مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 10 | أسرار حريم الكلاوي
في الحلقة الماضية حكى لنا عبد الصادق ابن الباشا عن أسرار قصر الستينية، أما في هذه الحلقة الجريئة فيحكي لنا عن حريم أبيه داخل القصر.
يقول عبد الصادق إن دار الكلاوي، حتى تمشي مع متطلبات الحياة العصرية والراقية لذلك الزمن، كانت منظمة بطريقة دقيقة من طرف الباشا، سواء من الداخل أو الخارج. وزيادة على ذلك، كانت الدار تتوفر على مقتصدية خاصة بالتموين، مقابلة للشاذة والفادة، لضمان الماكلة والمؤونة اليومية، وحتى الإصلاحات اللازمة.
السيد الدار والضياف وحدهم كان مسموح لهم بدخول الدار، أما النساء فكان ممنوعاً عليهن الخروج منها. وكان الكلاوي معروفاً في المغرب كله بالصرامة في الحفاظ على حرمة داره ونسائه. قد يبدو هذا اليوم قاسياً ومؤلماً، لكن يجب ألا ننسى أن ذلك كان هو القاعدة في بيوت المغرب آنذاك، خصوصاً أن القصر كان عبارة عن ضيعة كبيرة تتجاوز 10 هكتارات داخل المدينة، وفيه حدائق خاصة لا يدخلها إلا نساء الدار.
تنظيم الداخل والخدم
الدار من الداخل كانت منظمة على شكل مجموعات:
مجموعة الخادمات
مجموعة الطباخات
مجموعة الموسيقيات
مجموعة المنظفات
مجموعة البوابات والممونات
عدد البوابات كان ما بين 8 و10، وكنّ مسؤولات عن المداخل الداخلية، وهن الوسيط الوحيد لأي تواصل مع الخارج. وفي المقابل، كان هناك بوابون رجال خارج القصر يقومون بنفس الدور.
كل من يدخل أو يخرج كان عليه أن يمر عبر هذا الحاجز المزدوج. وكانت البوابات يقمن بالدور نفسه الذي لعبه الخصيان في قصور الشرق القديمة، دون الحاجة لوجودهم داخل دار الكلاوي.
عند وفاة الوالد سنة 1956، كان في الدار حوالي 100 امرأة، دون احتساب البوابات. أما باقي الخدم والحشم فكانوا مقسمين إلى مجموعات تتناوب على العمل أسبوعاً بأسبوع، سواء في البيوت الخاصة، أو الحمام، أو الزينة، أو المطبخ.
في المناسبات الكبرى كانت الطباخات الثلاثون يشتغلن معاً، أما في الأيام العادية فكانت النوبة لمجموعة من ست طباخات فقط، وتبدأ كل نوبة يوم الجمعة.
التموين والمؤونة
المؤونة كانت تأتي كل صباح مع الفجر:
اللحم
الدجاج
الحليب
الزبدة
الخضر
الفواكه
وكان ذلك تحت إشراف مقتصد خاص من أمناء الحرف بمدينة مراكش، مع محاسبة شهرية دقيقة.
مواد أخرى كانت تأتي من الضيعات:
الطحين
الزيت
الزبدة
الأعشاب العطرية
ماء الورد والزهر
الزيتون
القديد
العسل
اللوز
الدار كانت تستهلك 1500 قنطار من الطحين شهرياً فقط للخبز. وكانت الخبازات يعجنّ داخل القصر، ثم تُرسل العجينة إلى فرن الحومة، في مشهد مغربي تقليدي مبهر.
التصبير، الأعياد، والعادات
في عيد الأضحى كان يُذبح حوالي 50 كبشاً، وكان الباشا يذبح الأول بيده. وفي الصيف كانت تُذبح حوالي 40 بقرة أو عجلاً لتحضير اللحم المصبر (الخليع)، الذي كان يُرسل حتى للأصدقاء.
كانت هناك أيضاً:
تصبير الزيتون
إعداد الخل
تقطير الورد والزهر
تحضير معجون اللوز لرمضان
العيالات الحادقات في الدار كنّ المسؤولات عن هذه الأعمال، مع غناء جماعي أثناء الجني والتقطير.
العطور واللباس
كان الحاج التهامي يعشق تعطير ملابسه بماء الورد والزهر، والبخور (العنبر، المسك، الصندل). وكانت هناك طريقة خاصة لتبخير الملابس تسمى “البخار”.
إضافة إلى العطور التقليدية، استعمل أشهر الماركات الفرنسية مثل:
لانفان
كوتي
هوبيجان
أما لباس النساء فكان يشمل:
القفطان
الفرْجية
التشامير
السراويل العريضة
الحلي الثقيلة
وكانت الخياطة تتم بانتظام عند خياطين مسلمين ويهود.
العلاقات داخل الحريم
العيالات كنّ ينادين بعضهن بـ“أختي”، والأبناء ينادون باقي النساء بـ“خالتي”. وكانت هناك غيرة خفيفة بين أبناء الزوجات الشرعيات وأبناء الجواري، لكن الباشا كان يعامل الجميع بالمساواة، ويترك الذكاء والموهبة ليحددا المكانة.
قرر أن يكون الابن الأكبر هو خليفته، وترك الباقي للطبيعة.
زيارة السلطان
من أهم الأحداث داخل القصر كانت زيارات السلطان، وعلى رأسهم
سيدي محمد بن يوسف
كان الباشا يخلي الدار كاملة للسلطان، ويعتبر ذلك تجديداً للبيعة، بينما ينعزل هو في جناح خارجي. وكانت هذه الزيارات تشكل ذروة النشاط داخل القصر، من حيث التنظيم، الطعام، والهدايا.
الأعراس، العقيقة، والجنائز
الأعراس كانت طقوساً ضخمة:
الزينة
الغناء
العماريات
الطبول
الاحتفال بعذرية العروس
أما العقيقة والختان فكانتا مناسبتين أقل صخباً، لكن مليئتين بالطقوس التقليدية.
الجنائز أيضاً كانت تغير إيقاع الدار، وأبرزها جنازة المهدي الذي قُتل في الحرب بإيطاليا سنة 1944، ودفن خارج باب أغماز.
التحليل والخلاصة
دار الكلاوي لم تكن مجرد مسكن، بل منظومة سياسية وإدارية كاملة.
الترف لم يكن للمتعة فقط، بل أداة للهيبة والسيطرة وإبهار الحلفاء.
الحريم لم يكن فضاء مجون كما صوّره المستشرقون، بل مؤسسة ضبط اجتماعي صارمة.
ازدواجية الكلاوي (تقاليد صارمة + حداثة أوروبية) تعكس صورة النخبة المغربية زمن الحماية.
هذه الشهادة توثق:
تجارة الرقيق في مرحلة انتقالية
اختفاء العبودية قانونياً وبقاؤها اجتماعياً
البيت باعتباره مرآة للدولة
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.
يقول عبد الصادق إن دار الكلاوي، حتى تمشي مع متطلبات الحياة العصرية والراقية لذلك الزمن، كانت منظمة بطريقة دقيقة من طرف الباشا، سواء من الداخل أو الخارج. وزيادة على ذلك، كانت الدار تتوفر على مقتصدية خاصة بالتموين، مقابلة للشاذة والفادة، لضمان الماكلة والمؤونة اليومية، وحتى الإصلاحات اللازمة.
السيد الدار والضياف وحدهم كان مسموح لهم بدخول الدار، أما النساء فكان ممنوعاً عليهن الخروج منها. وكان الكلاوي معروفاً في المغرب كله بالصرامة في الحفاظ على حرمة داره ونسائه. قد يبدو هذا اليوم قاسياً ومؤلماً، لكن يجب ألا ننسى أن ذلك كان هو القاعدة في بيوت المغرب آنذاك، خصوصاً أن القصر كان عبارة عن ضيعة كبيرة تتجاوز 10 هكتارات داخل المدينة، وفيه حدائق خاصة لا يدخلها إلا نساء الدار.
تنظيم الداخل والخدم
الدار من الداخل كانت منظمة على شكل مجموعات:
مجموعة الخادمات
مجموعة الطباخات
مجموعة الموسيقيات
مجموعة المنظفات
مجموعة البوابات والممونات
عدد البوابات كان ما بين 8 و10، وكنّ مسؤولات عن المداخل الداخلية، وهن الوسيط الوحيد لأي تواصل مع الخارج. وفي المقابل، كان هناك بوابون رجال خارج القصر يقومون بنفس الدور.
كل من يدخل أو يخرج كان عليه أن يمر عبر هذا الحاجز المزدوج. وكانت البوابات يقمن بالدور نفسه الذي لعبه الخصيان في قصور الشرق القديمة، دون الحاجة لوجودهم داخل دار الكلاوي.
عند وفاة الوالد سنة 1956، كان في الدار حوالي 100 امرأة، دون احتساب البوابات. أما باقي الخدم والحشم فكانوا مقسمين إلى مجموعات تتناوب على العمل أسبوعاً بأسبوع، سواء في البيوت الخاصة، أو الحمام، أو الزينة، أو المطبخ.
في المناسبات الكبرى كانت الطباخات الثلاثون يشتغلن معاً، أما في الأيام العادية فكانت النوبة لمجموعة من ست طباخات فقط، وتبدأ كل نوبة يوم الجمعة.
التموين والمؤونة
المؤونة كانت تأتي كل صباح مع الفجر:
اللحم
الدجاج
الحليب
الزبدة
الخضر
الفواكه
وكان ذلك تحت إشراف مقتصد خاص من أمناء الحرف بمدينة مراكش، مع محاسبة شهرية دقيقة.
مواد أخرى كانت تأتي من الضيعات:
الطحين
الزيت
الزبدة
الأعشاب العطرية
ماء الورد والزهر
الزيتون
القديد
العسل
اللوز
الدار كانت تستهلك 1500 قنطار من الطحين شهرياً فقط للخبز. وكانت الخبازات يعجنّ داخل القصر، ثم تُرسل العجينة إلى فرن الحومة، في مشهد مغربي تقليدي مبهر.
التصبير، الأعياد، والعادات
في عيد الأضحى كان يُذبح حوالي 50 كبشاً، وكان الباشا يذبح الأول بيده. وفي الصيف كانت تُذبح حوالي 40 بقرة أو عجلاً لتحضير اللحم المصبر (الخليع)، الذي كان يُرسل حتى للأصدقاء.
كانت هناك أيضاً:
تصبير الزيتون
إعداد الخل
تقطير الورد والزهر
تحضير معجون اللوز لرمضان
العيالات الحادقات في الدار كنّ المسؤولات عن هذه الأعمال، مع غناء جماعي أثناء الجني والتقطير.
العطور واللباس
كان الحاج التهامي يعشق تعطير ملابسه بماء الورد والزهر، والبخور (العنبر، المسك، الصندل). وكانت هناك طريقة خاصة لتبخير الملابس تسمى “البخار”.
إضافة إلى العطور التقليدية، استعمل أشهر الماركات الفرنسية مثل:
لانفان
كوتي
هوبيجان
أما لباس النساء فكان يشمل:
القفطان
الفرْجية
التشامير
السراويل العريضة
الحلي الثقيلة
وكانت الخياطة تتم بانتظام عند خياطين مسلمين ويهود.
العلاقات داخل الحريم
العيالات كنّ ينادين بعضهن بـ“أختي”، والأبناء ينادون باقي النساء بـ“خالتي”. وكانت هناك غيرة خفيفة بين أبناء الزوجات الشرعيات وأبناء الجواري، لكن الباشا كان يعامل الجميع بالمساواة، ويترك الذكاء والموهبة ليحددا المكانة.
قرر أن يكون الابن الأكبر هو خليفته، وترك الباقي للطبيعة.
زيارة السلطان
من أهم الأحداث داخل القصر كانت زيارات السلطان، وعلى رأسهم
سيدي محمد بن يوسف
كان الباشا يخلي الدار كاملة للسلطان، ويعتبر ذلك تجديداً للبيعة، بينما ينعزل هو في جناح خارجي. وكانت هذه الزيارات تشكل ذروة النشاط داخل القصر، من حيث التنظيم، الطعام، والهدايا.
الأعراس، العقيقة، والجنائز
الأعراس كانت طقوساً ضخمة:
الزينة
الغناء
العماريات
الطبول
الاحتفال بعذرية العروس
أما العقيقة والختان فكانتا مناسبتين أقل صخباً، لكن مليئتين بالطقوس التقليدية.
الجنائز أيضاً كانت تغير إيقاع الدار، وأبرزها جنازة المهدي الذي قُتل في الحرب بإيطاليا سنة 1944، ودفن خارج باب أغماز.
التحليل والخلاصة
دار الكلاوي لم تكن مجرد مسكن، بل منظومة سياسية وإدارية كاملة.
الترف لم يكن للمتعة فقط، بل أداة للهيبة والسيطرة وإبهار الحلفاء.
الحريم لم يكن فضاء مجون كما صوّره المستشرقون، بل مؤسسة ضبط اجتماعي صارمة.
ازدواجية الكلاوي (تقاليد صارمة + حداثة أوروبية) تعكس صورة النخبة المغربية زمن الحماية.
هذه الشهادة توثق:
تجارة الرقيق في مرحلة انتقالية
اختفاء العبودية قانونياً وبقاؤها اجتماعياً
البيت باعتباره مرآة للدولة
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





