كتاب "سأخون وطني".. الكتاب الذي مُنع في الدول العربية
في ظل الأحداث الراهنة التي يمر بها الوطن العربي، خصوصاً في قطاع غزة، والأحداث الخطيرة والمحزنة التي تقع الآن في لبنان والجنوب اللبناني، واحتمال دخول الأمة في حرب جديدة؛ يبدو أن هذا هو الوقت الأنسب للحديث عن كتاب عنوانه صادم، وفحواه مزيج من البؤس، الحزن، والليل والنهار، والأبيض والأسود.
مرحباً بكم في مراجعة كتاب محمد الماغوط: "سأخون وطني".
من هو محمد الماغوط؟
قبل الغوص في الكتاب، نتوقف في عجالة عند مؤلفه. محمد الماغوط كاتب سوري (1934 - 2006)، أديب، شاعر، ناقد، وكاتب مسرحي متميز. عاش حياة صعبة، فقد كان فقيراً جداً لدرجة أنه غادر المدرسة واشتغل في مهن بسيطة، وقرر أن يعلم نفسه بنفسه (Autodidact). دخل مجال الصحافة حتى صار رئيساً لتحرير إحدى المجلات، ومن ثم انتقل لتأليف المسرح.تميز الماغوط بشيئين:
الكتابة الشعرية النثرية: تشعر وأنت تقرأ شعره وكأنه نثر أو رواية، لكنه شعر باسلوب فريد.
أدب السخرية: يعتبر "أبو الأدب الساخر". يكتب عن الأوضاع السوداوية والبئيسة بأسلوب يجعلك تموت من الضحك رغم الألم؛ فهو يطنز (يسخر) على الواقع بمرارة.
سأخون وطني: هذيان في الرعب والحرية
صدر الكتاب سنة 1988، ويحمل عنواناً فرعياً لافتاً: "هديان في الرعب والحرية". الماغوط اختار هذه الثنائية المتناقضة ليعبر عن حال المواطن العربي.
العنوان في حد ذاته كان صدمة لم يسبقه إليها أحد. "سأخون وطني" (في صيغة المستقبل) جعل الكثيرين يقتنون الكتاب حتى حين كان ممنوعاً. لكن، هل خان الماغوط وطنه فعلاً؟ الحقيقة أن الكتاب عبارة عن 500 صفحة من المقالات والقصص التي جمعها الماغوط، يحلل فيها واقع الأمة العربية تحت وطأة "الرعب" (قمع الأنظمة) وتوقها لـ "الحرية".
العنوان في حد ذاته كان صدمة لم يسبقه إليها أحد. "سأخون وطني" (في صيغة المستقبل) جعل الكثيرين يقتنون الكتاب حتى حين كان ممنوعاً. لكن، هل خان الماغوط وطنه فعلاً؟ الحقيقة أن الكتاب عبارة عن 500 صفحة من المقالات والقصص التي جمعها الماغوط، يحلل فيها واقع الأمة العربية تحت وطأة "الرعب" (قمع الأنظمة) وتوقها لـ "الحرية".
كيف نجا الماغوط من المساءلة في سوريا؟
تساءل الكثيرون: كيف لكاتب سوري في الثمانينات، في ظل نظام "حزب البعث" الصارم، أن يكتب كتاباً بهذا العنوان وينشره؟ هرب الماغوط من المساءلة بذكاء عبر ثلاثة محاور:
تعميم النقد: كان ينتقد الأنظمة العربية ككل دون تسمية النظام السوري مباشرة، فاعتبره النظام "نقداً للجيران" وليس له.
قضية فلسطين وإسرائيل: كان دائماً يربط انعدام الديمقراطية بوجود الاحتلال، محملاً الاستعمار القديم (الفرنسي والبريطاني) والاحتلال الإسرائيلي مسؤولية النكسات العربية.
تحميل المسؤولية للشعوب: كان يسخر من الشعوب نفسها بأسلوب مضحك.
نقد الشعوب والفن "الملتزم"
في الكتاب، يسخر الماغوط من الشعوب "المستسلمة" التي تقضي وقتها في المقاهي وحل الكلمات المتقاطعة بينما الأوطان تضيع. يرى أن هذه الشعوب مشغولة عن أولوياتها بـ "ملاهي" الحياة اليومية.كما تطرق لموضوع "الفن الملتزم". الماغوط يرى أننا محتاجون للضحك والسخرية من أوضاعنا البئيسة، مثلما يفعل الشعب المصري "خفيف الظل". شخصياً، أتفق معه في فكرة أنه لا يوجد "مسرح جاد" أو "مسرح ملتزم"، بل يوجد "فن عظيم" أو "فن رديء". العمل العظيم هو الذي يمتلك إخراجاً، تمثيلاً، وإضاءة متقنة، بغض النظر عن "التزامه" بشعار معين.
السخرية من الموت: "كاسك يا وطن"
الماغوط هو مؤلف المسرحية الشهيرة "كاسك يا وطن" التي جسدها الفنان دريد لحام. استخدم فيها وبكتابه أسلوباً عبقرياً: محاورة الموتى.في الكتاب، يحكي قصة شخص في "الآخرة" يتصل بزوجته هاتفياً ليسألها عن أحوال الأمة:
يسألها عن البترول، فتجيبه: "اكتشفناه والحمد لله مابقاش الفقر".
يسألها عن الفلاحة، فتجيبه: "الغلة موجودة لدرجة أننا خايفين عليك من السكر".
وعندما يصل للسؤال عن فلسطين والقدس، تتهرب من الإجابة بدعوى أن "الخط ينقطع".
هذا الأسلوب الساخر هو وسيلة الماغوط ليقول إن الأمة أصبحت "مستباحة" بأسلوب يمزج بين الضحك والبكاء.
الوضع العربي الحالي، وما نراه من تقسيم في السودان، اليمن، ليبيا، والآن ما يحدث في لبنان، هو واقع محزن وبائس. الماغوط كان يقول دائماً إن ما أمرضه ليس التدخين أو العادات السيئة، بل "أوضاع الوطن العربي".
كتاب "سأخون وطني" كتاب ممتع، سيجعلك تضحك من قلبك رغم المرارة. اقرأوا الماغوط لتفهموا الواقع بريشة كوميدية سوداء، ولكن.. إياكم وخيانه الأوطان، فحب الوطن من الإيمان.





