بنك "سياش" (CIH Bank): القصة الكاملة للبنك الرسمي للشباب في المغرب
تيرفي نت
رغم وجود أكثر من 15 مؤسسة بانكية حالياً في المغرب، إلا أن السؤال حول "أي بنك سأختار؟" لم يعد مطروحاً لدى الغالبية الساحقة من الشباب المغربي تحت سن الثلاثين؛ فالجواب دائماً هو: بنك سياش (CIH Bank).
كمستهلك، قد يبدو لك الأمر طبيعياً، ولكن من وجهة نظر تسويقية، نحن بصدد إنجاز ضخم يستحق الدراسة. كيف تمكن بنك في بلد نامٍ مثل المغرب حيث يمثل الشباب تحت سن الثلاثين أكثر من 60% من ساكنته أن يستقطب هذه الفئة بالكامل، رغم وجود منافسين عمالقة مدعومين بشركات وصناديق استثمارية كبرى؟
لقد استطاع البنك الإنصات للشباب وتلبية احتياجاتهم بشكل مستمر عبر خطوات استباقية، منها:
تبسيط فتح الحسابات: أصبحت عملية فتح الحساب سهلة ومتاحة للجميع، لدرجة أن الشاب المغربي بمجرد بلوغه سن الـ18 يتوجه مباشرة للوكالة لفتح حسابه الأول.
البطاقة الدولية المجانية: مكنت الشباب من الشراء عبر الإنترنت بكل سهولة، مما رفع حجم المعاملات الإلكترونية للمغاربة لتتجاوز ملياري درهم سنوياً.
دعم العمل الحر (Freelance): استجابةً للشباب الذين يشتغلون عبر الإنترنت، أطلق البنك بطاقة "E-shopping" التي يمكن ربطها بحساب "بايبال" (PayPal) لسحب الأموال.
الدفع عبر الهاتف: كان البنك سباقاً في إدخال تقنيات "Apple Pay" و"Google Pay" للمغرب، تماماً كما هو الحال في أوروبا وأمريكا.
التواصل العصري: التفاعل مع العملاء عبر "تيك توك" ومنصات التواصل الاجتماعي باستخدام "الميمز" (Memes) والتوجهات (Trends)، وهي لغة تواصل لم تجرؤ أي شركة مغربية أخرى على تبنيها بهذا الشكل.
الجواب يكمن في فهم تحول فكر الشركات من "الربح المادي الفوري" إلى "النمو واكتساح الأسواق". لفهم ذلك، يجب العودة لسياسة جيف بيزوس (مؤسس أمازون). في بدايات أمازون، كانت قيمة الشركة تقدر بالمليارات لكنها لم تكن تحقق درهماً واحداً كربح، بل كانت تسجل خسائر سنوية.
هذه السياسة التي اتبعتها شركات مثل (أوبر، جوميا، غلوفو، تسلا، وسبوتيفاي) هي التي طبقها بنك "سياش". اتخذ البنك قراراً جريئاً في قطاع تنافسي: "سأستثمر في العميل الآن، ولن أربح منه شيئاً لمدة 10 سنوات، لكنني أراهن على وفائه مدى الحياة". هؤلاء الشباب حين يكبرون، ستزيد إيداعاتهم، وسيطلبون قروضاً وخدمات بنكية مدفوعة، وحينها ستبدأ الأرباح الحقيقية.
عام 1980: تحول إلى بنك عادي متاح للعموم، لكنه عانى من منافسة شرسة؛ فالبنك الشعبي كان يسيطر على موظفي الدولة، وبقية البنوك تتقاسم سوقاً صغيراً جداً.
فترة الركود: ظل البنك لأكثر من 30 عاماً دون هوية واضحة، وكان قريباً من الإفلاس في عدة مناسبات بين 1980 و2004.
نقطة التحول (2005): انتبه المديرون إلى "بصيرة" (Insight) مهمة: أغلب المغاربة والشباب تحديداً لا يملكون حسابات بنكية. ومن هنا قرر البنك تحويل هذا العائق إلى فرصة عبر استهداف فئة تمثل 60% من المجتمع لم يلتفت إليها أحد.
عام 2014: الثورة الرقمية و "كود 30"
مع غزو وسائل التواصل الاجتماعي للمغرب (فيسبوك، واتساب، إنستغرام)، استثمر البنك في دراسة السوق للإجابة على سؤال: **لماذا لا يفتح الشباب حسابات بنكية؟
كانت الإجابة هي: التكلفة العالية للمصاريف البنكية.
هنا اتخذ البنك قرارات ثورية:
1. إعادة العلامة التجارية (Rebranding): تغيير الشعار والألوان والاسم إلى "CIH Bank" للتأكيد على أنه بنك شامل وليس فقط للعقار.
2. عرض "كود 30" (Code 30): حساب بنكي مجاني تماماً مع بطاقة دولية مجانية. ضرب البنك بهذا العرض "عصفورين بحجر واحد": استقطاب الشباب، وتعزيز ثقافة الشراء من الإنترنت التي تجذب المزيد من المستخدمين الجدد.
في المستويات العليا من الهرم، نجد "الحاجة للتقدير" (Esteem Needs)؛ أي رغبة الإنسان في الشعور بالتميز والاختلاف.
لعب بنك "سياش" بذكاء على مفهوم "الفليكس" (Flexing):
* في 2014، كان الشراء من الإنترنت بمثابة "فليكس" أو تميز أمام الأصدقاء.
* عندما أصبح الشراء عادياً، وفر البنك تطبيقاً هاتفياً متطوراً ينجز العمليات مجاناً وبسرعة.
* ثم جاءت تقنيات "Apple Pay" لتمنح الشاب شعوراً بالتميز عبر الدفع بالهاتف فقط.
كل خدمة يطلقها البنك لا تهدف فقط للوظيفة التقنية، بل لتعزيز شعور الانتماء والتميز لدى الشاب المغربي.
يبقى السؤال الأهم الذي ستجيب عنه السنوات القادمة: هل سينجح الرهان في تحويل هذا النمو والوفاء الشبابي إلى أرباح مالية ضخمة للبنك عندما يكبر هؤلاء الشباب وتزداد متطلباتهم المالية؟
كمستهلك، قد يبدو لك الأمر طبيعياً، ولكن من وجهة نظر تسويقية، نحن بصدد إنجاز ضخم يستحق الدراسة. كيف تمكن بنك في بلد نامٍ مثل المغرب حيث يمثل الشباب تحت سن الثلاثين أكثر من 60% من ساكنته أن يستقطب هذه الفئة بالكامل، رغم وجود منافسين عمالقة مدعومين بشركات وصناديق استثمارية كبرى؟
سر النجاح: التموضع الذكي في عالم "الرقمنة"
لم يكتفِ بنك "سياش" بوضع نفسه كبنك رسمي للشباب فحسب، بل نجح في مجالٍ كانت أغلب مراكز القرار فيه تُدار من قبل عقليات كلاسيكية محدودة المعرفة بالعالم الرقمي.لقد استطاع البنك الإنصات للشباب وتلبية احتياجاتهم بشكل مستمر عبر خطوات استباقية، منها:
تبسيط فتح الحسابات: أصبحت عملية فتح الحساب سهلة ومتاحة للجميع، لدرجة أن الشاب المغربي بمجرد بلوغه سن الـ18 يتوجه مباشرة للوكالة لفتح حسابه الأول.
البطاقة الدولية المجانية: مكنت الشباب من الشراء عبر الإنترنت بكل سهولة، مما رفع حجم المعاملات الإلكترونية للمغاربة لتتجاوز ملياري درهم سنوياً.
دعم العمل الحر (Freelance): استجابةً للشباب الذين يشتغلون عبر الإنترنت، أطلق البنك بطاقة "E-shopping" التي يمكن ربطها بحساب "بايبال" (PayPal) لسحب الأموال.
الدفع عبر الهاتف: كان البنك سباقاً في إدخال تقنيات "Apple Pay" و"Google Pay" للمغرب، تماماً كما هو الحال في أوروبا وأمريكا.
التواصل العصري: التفاعل مع العملاء عبر "تيك توك" ومنصات التواصل الاجتماعي باستخدام "الميمز" (Memes) والتوجهات (Trends)، وهي لغة تواصل لم تجرؤ أي شركة مغربية أخرى على تبنيها بهذا الشكل.
فلسفة النمو قبل الربح: عقلية الشركات الناشئة (Startups)
السؤال الحقيقي هنا هو: ماذا يربح "سياش" من شباب لا يدفعون رسوماً ولا يحقق منهم البنك أرباحا مباشرة حالياً؟الجواب يكمن في فهم تحول فكر الشركات من "الربح المادي الفوري" إلى "النمو واكتساح الأسواق". لفهم ذلك، يجب العودة لسياسة جيف بيزوس (مؤسس أمازون). في بدايات أمازون، كانت قيمة الشركة تقدر بالمليارات لكنها لم تكن تحقق درهماً واحداً كربح، بل كانت تسجل خسائر سنوية.
هذه السياسة التي اتبعتها شركات مثل (أوبر، جوميا، غلوفو، تسلا، وسبوتيفاي) هي التي طبقها بنك "سياش". اتخذ البنك قراراً جريئاً في قطاع تنافسي: "سأستثمر في العميل الآن، ولن أربح منه شيئاً لمدة 10 سنوات، لكنني أراهن على وفائه مدى الحياة". هؤلاء الشباب حين يكبرون، ستزيد إيداعاتهم، وسيطلبون قروضاً وخدمات بنكية مدفوعة، وحينها ستبدأ الأرباح الحقيقية.
رحلة التحول: من مؤسسة حكومية "جامدة" إلى بنك "رقمي"
تأسس "سياش" عام 1920 كمؤسسة حكومية متخصصة فقط في القروض العقارية (Crédit Immobilier et Hôtelier).عام 1980: تحول إلى بنك عادي متاح للعموم، لكنه عانى من منافسة شرسة؛ فالبنك الشعبي كان يسيطر على موظفي الدولة، وبقية البنوك تتقاسم سوقاً صغيراً جداً.
فترة الركود: ظل البنك لأكثر من 30 عاماً دون هوية واضحة، وكان قريباً من الإفلاس في عدة مناسبات بين 1980 و2004.
نقطة التحول (2005): انتبه المديرون إلى "بصيرة" (Insight) مهمة: أغلب المغاربة والشباب تحديداً لا يملكون حسابات بنكية. ومن هنا قرر البنك تحويل هذا العائق إلى فرصة عبر استهداف فئة تمثل 60% من المجتمع لم يلتفت إليها أحد.
عام 2014: الثورة الرقمية و "كود 30"
مع غزو وسائل التواصل الاجتماعي للمغرب (فيسبوك، واتساب، إنستغرام)، استثمر البنك في دراسة السوق للإجابة على سؤال: **لماذا لا يفتح الشباب حسابات بنكية؟
كانت الإجابة هي: التكلفة العالية للمصاريف البنكية.
هنا اتخذ البنك قرارات ثورية:
1. إعادة العلامة التجارية (Rebranding): تغيير الشعار والألوان والاسم إلى "CIH Bank" للتأكيد على أنه بنك شامل وليس فقط للعقار.
2. عرض "كود 30" (Code 30): حساب بنكي مجاني تماماً مع بطاقة دولية مجانية. ضرب البنك بهذا العرض "عصفورين بحجر واحد": استقطاب الشباب، وتعزيز ثقافة الشراء من الإنترنت التي تجذب المزيد من المستخدمين الجدد.
"سياش" وهرم ماسلو للاحتياجات
يعتمد نجاح البنك أيضاً على فهمه العميق لعلم النفس، وتحديداً ما يسمى بـ "هرم ماسلو للاحتياجات".في المستويات العليا من الهرم، نجد "الحاجة للتقدير" (Esteem Needs)؛ أي رغبة الإنسان في الشعور بالتميز والاختلاف.
لعب بنك "سياش" بذكاء على مفهوم "الفليكس" (Flexing):
* في 2014، كان الشراء من الإنترنت بمثابة "فليكس" أو تميز أمام الأصدقاء.
* عندما أصبح الشراء عادياً، وفر البنك تطبيقاً هاتفياً متطوراً ينجز العمليات مجاناً وبسرعة.
* ثم جاءت تقنيات "Apple Pay" لتمنح الشاب شعوراً بالتميز عبر الدفع بالهاتف فقط.
كل خدمة يطلقها البنك لا تهدف فقط للوظيفة التقنية، بل لتعزيز شعور الانتماء والتميز لدى الشاب المغربي.
الرهان على المستقبل
إن رهان بنك "سياش" على الشباب في أحد أصعب الأسواق الاقتصادية يبدو ناجحاً جداً حتى الآن، وهو ما يظهر في التطور السنوي لعدد العملاء. واليوم، لم يعد الشاب المغربي يفكر مرتين قبل اختيار بنكه الأول.يبقى السؤال الأهم الذي ستجيب عنه السنوات القادمة: هل سينجح الرهان في تحويل هذا النمو والوفاء الشبابي إلى أرباح مالية ضخمة للبنك عندما يكبر هؤلاء الشباب وتزداد متطلباتهم المالية؟





