مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 09 | غرائب وعجائب قصر الكلاوي

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 09 |  غرائب وعجائب قصر الكلاوي 

مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 09 |  غرائب وعجائب قصر الكلاوي


في الحلقة الماضية، حكى لنا عبد الصادق، ابن الباشا، عن المساعدات التي كان يقدمها والده للناس.
في هذه الحلقة، سندخل إلى قصر الباشا ونكتشف أسراره، وقبل ذلك سيعود بنا عبد الصادق إلى الحديث عن ملعب الغولف الذي بناه الباشا، ثم عن علاقاته الواسعة مع العائلات المغربية العريقة.

أولاً: ملعب الغولف… شغف نخبوي يتحول إلى مشروع أسطوري

يقول عبد الصادق إن عشق الباشا لرياضة الغولف بدأ في عشرينيات القرن الماضي، حين عرض عليه صديقه الدوق دوفيلز اكتشاف هذه الرياضة.
ومن شدة إعجابه بها، قرر في وقت مبكر، حوالي سنة 1924، أن يبني ملعبه الخاص في مراكش.

لهذا الغرض اشترى أرضاً عند المخرج الجنوبي للمدينة، مساحتها 80 هكتاراً، اقتناها تدريجياً “طريف بطريف” إلى أن اكتملت.
أنشأ فيها ملعباً يضم 18 حفرة، وأسند المشروع إلى محترفين فرنسيين، من بينهم أرنوماسي، الفرنسي الوحيد الذي فاز بالدوري المفتوح البريطاني، إلى جانب غوستاف وولياس.

كان ملعب الغولف مفتوحاً في وجه جميع زوار مراكش، دون مقابل، ودون أي رسم للدخول.
لعب فيه أشخاص من مختلف أنحاء العالم، وكان الباشا يستقبلهم دائماً بحفاوة وترحيب كبيرين.

في عطلة نهاية السنة وعيد الفصح، كانت تُنظم مباريات بجوائز رفيعة، تجمع نخبة المجتمع والطبقة الراقية التي تزور مراكش.
وسط الملعب، كانت تُنصب خيام كبيرة، وتُقام حفلات فاخرة مفتوحة للجميع.

وفي السنوات الأخيرة من حياة الكلاوي، نظم أبناؤه بطولات احترافية شارك فيها لاعبون مشهورون من أوروبا، وكان الفائزون يحصلون على جوائز مالية مهمة، إضافة إلى تكفل الباشا بكامل مصاريف إقامتهم وتنقلهم.

ثانياً: الإسراف في زمن الأزمة… فلسفة الكلاوي الخاصة

سنة 1924، يقول جان دو باك في كتابه حكايات مغربية من سور الأطلس (1947)، إن المغرب كان يعيش أزمة خطيرة بسبب الانخفاض المهول في المنتوجات الفلاحية، مما فرض على الاقتصاد نهج التقشف.

لكن التهامي الكلاوي، باشا مراكش وسيد الأطلس، لم ينظر إلى الوضع بالمنظار نفسه.
ميزانيته، حسب وصف معاصريه، كانت “كإسفنجة مليئة بالثقوب”.

حاول الجنرال رئيس المنطقة تحذيره من الإسراف، لكن دون جدوى.
بل إن الكلاوي أطلق حملة إنفاق جنونية، استقدم فيها اختصاصيين مشهورين لبناء مسالك الغولف التي عُرفت لاحقاً باسم غولف الباشا.

وحين بعث الجنرال برسالة يدعوه فيها إلى التعقل، رد الكلاوي برسالة ساخرة قال فيها:

«بلغوا الجنرال أنني إذا أنشأت ملعب الغولف، فذلك لأكون عند حسن ظنه، وحين أنتهي من بنائه سأتعلم فن سد الثغرات».

ثالثاً: شبكة العلاقات مع العائلات المغربية العريقة

ينتقل بنا عبد الصادق إلى موضوع بالغ الأهمية: علاقات الباشا مع العائلات المغربية الكبرى.
يقول إن القليل جداً من العائلات المعروفة في المغرب لم تحظَ بفرصة نسج علاقات اجتماعية مع الحاج التهامي، بحكم منصبه الرفيع لدى المخزن، ولدى السلطات الفرنسية زمن الحماية.

المصاهرات والتحالفات

تحالف مع عائلة المقري، وتزوج أرملة أخيه المدني، وهي ابنة الصدر الأعظم محمد المقري.

زوّج بنته من إدريس المقري، محتسب فاس.

ابنته الكبرى، أرملة القائد حمو، تزوجت عبد الرحمن بن شعيب الدكالي، ثم لاحقاً محمد الحجوي.

سنة 1918، تزوج التهامي من ابنة الوزير الشهير المهدي المنبهي، المقرب من السلطان مولاي عبد العزيز.

رابعاً: العلماء، الشرفاء، والزوايا

كانت للكلاوي علاقات قوية مع علماء القرويين، من بينهم:

عائلة الفضيلي

بن سودة

السايح

الحريشي

سكيرج

وكان يجلّ الشرفاء، ويقدم لهم الدعم والحماية، تقديراً لنسبهم الشريف.
ومن أقرب أصدقائه عبد الرحمن بن زيدان، الذي كتب أجزاء كبيرة من مؤلفه الإتحاف داخل قصر الكلاوي.

كما كانت له علاقات خاصة مع الزوايا:

التجانية

الناصرية بتمكروت

الزاوية الناظفية بمراكش

خامساً: قصر الكلاوي… هندسة السلطة والضيافة

كان الباشا يؤمن بأن:

«المشاكل الصعيبة كتتحل فوق المائدة أكثر مما كتتحل في المكاتب الباردة»

لهذا الغرض بنى داخل حدائق قصره دارين للضيافة:

دار مخصصة للمغاربة والزوار من العالم الإسلامي، شُيدت على الطراز المغربي الأصيل، وسميت الستينية.

دار مخصصة للضيوف الأوروبيين، صممها مهندسون إيطاليون، وزُودت بكل وسائل الراحة الحديثة، حتى بمصعد كهربائي.

لم يكن في أي من الدارين مطبخ، لأن الكلاوي كان يرفض أن تصل روائح الطبخ أو ضجيج الأواني إلى الضيوف.
كانت جميع الوجبات تُعد في المطابخ المركزية للقصر، وتُقدم في أطباق مذهبة، في صمت وتنظيم أشبه بجوقة موسيقية مدرَّبة.

سادساً: مائدة الكلاوي… سياسة بالنعناع والذهب

كانت الضيافة تبدأ دائماً بكأس شاي خاص، يُحضَّر بعناية فائقة، بمزيج من:

العنبر

الشيبة

اللويزة

زهر البرتقال

الورد

الزعتر

ثم تتوالى الأطباق:
لحوم، دجاج، طواجن بالعسل والتوابل، بسطيلة، رغايف، حلويات باللوز…
وكل ذلك بإيقاع هادئ، بلا ضجيج، وبخدمة مثالية.

سابعاً: حكاية 17 قطعة ذهبية

يروي عبد الصادق حكاية نقلها له المهدي بنونة، عن زيارة والده عبد السلام بنونة للباشا رفقة ابنه الصغير.

بعد مأدبة عامرة بـ17 طبقاً، قال الطفل بدهشة إنهم في بيتهم لا يأكلون إلا طبقين أو ثلاثة.
سمع الباشا الكلام، وتظاهر بعدم الانتباه، لكنه عند الوداع وضع في يد الطفل صُرّة صغيرة.
داخلها كانت 17 قطعة ذهبية… قطعة عن كل طاجين.

قراءة تاريخية سياسية للحلقة

تلخص هذه الحلقة فلسفة الكلاوي في الحكم:

الضيافة كقوة ناعمة

الكرم كأداة سياسية

المصاهرة والتحالف بدل المواجهة

لم تكن قوة الباشا في السلاح فقط، بل في فهمه العميق لسيكولوجيا المجتمع المغربي، حيث الكرم، الجاه، والقدرة على الجمع بين المتناقضات تصنع النفوذ.

تنتهي هنا الحلقة التاسعة، على أن نواصل في الحلقات القادمة الغوص في أسرار القصر وحكايات الدار، وما تخفيه جدرانها من تاريخ وسلطة.

إلى الحلقة المقبلة بحول الله.
التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث