مجموعة أمارك.. من خلوة أنشاد إلى صخب الرباط
بقلم: محمد وادي
تُعد تجربة مجموعة "أمود" و"أمارك" واحدة من أعمق المحطات في تاريخ الموسيقى الأمازيغية الحديثة، حيث امتزج فيها الاغتراب بالابداع، والوفاء بالذاكرة. في هذا المقال، نسرد تفاصيل هذه الرحلة من أزقة حي "أحشاش" بأكادير وصولاً إلى مختبرات الإبداع في العاصمة الرباط.
في منتصف شهر غشت من سنة 1978، وبينما كانت شمس أكادير تصبُّ حرارتها على أزقة حي "أحشاش" العريق، كان هناك منزلٌ يغلي بمخاضٍ فنيٍّ فريد. في منزل عمّ المرحوم سعيد الغازي، اجتمعت ثلة من الشباب المسكونين بهاجس "أمارك": الحسين عاموم، سعيد بوتروفين، سعيد الغازي، ومبارك سينا، ومبارك ألوكاس، ورفاقهم من مجموعة "أمود".
لم يكن لقاؤهم مجرد استجمام، بل كان امتداداً لحياة مشتركة في شقة مكرية بمدينة الرباط، حيث كان يتقاسم الطالب والموظف والفنان "الحلوة والمرة". في تمام الثانية زوالاً، وسط صمتٍ قطعه التعب، تنهّد أحدهم قائلاً: «نكًا أغريب غيلي غ أغ ؤر ئسّن يان». لكن، وفي لحظة تجلٍّ فلسفية، جاء الردُّ من رفيق دربه مصححاً: «لا.. نكًا أغريب غيلي غ أغ ئسّن كويان».
كانت هذه العبارة هي الشرارة؛ فالاغتراب الحقيقي ليس في مجهولية المكان، بل في "الوحشة" وسط الأهل. ومن هذا التصحيح، وُلد مطلع قصيدة "أكًايوار"؛ هذا الطائر (الغراب) الذي اتخذه هؤلاء الشباب رمزاً وشؤماً يحلُّ على الأطلال والخراب، في استعارة بليغة لما آل إليه حال القيم واللمة الإنسانية.
صاغ الحاضرون الكلمات بأسلوب تشاركي، وصهرها الحسين عاموم بلكنته "الإنشادية" الرزينة. ورغم أن المجموعة مارست رقابة ذاتية على بعض الأبيات "المشوكة" تفادياً للمشاكل، إلا أن النص ظل قوياً بصراحته. غير أن هذه التجربة واجهت خيبة أمل مريرة بعد ضياع المردود المادي والمعنوي للتسجيل الأول، مما جعلها تجربة غير مثمرة تقنياً، لكنها ظلت خالدة وجدانيًا.
إذا كانت محطة "أحشاش" بأكادير قد شهدت نضج أفكار مجموعة "أمود" وتبلور رؤيتها الفنية، فإن العنوان "رقم 14، ج 3" (J3 N°14) بحي يعقوب المنصور بالرباط، ظل يمثل المختبر الروحي الأول. لم يكن مجرد سكنٍ مكترى لشبان سوسيين يتابعون دراستهم وعملهم في العاصمة، بل كان "برزخاً" فنياً التقت فيه حكمة "الروايس" بآفاق الحداثة الموسيقية.
في هذا الفضاء الرباطي، تلاشت المسافات بين الأجيال؛ ففي الوقت الذي كان فيه سعيد بيجعاض*ينسج أنغام الكمان الرفيعة بالجوق الوطني، وسعيد بوتروفين يدبر انشغالاته الإدارية، كان الحسين عاموم يحمل في جعبته "جينات" جده بوبكر أنشاد، محاولاً صهرها في قوالب جديدة.
ويُحكى عن خفة دم المرحوم عبد اللطيف اخصاصي (روبيو)، أنه حين سُئل يوماً عن سر انقطاعه عن أكادير، أجاب باختصار بليغ: *«كنا في رقم 14، جي 3»*؛ وكأن هذا العنوان هو "الوطن البديل". هذه البيئة هي التي أثمرت لاحقاً درة "أمارك"، التي انتزعت الجائزة الثانية في المهرجان الوطني الثاني للأغنية الحديثة سنة 1987.
تُعد تجربة مجموعة "أمود" و"أمارك" واحدة من أعمق المحطات في تاريخ الموسيقى الأمازيغية الحديثة، حيث امتزج فيها الاغتراب بالابداع، والوفاء بالذاكرة. في هذا المقال، نسرد تفاصيل هذه الرحلة من أزقة حي "أحشاش" بأكادير وصولاً إلى مختبرات الإبداع في العاصمة الرباط.
1. أحشاش / أكادير 1978: الصرخة التي ولدت من تنهيدة "أمود"
في منتصف شهر غشت من سنة 1978، وبينما كانت شمس أكادير تصبُّ حرارتها على أزقة حي "أحشاش" العريق، كان هناك منزلٌ يغلي بمخاضٍ فنيٍّ فريد. في منزل عمّ المرحوم سعيد الغازي، اجتمعت ثلة من الشباب المسكونين بهاجس "أمارك": الحسين عاموم، سعيد بوتروفين، سعيد الغازي، ومبارك سينا، ومبارك ألوكاس، ورفاقهم من مجموعة "أمود".
لم يكن لقاؤهم مجرد استجمام، بل كان امتداداً لحياة مشتركة في شقة مكرية بمدينة الرباط، حيث كان يتقاسم الطالب والموظف والفنان "الحلوة والمرة". في تمام الثانية زوالاً، وسط صمتٍ قطعه التعب، تنهّد أحدهم قائلاً: «نكًا أغريب غيلي غ أغ ؤر ئسّن يان». لكن، وفي لحظة تجلٍّ فلسفية، جاء الردُّ من رفيق دربه مصححاً: «لا.. نكًا أغريب غيلي غ أغ ئسّن كويان».
كانت هذه العبارة هي الشرارة؛ فالاغتراب الحقيقي ليس في مجهولية المكان، بل في "الوحشة" وسط الأهل. ومن هذا التصحيح، وُلد مطلع قصيدة "أكًايوار"؛ هذا الطائر (الغراب) الذي اتخذه هؤلاء الشباب رمزاً وشؤماً يحلُّ على الأطلال والخراب، في استعارة بليغة لما آل إليه حال القيم واللمة الإنسانية.
صاغ الحاضرون الكلمات بأسلوب تشاركي، وصهرها الحسين عاموم بلكنته "الإنشادية" الرزينة. ورغم أن المجموعة مارست رقابة ذاتية على بعض الأبيات "المشوكة" تفادياً للمشاكل، إلا أن النص ظل قوياً بصراحته. غير أن هذه التجربة واجهت خيبة أمل مريرة بعد ضياع المردود المادي والمعنوي للتسجيل الأول، مما جعلها تجربة غير مثمرة تقنياً، لكنها ظلت خالدة وجدانيًا.
2. "رقم 14، جي 3": العنوان الذي صار "نوطة" في تاريخ أمارك
إذا كانت محطة "أحشاش" بأكادير قد شهدت نضج أفكار مجموعة "أمود" وتبلور رؤيتها الفنية، فإن العنوان "رقم 14، ج 3" (J3 N°14) بحي يعقوب المنصور بالرباط، ظل يمثل المختبر الروحي الأول. لم يكن مجرد سكنٍ مكترى لشبان سوسيين يتابعون دراستهم وعملهم في العاصمة، بل كان "برزخاً" فنياً التقت فيه حكمة "الروايس" بآفاق الحداثة الموسيقية.
في هذا الفضاء الرباطي، تلاشت المسافات بين الأجيال؛ ففي الوقت الذي كان فيه سعيد بيجعاض*ينسج أنغام الكمان الرفيعة بالجوق الوطني، وسعيد بوتروفين يدبر انشغالاته الإدارية، كان الحسين عاموم يحمل في جعبته "جينات" جده بوبكر أنشاد، محاولاً صهرها في قوالب جديدة.
طرائف وجلسات "التسخين التدريبي"
من طرائف تلك الجلسات، ما استعادته الذاكرة التشاركية حول دور الصديق مبارك ألوكاس، الذي كان محفزاً للقريحة بامتياز. فقد كان يُطلق شرارة "التسخين التدريبي" بلازمته الشهيرة: «الاه ئزد نكي كادار تاسا مايالان»، لتتحول الجلسة إلى فضاء حرٍّ للتنفيس والارتجال الجماعي.ويُحكى عن خفة دم المرحوم عبد اللطيف اخصاصي (روبيو)، أنه حين سُئل يوماً عن سر انقطاعه عن أكادير، أجاب باختصار بليغ: *«كنا في رقم 14، جي 3»*؛ وكأن هذا العنوان هو "الوطن البديل". هذه البيئة هي التي أثمرت لاحقاً درة "أمارك"، التي انتزعت الجائزة الثانية في المهرجان الوطني الثاني للأغنية الحديثة سنة 1987.
3. محمد أشبان: "الخزانة الحية" والقنطرة الوجدانية لأمارك
نصل إلى حلقةٍ أساسية تمثل "الامتداد" الواعي لهذا الإرث؛ إنه الناقد والفنان والشاعر المترجم محمد أشبان. فإذا كان الجيل الأول قد وضع اللبنات، فإن أشبان هو من حمل هذه الأمانة ليجعل منها مادةً للتحليل الأدبي الرصين.
محمد أشبان، حفيد الراحل سعيد بوتروفين، لم يكتفِ بوراثة "الرنّة" الموسيقية، بل طوّرها بمسارٍ أكاديمي وجعل منها مادة لبرامج إذاعية عميقة مثل"سمازغ أوال" و"مضي أوال". هناك، يتحول أشبان إلى "مشرطٍ" يحلل الكلمة الأمازيغية، ويعيد بناء القصائد (تيفاوين) برؤية تجمع بين لوعة الشاعر ودقة المترجم.
تكمن قيمة محمد أشبان اليوم في كونه "الخزانة الحية" التي تحفظ التفاصيل التي لا توجد في الكتب؛ هو الذي يعرف سرَّ النوطة التي وضعها بوتروفين، وعمق اللكنة التي نطق بها عاموم.
. أمارك.. حينما ترسم العائلة لوحة الخلود
بفضل الصديق أحمد سفيان، أحد أعمدة "أمود"، نستعيد أسماءً وازنة كانت خلف الستار في ملحمة أغنية "أمارك" المتوجة عام 1987. يذكرنا سفيان بأن النجاح كان ثمرة "مختبر عائلي" دافئ في حي يعقوب المنصور؛ حيث شارك في التدريبات كل من الحاج محمد بوتروفين، سعيد بيجعاض، وسعيد الغازي.
والأجمل هو الحضور الطاغي لروح العائلة، من خلال مشاركة أخوات سعيد بوتروفين الثلاث في "الكورال" أثناء مرحلة التحضير. هذا الجو هو السر الكامن وراء تلك "الرنة" الوجدانية الصادقة.






