع بمهارة عالية في الرماية والفروسية.
وأحيانًا كان يقضي يومه خارج الدار، يتغدى تحت الخيمة، ثم يعود ليلًا إلى مراكش أو يبيت في إحدى دور القياد.
عشق الموسيقى والفرق النسوية
من التقاليد المعروفة لدى العائلات الكبرى بالمغرب التنافس في امتلاك أفضل فرق العوادات.
وهنا يكشف عبد الصادق عن عالم فني خاص بالكلاوي، حيث كان يعشق الموسيقى بكل أشكالها.
في بداية القرن العشرين، كانت العائلات تستقدم عازفات بارعات حتى من تركيا لتعليم العوادات المحليات.
وقد أولى الكلاوي فرقته النسوية عناية خاصة، ومنحها قيمة كبيرة، وكانت تعزف في جلساته الخاصة وأمام ضيوفه.
دار الأيتام والجوق الموسيقي
بحكم إشرافه على دار الأيتام عرصة الباني، أنشأ الكلاوي جوقًا موسيقيًا، اختار له أطفالًا موهوبين، وجلب لهم أساتذة كبار لتعليمهم أصول الفن الأندلسي.
وبعد تكوينهم، أصبحوا يحيون سهرات في دار الباشا وفي الأعراس والمناسبات، فتحولت الموسيقى إلى مورد عيش لهم.
الموسيقى الشرقية واللقاءات الكبرى
كانت الفرقة النسوية الخاصة بالكلاوي تعزف الموسيقى الأندلسية والمصرية، التي كانت رائجة آنذاك.
وقد استقدم الأستاذ المصري مرسي بركات لتعليمهم الأغاني المصرية، وبقي هذا الأخير في المغرب وتزوج فيه.
كما استقبل الكلاوي فنانين كبارًا، ونظم حفلات وسهرات كبرى في مراكش، وشجع الشيخات والفرق الشعبية، خاصة فرقة الشيخات السردينات.
بين الأوبرا والسينما
لم يقتصر اهتمام الكلاوي على الموسيقى التقليدية، بل أحب الأوبرا والسينما أيضًا.
استقبل مغنين عالميين، وشجع عروض الأوبرا في سينما بالاس وسينما مبروكة، ودعم أول فيلم صُوّر في المغرب.
شهادة جون بيير كوفيل
ينقل عبد الصادق شهادة الكاتب جون بيير كوفيل، الذي وصف إعجابه بثقافة الكلاوي الموسيقية وشخصيته المركبة.
يروي كوفيل كيف التقى بالكلاوي صدفة، وكيف دعاه لحضور الأوبرا، ثم لحفل غنائي، في تجربة ظلت راسخة في ذاكرته.
قراءة تحليلية للحلقة
تعكس هذه الشهادة طريقة حكم الكلاوي خلال فترة الحماية، حيث يظهر كحاكم يملك السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية في منطقته.
كما تكشف كيف فضّلت فرنسا هذا النموذج التقليدي لضمان الاستقرار في الجنوب، بعيدًا عن ضغط الحركة الوطنية.
من جهة أخرى، يظهر عشق الكلاوي للفنون كأداة سياسية لبناء صورة الحاكم المتنور، القادر على الجمع بين الأصالة الأمازيغية والعصرنة الأوروبية.
ترسم هذه الحلقة صورة باشا كان دولة داخل دولة، اعتمد على توازن دقيق بين الولاء للحماية الفرنسية، والتمسك بأدوات الحكم التقليدي، واستعمال الفن والثقافة كوسيلة للنفوذ والشرعية.
وهي صورة تختزل نهاية عهد البشوات الكبار في المغرب، قبيل دخول البلاد مرحلة الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال سنة 1956.
في هذه الحلقة، ينتقل بنا إلى عالم آخر من حياة الكلاوي، عالم المكتب، السلطة، ثم العشق العميق للموسيقى والفنون.
الكلاوي بين القصور وتدبير الزمن
يقول عبد الصادق إن الكلاوي لم يكن يملك دارًا واحدة في مراكش فقط، بل كانت له دور أخرى في الدار البيضاء وفاس وطنجة، إضافة إلى القصبات في الجنوب.
وأينما حلّ، كان يحرص على أن تكون هذه الدور جاهزة لاستقباله في أي وقت، بنفس الراحة والتسهيلات التي يجدها في داره الكبيرة بمراكش.
كان الكلاوي يقسّم وقته بين هذه المدن مع أصدقائه ومعارفه، محافظًا على نظام صارم في حياته، رغم انشغالاته السياسية والإدارية والقضائية.
الباشا والإدارة والسلطة
رغم كثرة مسؤولياته، كان الكلاوي يزاول مهامه بدقة وحرص.
بصفته باشا مراكش، كان يشرف على تسيير شؤون المدينة اليومية، ويسهر على حل المشاكل بيده، بمساعدة خليفة مكلف بالشؤون البلدية، يتكفل بالتواصل مع السلطات المغربية والفرنسية والسكان.
في القضايا الكبرى، كان الباشا يستقبل رؤساء المصالح البلدية في داره لمناقشة الملفات وجهًا لوجه، سواء تعلق الأمر بمراكش أو بقياداته خارج المدينة.
وقد استمر هذا التنسيق حتى سنة 1955، حيث ظل محتفظًا بصلاحيات قضائية واسعة.
القضاء بين الاستقلال الشكلي وسلطة الباشا
رغم الإصلاحات التي سعت إلى فصل السلط وتقليص نفوذ القواد والباشوات، بقي وضع مراكش استثناءً.
فحتى عندما بدا أن القضاة نالوا استقلاليتهم، ظلوا عمليًا تحت نفوذ الباشا، يستشيرونه في القضايا الكبرى، نظرًا لأن القوة العمومية كانت بيده.
أما محاكم القضاة الثلاث، المكلفة بقضايا الأحوال الشخصية والنزاعات العقارية، فكانت أكثر استقلالًا، ولا تُراجع أحكامها إلا بمحكمة الاستئناف بالرباط.
ومع ذلك، ظل القضاة في حاجة إلى دعم الباشا لتنفيذ الأحكام.
يوم في حياة التهامي الكلاوي
كان يوم الباشا يبدأ مع الفجر.
بعد الإفطار، حوالي الثامنة والنصف، يتوجه إلى مكتبه الذي بناه في حدائق القصر، قرب قاعة الضيافة.
يستقبل فيه الشكايات والوفود، سواء من سكان المدينة أو شيوخ القبائل.
عند الظهر، يعود إلى الدار لتناول الغداء، وغالبًا ما يكون محاطًا بأصدقائه القدامى أو أعيان المدينة.
بعد القيلولة، يتوجه إلى ملعب الغولف إن لم يكن هناك عمل طارئ، إذ ظل يمارس هذه الرياضة حتى وفاته.
في المساء، يعود لمكتبه لاستكمال اللقاءات، ثم يخلد للنوم مبكرًا استعدادًا ليوم جديد.
الصيد والرحلات
كان الكلاوي شغوفًا بالصيد، خاصة في نواحي تملالت والسفيوة ودمنات.
كان يصطاد الخنزير والغزال، ويتمتع بمهارة عالية في الرماية والفروسية.
وأحيانًا كان يقضي يومه خارج الدار، يتغدى تحت الخيمة، ثم يعود ليلًا إلى مراكش أو يبيت في إحدى دور القياد.
عشق الموسيقى والفرق النسوية
من التقاليد المعروفة لدى العائلات الكبرى بالمغرب التنافس في امتلاك أفضل فرق العوادات.
وهنا يكشف عبد الصادق عن عالم فني خاص بالكلاوي، حيث كان يعشق الموسيقى بكل أشكالها.
في بداية القرن العشرين، كانت العائلات تستقدم عازفات بارعات حتى من تركيا لتعليم العوادات المحليات.
وقد أولى الكلاوي فرقته النسوية عناية خاصة، ومنحها قيمة كبيرة، وكانت تعزف في جلساته الخاصة وأمام ضيوفه.
دار الأيتام والجوق الموسيقي
بحكم إشرافه على دار الأيتام عرصة الباني، أنشأ الكلاوي جوقًا موسيقيًا، اختار له أطفالًا موهوبين، وجلب لهم أساتذة كبار لتعليمهم أصول الفن الأندلسي.
وبعد تكوينهم، أصبحوا يحيون سهرات في دار الباشا وفي الأعراس والمناسبات، فتحولت الموسيقى إلى مورد عيش لهم.
الموسيقى الشرقية واللقاءات الكبرى
كانت الفرقة النسوية الخاصة بالكلاوي تعزف الموسيقى الأندلسية والمصرية، التي كانت رائجة آنذاك.
وقد استقدم الأستاذ المصري مرسي بركات لتعليمهم الأغاني المصرية، وبقي هذا الأخير في المغرب وتزوج فيه.
كما استقبل الكلاوي فنانين كبارًا، ونظم حفلات وسهرات كبرى في مراكش، وشجع الشيخات والفرق الشعبية، خاصة فرقة الشيخات السردينات.
بين الأوبرا والسينما
لم يقتصر اهتمام الكلاوي على الموسيقى التقليدية، بل أحب الأوبرا والسينما أيضًا.
استقبل مغنين عالميين، وشجع عروض الأوبرا في سينما بالاس وسينما مبروكة، ودعم أول فيلم صُوّر في المغرب.
شهادة جون بيير كوفيل
ينقل عبد الصادق شهادة الكاتب جون بيير كوفيل، الذي وصف إعجابه بثقافة الكلاوي الموسيقية وشخصيته المركبة.
يروي كوفيل كيف التقى بالكلاوي صدفة، وكيف دعاه لحضور الأوبرا، ثم لحفل غنائي، في تجربة ظلت راسخة في ذاكرته.
قراءة تحليلية للحلقة
تعكس هذه الشهادة طريقة حكم الكلاوي خلال فترة الحماية، حيث يظهر كحاكم يملك السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية في منطقته.
كما تكشف كيف فضّلت فرنسا هذا النموذج التقليدي لضمان الاستقرار في الجنوب، بعيدًا عن ضغط الحركة الوطنية.
من جهة أخرى، يظهر عشق الكلاوي للفنون كأداة سياسية لبناء صورة الحاكم المتنور، القادر على الجمع بين الأصالة الأمازيغية والعصرنة الأوروبية.
ترسم هذه الحلقة صورة باشا كان دولة داخل دولة، اعتمد على توازن دقيق بين الولاء للحماية الفرنسية، والتمسك بأدوات الحكم التقليدي، واستعمال الفن والثقافة كوسيلة للنفوذ والشرعية.
وهي صورة تختزل نهاية عهد البشوات الكبار في المغرب، قبيل دخول البلاد مرحلة الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال سنة 1956.





