الأولياء الصالحين في تاريخ المغرب: بين الكرامات الخارقة والسياقات التاريخية
في عام 2015، ضجت الصحافة المغربية بأخبار حول شيخ زاوية في مدينة طنجة يُدعى "الشيخ الصمدي". كانت التقارير حينها تُتداول بنبرة ساخرة غالباً، مفادها أن هذا الشيخ ادعى امتلاكه "كرامة" تمكنه من قطع المسافة بين طنجة والدار البيضاء في دقائق معدودة (ما يعرف في الأدبيات الصوفية بـ "طي الأرض"). ورغم خروجه لاحقاً في حوارات متعددة لنفي هذا الأمر، إلا أن المتأمل في تصريحاته سيجد أنه لم يكن ينفي وجود الكرامة كمبدأ غيبي، بل كان ينفي حصولها له شخصياً في تلك الواقعة.
هذا الجدل يعيدنا إلى جوهر الذاكرة المغربية؛ حيث كُتبت مئات "كتب المناقب" التي شهدت بكرامات خارقة لمن اعتبرتهم الذاكرة الجماعية "أولياء الله".
إذا تصفحنا كتاب "أنس الفقير" لابن قنفذ القسطنطيني، سنجد أن "أبا شعيب أيوب الصنهاجي" (المعروف بمولاي بوشعيب الرداد في أزمور) كان يقطع المسافة بين أغمات وأزمو وهي نحو 250 ك في لحظة واحدة. ولم يقف ابن قنفذ عند هذا الحد، بل أكد أن أبا شعيب كان "يطير" في الهواء، وأن الولي الصالح "أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري" كان يمشي ويصلي فوق مياه البحر.
قد يبدو هذا الكلام خيالياً أو مرتبطاً بمراحل الأزمات، وهو ما يتفق معه الباحث أحمد بوشرب في كتابه "مغاربة البرتغال"؛ حيث يرى أن نفوذ الأولياء ورجال التصوف تعاظم في الفترات التي سقطت فيها هيبة الدولة، خاصة أواخر القرن الخامس عشر. كما يؤكد إبراهيم بوتشيش في كتابه "المغرب والأندلس في عصر المرابطين" أن التصوف يترسخ إبان الأزمات، وظهور الكرامات هو رد فعل اجتماعي ضد استفحالها، معتبراً الكرامة تعبيراً أدبياً يحقق فيه المريد عبر شيخه ما عجز عن تحقيقه في الواقع المأزوم.
لنتعمق قليلاً؛ ابن كثير في "البداية والنهاية" يروي أول كرامة رُويت في المغرب الكبير لشخصية بعيدة عن التصوف التقليدي، وهي قصة عقبة بن نافع عند بناء القيروان، حين خاطب الحيوانات والوحوش وأمرها بإخلاء المكان فاستجابت له.
وفي بحث ترجمه مصطفى بن سباع للباحث "فيرو مارال"، نجد أن فقهاء المالكي أمثال القاضي عياض وابن رشد الجد لم يكونوا يعارضون الكرامة ما لم يصاحبها غلو. بل إن الفقيه الونشريسي عرّفها في كتابه "المعيار" بأنها "كل فعل خارق جرى على يد من ظهر صلاحه في دينه".
لكن السؤال يبقى: متى نعتبر الكرامة غلواً؟ خاصة حين يروي "ابن الزيات" أن أشجار النخل شاركت في جنازة "إبراهيم الجرزي" بمراكش، أو حين يُحكى عن تحويل التراب إلى نحل كما نُسب للشيخ **محمد الزيتوني**، أو إلى ذهب كما نُسب لـ أبي حفص بن عمر الدغوغي.
تعددت الآراء في أصل كلمة "تصوف"؛ بين من نسبها لـ "الصوف" تقشفاً، أو لـ "الصفاء"، أو لـ "أهل الصفة". وقد عرّفه الجنيد البغدادي بقوله: "أن يُميتك الحق عنك ويحييك به"، بينما قال الكتاني: "التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء". أما التعريف الأكثر إدهاشاً فهو لـ سمنون بن حمزة: "أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء"، وهي عبارة تتقاطع روحياً مع الفلسفة المعاصرة التي ترى أن "الأشياء التي تملكها ينتهي بها الأمر بأن تملكك".
يرجع ابن خلدون بداية التصوف إلى حالة الثراء التي عرفها المسلمون بعد التوسعات، مما دفع البعض للزهد والانقطاع للعبادة كتيار مضاد للانغماس في الملذات. وانتقلت هذه الأفكار من المشرق إلى المغرب عبر قوافل الحج والرحلات العلمية، حاملةً مؤلفات الغزالي والجنيد، لتظهر شخصيات كبرى مثل صالح بن حرزهم و أبي مدين الغوث.
في العصر المريني، نشأت "الزاوية" كمؤسسة منظمة. يرى محمد الضريف أن الزاوية ظهرت كرد فعل على التحولات الاجتماعية في القرن الخامس عشر. فبينما كان السلطان المريني "أبو يوسف يعقوب" يعتبرها مكاناً لاستقبال الغرباء، حولها السلطان "أبو عنان" إلى مؤسسة لإطعام المساكين، مما جعلها تستقطب المريدين والفقراء بشكل دائم.
ويضيف الباحث رشيد اليلولي أن الحكم المريني، لافتقاره للشرعية الدينية أو الجهادية القوية، حاول مواجهة النفوذ الصوفي المتصاعد بدعم "الشرفاء" (النسب الإدريسي) لحرمان المتصوفة من سند أيديولوجي مهم، فجعل عيد المولد النبوي عيداً رسمياً ووسع دائرة الامتيازات للشرفاء.
مع سقوط الدولة المرينية وعجز الوطاسيين عن حماية السواحل من البرتغاليين، اعتقد الإنسان المغربي أن هذه المصائب "عقاب إلهي"، فبحث عن حماية لدى رجال التصوف. هنا تعززت مكانة الولي، سواء بصلاحه أو بنسبه أو حتى "بجذبه".
تحول الولي من شخص زاهد فرد إلى "زاوية" تضم الآلاف، كما حدث في العصر السعدي. ويشير أحمد التوفيق في بحثه "صلحاء وسلاطين" إلى أن رجال التصوف في العهد العلوي انقسموا بين "مجاذيب" لا أثر مادي لهم، و"زعماء" يحركون الجموع، مما جعل السلاطين يتعاملون معهم بحذر يراوح بين الاستمالة، التحيد، أو الصدام.
إن التصوف الذي بدأ كحالة اعتزال واحتجاج على فساد المجتمع، تحول مع مرور الزمن إلى "طقس" قائم بذاته. واستغلت القوى السياسية والاجتماعية ذلك "الزاهد" الذي هرب منها في البداية، لتحوله إلى "رمز" يُستثمر نسبه كتجارة أو ورقة رابحة في موازين القوى. انتقل مفهوم الولاية من "الصفاء الروحي" الفردي إلى "الاستقطاب المؤسساتي"، ليصبح الوليّ جزءاً من نسيج السلطة والمجتمع الذي حاول يوماً الانعزال عنه.
هذا الجدل يعيدنا إلى جوهر الذاكرة المغربية؛ حيث كُتبت مئات "كتب المناقب" التي شهدت بكرامات خارقة لمن اعتبرتهم الذاكرة الجماعية "أولياء الله".
الكرامات في كتب المناقب: خيال أم واقع موازٍ؟
إذا تصفحنا كتاب "أنس الفقير" لابن قنفذ القسطنطيني، سنجد أن "أبا شعيب أيوب الصنهاجي" (المعروف بمولاي بوشعيب الرداد في أزمور) كان يقطع المسافة بين أغمات وأزمو وهي نحو 250 ك في لحظة واحدة. ولم يقف ابن قنفذ عند هذا الحد، بل أكد أن أبا شعيب كان "يطير" في الهواء، وأن الولي الصالح "أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري" كان يمشي ويصلي فوق مياه البحر.
قد يبدو هذا الكلام خيالياً أو مرتبطاً بمراحل الأزمات، وهو ما يتفق معه الباحث أحمد بوشرب في كتابه "مغاربة البرتغال"؛ حيث يرى أن نفوذ الأولياء ورجال التصوف تعاظم في الفترات التي سقطت فيها هيبة الدولة، خاصة أواخر القرن الخامس عشر. كما يؤكد إبراهيم بوتشيش في كتابه "المغرب والأندلس في عصر المرابطين" أن التصوف يترسخ إبان الأزمات، وظهور الكرامات هو رد فعل اجتماعي ضد استفحالها، معتبراً الكرامة تعبيراً أدبياً يحقق فيه المريد عبر شيخه ما عجز عن تحقيقه في الواقع المأزوم.
موقف الفقهاء والشرع من "الخوارق"
لنتعمق قليلاً؛ ابن كثير في "البداية والنهاية" يروي أول كرامة رُويت في المغرب الكبير لشخصية بعيدة عن التصوف التقليدي، وهي قصة عقبة بن نافع عند بناء القيروان، حين خاطب الحيوانات والوحوش وأمرها بإخلاء المكان فاستجابت له.
وفي بحث ترجمه مصطفى بن سباع للباحث "فيرو مارال"، نجد أن فقهاء المالكي أمثال القاضي عياض وابن رشد الجد لم يكونوا يعارضون الكرامة ما لم يصاحبها غلو. بل إن الفقيه الونشريسي عرّفها في كتابه "المعيار" بأنها "كل فعل خارق جرى على يد من ظهر صلاحه في دينه".
لكن السؤال يبقى: متى نعتبر الكرامة غلواً؟ خاصة حين يروي "ابن الزيات" أن أشجار النخل شاركت في جنازة "إبراهيم الجرزي" بمراكش، أو حين يُحكى عن تحويل التراب إلى نحل كما نُسب للشيخ **محمد الزيتوني**، أو إلى ذهب كما نُسب لـ أبي حفص بن عمر الدغوغي.
مفهوم التصوف وسياق النشأة التاريخية
تعددت الآراء في أصل كلمة "تصوف"؛ بين من نسبها لـ "الصوف" تقشفاً، أو لـ "الصفاء"، أو لـ "أهل الصفة". وقد عرّفه الجنيد البغدادي بقوله: "أن يُميتك الحق عنك ويحييك به"، بينما قال الكتاني: "التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء". أما التعريف الأكثر إدهاشاً فهو لـ سمنون بن حمزة: "أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء"، وهي عبارة تتقاطع روحياً مع الفلسفة المعاصرة التي ترى أن "الأشياء التي تملكها ينتهي بها الأمر بأن تملكك".
يرجع ابن خلدون بداية التصوف إلى حالة الثراء التي عرفها المسلمون بعد التوسعات، مما دفع البعض للزهد والانقطاع للعبادة كتيار مضاد للانغماس في الملذات. وانتقلت هذه الأفكار من المشرق إلى المغرب عبر قوافل الحج والرحلات العلمية، حاملةً مؤلفات الغزالي والجنيد، لتظهر شخصيات كبرى مثل صالح بن حرزهم و أبي مدين الغوث.
تحول الولاية من "الزهد" إلى "المؤسسة
في العصر المريني، نشأت "الزاوية" كمؤسسة منظمة. يرى محمد الضريف أن الزاوية ظهرت كرد فعل على التحولات الاجتماعية في القرن الخامس عشر. فبينما كان السلطان المريني "أبو يوسف يعقوب" يعتبرها مكاناً لاستقبال الغرباء، حولها السلطان "أبو عنان" إلى مؤسسة لإطعام المساكين، مما جعلها تستقطب المريدين والفقراء بشكل دائم.
ويضيف الباحث رشيد اليلولي أن الحكم المريني، لافتقاره للشرعية الدينية أو الجهادية القوية، حاول مواجهة النفوذ الصوفي المتصاعد بدعم "الشرفاء" (النسب الإدريسي) لحرمان المتصوفة من سند أيديولوجي مهم، فجعل عيد المولد النبوي عيداً رسمياً ووسع دائرة الامتيازات للشرفاء.
من الروحانية إلى التوازنات السياسية
مع سقوط الدولة المرينية وعجز الوطاسيين عن حماية السواحل من البرتغاليين، اعتقد الإنسان المغربي أن هذه المصائب "عقاب إلهي"، فبحث عن حماية لدى رجال التصوف. هنا تعززت مكانة الولي، سواء بصلاحه أو بنسبه أو حتى "بجذبه".
تحول الولي من شخص زاهد فرد إلى "زاوية" تضم الآلاف، كما حدث في العصر السعدي. ويشير أحمد التوفيق في بحثه "صلحاء وسلاطين" إلى أن رجال التصوف في العهد العلوي انقسموا بين "مجاذيب" لا أثر مادي لهم، و"زعماء" يحركون الجموع، مما جعل السلاطين يتعاملون معهم بحذر يراوح بين الاستمالة، التحيد، أو الصدام.
إن التصوف الذي بدأ كحالة اعتزال واحتجاج على فساد المجتمع، تحول مع مرور الزمن إلى "طقس" قائم بذاته. واستغلت القوى السياسية والاجتماعية ذلك "الزاهد" الذي هرب منها في البداية، لتحوله إلى "رمز" يُستثمر نسبه كتجارة أو ورقة رابحة في موازين القوى. انتقل مفهوم الولاية من "الصفاء الروحي" الفردي إلى "الاستقطاب المؤسساتي"، ليصبح الوليّ جزءاً من نسيج السلطة والمجتمع الذي حاول يوماً الانعزال عنه.





