مرثية الرايسة رقية تالبنسيرت لرحيل سعيد أشتوك و محمد ألبنسير 01
بقلم: تحليل مشترك - محمد وادي
تعتبر مرثية الفنانة الكبيرة الرايسة رقية تالبنسيرت في رائدَيْ فن "تيرويسا"، سعيد أشتوك ومحمد البنسير، واحدة من أعظم عيون الشعر الأمازيغي المعاصر. إنها ليست مجرد "تاناظومت" (قصيدة غنائية)، بل هي وثيقة إنسانية وأدبية تضاهي في بلاغتها وفجيعتها كبار شعراء الرثاء في الأدب العالمي.
إن هذه المرثية ستبقى مدرسة في الوفاء الفني، حيث استطاعت رقية تالبنسيرت بذكائها الشعري وبحة صوتها الشجية أن تحول "الرحيل" إلى "خلود"، وتثبت أن "الرباب" وإن يتمه الموت، فإنه يبقى نابضاً بكلمات من "ربينا معهم الكبد" في ميادين الفن والحياة.
تعتبر مرثية الفنانة الكبيرة الرايسة رقية تالبنسيرت في رائدَيْ فن "تيرويسا"، سعيد أشتوك ومحمد البنسير، واحدة من أعظم عيون الشعر الأمازيغي المعاصر. إنها ليست مجرد "تاناظومت" (قصيدة غنائية)، بل هي وثيقة إنسانية وأدبية تضاهي في بلاغتها وفجيعتها كبار شعراء الرثاء في الأدب العالمي.
1. بلاغة الفقد: من "العين" إلى "الكبد"
تبدأ رقية قصيدتها بتأصيل "فلسفة الدمع"، معتبرة أن البكاء حق إنساني طالما بقي الموت يختطف الأحبة. وفي حين ركز الأدب العربي الكلاسيكي على "القلب" كمستقر للحزن، نجد رقية تغوص في الوجدان السوسي العميق باستخدام رمزية "تاسا" (الكبد)؛ فالفقد هنا ليس عاطفياً فحسب، بل هو "كيّ" عضوي (ئحريك) يمزق الأحشاء.2. أنسنة الآلة: "الرباب اليتيم"
تصل القصيدة إلى ذروتها الشعرية في بيت عبقري: "إي ريباب كّان إيگويگيل إيفوغاس أفوس". هنا، ترفع رقية "الرباب" من مرتبة الخشب والأوتار إلى مرتبة "الكائن الحي". بموت الرايس، لا تصمت الآلة، بل "تتيم"، وتفقد الحماية والاحتواء. هذه الصورة الفنية تمنح الفن الأمازيغي بعداً "أنطولوجياً"؛ فالرايس والرباب كائن واحد، وبموت أحدهما، ينكسر الآخر.3. الفنان "العالم": إعادة الاعتبار للهوية
لم تكن رقية ترثي "مغنيين"، بل كانت تؤبن "أعمدة مجتمع". بوصفها لسعيد أشتوك بـ "العالم" و"الطبيب"، هي تعيد رسم صورة "الرايس" كمرشد اجتماعي وحكيم ومصلح. هذا "النبش" في قيمة الفنان يرفع فن تيرويسا من خانة الترفيه إلى خانة "المعرفة المقدسة".4. جغرافيا الحزن والتسليم الصوفي
تتحرك جغرافيا سوس بأكملها في القصيدة؛ من تيزنيت إلى أكادير، وكأن الحزن "مدني" وجماعي. وتختم رقية مرثيتها بنبرة صوفية عالية، مستسلمة لغدر الموت (تامغدارت) ولحتمية القدر (لابودّ نس)، داعية بالعفو للصالحين، مما يضفي وقاراً إيمانياً يهدئ من روع الفجيعة.5. رقية تالبنسيرت والخنساء: لقاء العمالقة
تتقاطع رقية مع خنساء العرب في صدق العاطفة وتحويل الألم الشخصي إلى مأتم كوني. فإذا كانت الخنساء قد خلدت "صخر" بدمعها السخي، فإن رقية قد خلدت "أشتوك والبنسير" بصوتها الذي صار صدىً لذاكرة جيل بأكمله.إن هذه المرثية ستبقى مدرسة في الوفاء الفني، حيث استطاعت رقية تالبنسيرت بذكائها الشعري وبحة صوتها الشجية أن تحول "الرحيل" إلى "خلود"، وتثبت أن "الرباب" وإن يتمه الموت، فإنه يبقى نابضاً بكلمات من "ربينا معهم الكبد" في ميادين الفن والحياة.





