مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 02): التعذيب بالسودانية
في هذه الحلقة الثانية من مذكرات الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر، ننتقل من جذوره العائلية في سوس ليضعنا في قلب العمل الوطني ومواجهة الاستعمار الفرنسي. يستعرض الراحل سياق ولادته ونشأته الذي تزامن مع تحولات كبرى في تاريخ المغرب، مبرزاً الانتقال من الكفاح المسلح في البوادي إلى بزوغ فجر النضال السياسي في المراكز الحضرية.
السياق التاريخي: مخاض التحول من السلاح إلى السياسة
يرى آيت إيدر ضرورة تأطير فترة طفولته بالوضع العام للمغرب، الذي كان يعيش آنذاك على إيقاع حدثين تاريخيين:1. استكمال الاحتلال: نجاح جيش الاستعمار الفرنسي في بسط سيطرته بعد سنوات من المقاومة الشرسة في الجبال والجنوب.
2. انبثاق الأنوية السياسية: بروز بديل للكفاح المسلح في مدن مثل فاس، مكناس، والرباط، إيذاناً بنهاية مرحلة المواجهة العسكرية في البوادي التي لم تحقق كامل أهداف الاستقلال بعد 20 سنة من الصمود.
ويعزو آيت إيدر فشل المرحلة الأولى من الكفاح المسلح (1912-1934) إلى التفوق العسكري المادي لقوى الاحتلال، والحصار المضروب على المقاومة، وتواضع الإمكانيات والوسائل السياسية حينها.
أثر معركة أنوال ونضوج الوعي الوطني
رغم الظروف الصعبة، استفادت النخبة الوطنية من تجارب المقاومة المسلحة، خاصة معركة أنوال بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. لقد عمقت هذه المعركة الحس الوطني وفتحت آفاقاً للتحرر وبناء دولة عصرية، رغم تحالف الاستعمارين الفرنسي والإسباني لإجهاضها خوفاً من انتقال شرارتها إلى باقي المناطق المحتلة.انطلق العمل السياسي من الظهير البربري وصولاً إلى كتلة العمل الوطني، حيث طالبت النخبة بفرنسا بالالتزام بالإصلاحات الواردة في وثيقة الحماية. إلا أن الرفض الفرنسي كشف النوايا الحقيقية المتمثلة في الاستغلال الاقتصادي وتحويل المغرب إلى سوق للمنتجات الغربية.
الانفراج السياسي ولقاء المختار السوسي
شهدت سنة 1946 انفراجاً سياسياً عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، بتعيين المقيم العام إيريك لابون، الذي انتهج سياسة انفتاح أدت للإفراج عن المعتقلين وعودة القادة من المنافي، ومن بينهم العلامة المختار السوسي الذي قضى سنوات نفيه في قرية إليغ في التأليف والتوثيق لتاريخ سوس.كان لهذا اللقاء أثر حاسم في حياة آيت إيدر؛ فقد اقترح عليه المختار السوسي الانتقال لمراكش لمتابعة دراسته، وهو ما وافق عليه والده وتكفل بمصاريفه، ليلتحق بمدرسة المختار السوسي في حي الرميلة بمراكش.
مدرسة الرميلة: محطة التكوين العلمي والسياسي
فتحت مدرسة المختار السوسي أبوابها لتعليم اللغة العربية والعلوم العصرية لطلبة الجنوب. يروي آيت إيدر كيف انتقل من الثقافة التقليدية والأمازيغية إلى ضبط اللغة العربية والآداب، مما مكنه وزملائه من اختصار سبع سنوات دراسية والالتحاق مباشرة بالسنة الرابعة ثانوي في كلية بن يوسف.في مراكش، انفتح وعي آيت إيدر على الحداثة (السينما، الجرائد، والمجلات)، وكانت النكبة الفلسطينية عام 1948 الشرارة التي دفعته لدخول معترك السياسة، لينضم إلى حزب الاستقلال.
التلقين السياسي على يد بن بركة وعبد الله إبراهيم
تلقى آيت إيدر تكويناً سياسياً عميقاً من خلال قادة الحزب، خاصة عبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة. ركزت دروسهم على:* حركات التحرر العالمية: في الهند، إندونيسيا، والمشرق العربي.
* تاريخ المغرب الحديث: تحليل محاولات السلطان الحسن الأول للتحديث ومقارنتها بالتجربة اليابانية، موضحين كيف أعاقت البنيات التقليدية المتخلفة والأطماع الاستعمارية مشروع النهضة المغربي.
انتفاضة الطلبة عام 1951 وتعذيب السودانية
بلغ العمل الطلابي ذروته عام 1951 عبر التنسيق بين طلبة ابن يوسف بمراكش وجامعة القرويين بفاس. ورداً على قمع طلبة فاس، خاض طلبة مراكش إضراباً عاماً، مما دفع سلطات الاحتلال والباشا التهامي الكلاوي لاستعمال وسائل قمع وحشية:* جلد الطلبة: (نحو 200 جلدة).
* تعذيب السودانية: حك الفلفل الحار (السودانية) على أفواه المناضلين، وكان من ضحاياها الفقيه البصري وعبد السلام الجبلي.
نجا آيت إيدر من الاعتقال في البداية لكونه ضمن القيادة الخلفية، لكنه انخرط لاحقاً في المواجهة المباشرة مع عملاء الاستعمار، مما جعله مطارداً.
اللقاء بالملك محمد الخامس والمنفى في تين منصور
سافر آيت إيدر ضمن وفد طلابي للرباط للقاء السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) وولي عهده الحسن الثاني، لإطلاعهم على القمع الذي يتعرض له الطلبة. تدخل السلطان حينها لإعادة امتحانات البكالوريا للطلبة الذين رسبوا انتقاماً من مواقفهم، وكان آيت إيدر من بين الناجحين.في مارس 1952، تم اعتقال آيت إيدر ونفيه إلى مسقط رأسه في شتوكة آيت باها، وفرضت عليه الإقامة الجبرية. ورغم الرقابة، استغل وجوده هناك لتأسيس أولى خلايا حزب الاستقلال في المنطقة، وتجذير الوعي السياسي بين القبائل، وصولاً إلى الاحتفال بـ العيد الفضي لجلوس السلطان على العرش في نوفمبر 1952، والذي كان بمثابة تحدٍ صارخ لسلطات الحماية.
خلاصة:
لقد أفرزت هذه المرحلة نخبة سياسية شابة ارتبطت عضوياً بالقواعد الشعبية، وهي النخبة التي ستشكل لاحقاً عماد المقاومة المسلحة بعد نفي السلطان في 20 غشت 1953 واغتيال الزعيم فرحات حشاد، لتبدأ فصلاً جديداً من فصول التحرير.
ترقبوا في الحلقة القادمة: تفاصيل العمل الفدائي وانطلاق شرارة المقاومة المسلحة.





