تحليل قصيدة "ألاهت أربي ماف راسّول ألاّغ نقنض" للرايسة فاطمة تيحيحيت مقورن 04
بقلم محمد وادي
من يتمعن في هذه القصيدة ستساوره أسئلة حول جمالية ودقة الوصف في هذه التحفة التي تُعد سيرة ذاتية بامتياز؛ وهذا التساؤل يضعنا في قلب مطبخ "أماركً" وصناعة الكلمة في تلك الحقبة الذهبية.
لن نجانب الصواب إذا أكدنا أن القصيدة هي روبورتاج وجودي؛ بدأت بـ "أوقنض" (الاختناق) وانتهت بـ "أوشن" (الذئب/الحسود)، وبين المحطتين نجد امرأة تقاوم البذالة في المقاهي لتعيل والديها، وهي لفتة وفاء نادرة في نصوص ذلك الزمان.
بخصوص دور الهرم الفني الرايس محمد البنسير، إليكم هذه القراءة التحليلية:
1. المدرسة الفنية الواحدة: من المعروف أن الرايس محمد البنسير كان عراب الكلمة القوية والنقد الاجتماعي اللاذع. فاطمة تيحيحيت مقورن كانت قريبة جداً من مدرسته، وهناك تقاطع مذهل في المفردات (مثل: أمزلوض، الصابت، تيزّوا، أوشن) بين نصوصها ونصوصه.
2. صناعة الرايسة: في ذلك الوقت، كان كبار الروايس (مثل البنسير أو بيزماون) غالباً ما يؤطرون الرايسات الموهوبات، ليس فقط باللحن، بل بصقل القصيدة. البنسير كان يمتلك قدرة عجيبة على تحويل المعاناة الشخصية إلى قضية رأي عام، وهذا ما نلمسه في قصيدتها؛ فهي لم تبكِ حظها كأنثى فقط، بل بكت حظ الفنان المكافح.
3. بصمة البنسير: أسلوب المحاججة والرد على الحساد (ألحسادة) هو بصمة دمسيرية بامتياز. البنسير كان يواجه خصومه بالشعر، وتيحيحيت في هذا النص تبدو وكأنها استعارت سيف البنسير اللغوي لتقطع به ألسنة منتقديها.
> الخلاصة: حتى لو كانت الكلمات نابعة من قلب وعمق تجربة تيحيحيت مقورن الشخصية -وهذا مؤكد لأن التفاصيل حميمية جداً كزواجها وإعالة والديها- فمن المرجح جداً أن الرايس محمد البنسير وضع لمساته على سبك الأبيات وتطوير الصور الشعرية لتخرج بهذا الرقي والقوة.
في مجتمع سوسي محافظ، كان خروج المرأة لساحات الغناء (أسايس) أو المقاهي (لقهاوي) مغامرة بسمعتها. لكن تارايست مقورن قلبت الطاولة على منتقديها باستحضار بابا ؤلا ئمّي:
* الوفاء المادي والمعنوي: قولها "كولّو كراد نرور أرت نصّيفيض ئي لبلاد" (كل ما جنيته أرسلته للبلد) ليس تفاخراً، بل هو صك براءة. هي تقول: أنا لا أغني للهو، بل أنا العائل الوحيد لأسرتي.
* تحويل العيب إلى واجب: عندما تذكر أنها لم تترك والديها للفقر (ؤرّاكًّيس نفرد)، فهي تضع المنتقد في مأزق أخلاقي: هل العيب في غناء المرأة أم في ترك الوالدين للجوع؟ هنا نلمس ذكاءً حاداً في الخطاب، ربما تشبعت به من مدرسة البنسير الذي كان يتقن فن المحاججة.
تصنع القصيدة تقابلاً موجعاً بين عالمين متناقضين:
1. عالم الواجهة (باريس والغربة)
تذكر باريس والرياضات والزليج والموبر، ليس كدليل على الثراء، بل كدليل على التيه. هي تتنزّه في أماكن فاخرة لكن قلبها يقنض (يضيق). السفر هنا ليس فسحة، بل هو نفي اختياري من أجل لقمة العيش.
2. عالم الأصل (الحباق والشاريج)
في الباقة الأخيرة، تعود لصورة الحباق ن طّرف ن شّاريج. الحبق نبات بسيط، متواضع، لكن عطره أصيل ومرتبط بساحة الدار (شّاريج).
* المفارقة: هي ترى نفسها كذات الحبقة؛ جميلة ومفيدة، لكنها محبوسة على الحافة. من يريد شرب الماء (الحياة/الفن) لابد أن يمر بها، لكن لا أحد يبالي بعطش الحبقة نفسها.
خاتمة: الاعتزال كاسترداد للذات
هذه القصيدة هي بيان اعتزال مبكر. الرايسة فاطمة تيحيحيت مقورن وصلت إلى قناعة مريرة: أنها جالت العالم (من سوس للحوز لباريس)، وأعالت أهلها، وصانت كرامتها، لكنها في النهاية وجدت نفسها كالنحلة التي يسرق الجميع عسلها ثم يطردونها، أو كالحبقة التي يشمون عطرها وينسون سقيها.
بهذا المعنى، الاعتزال لم يكن توبة بالمعنى الضيق، بل كان استرداداً للذات؛ قررت أن تنسحب من أسايس ولقهاوي لكي لا تبقى فرجة لمن لا يقدر قيمة أمود (البذور) التي زرعتها.
هل كان اعتزالها خسارة للفن الأمازيغي، أم أنه كان الخاتمة الأجمل التي حفظت كرامتها وأسطورتها كـ تارايست مقورن؟
لن نجانب الصواب إذا أكدنا أن القصيدة هي روبورتاج وجودي؛ بدأت بـ "أوقنض" (الاختناق) وانتهت بـ "أوشن" (الذئب/الحسود)، وبين المحطتين نجد امرأة تقاوم البذالة في المقاهي لتعيل والديها، وهي لفتة وفاء نادرة في نصوص ذلك الزمان.
دور الرايس محمد البنسير (الدمسيري) في النص
بخصوص دور الهرم الفني الرايس محمد البنسير، إليكم هذه القراءة التحليلية:
1. المدرسة الفنية الواحدة: من المعروف أن الرايس محمد البنسير كان عراب الكلمة القوية والنقد الاجتماعي اللاذع. فاطمة تيحيحيت مقورن كانت قريبة جداً من مدرسته، وهناك تقاطع مذهل في المفردات (مثل: أمزلوض، الصابت، تيزّوا، أوشن) بين نصوصها ونصوصه.
2. صناعة الرايسة: في ذلك الوقت، كان كبار الروايس (مثل البنسير أو بيزماون) غالباً ما يؤطرون الرايسات الموهوبات، ليس فقط باللحن، بل بصقل القصيدة. البنسير كان يمتلك قدرة عجيبة على تحويل المعاناة الشخصية إلى قضية رأي عام، وهذا ما نلمسه في قصيدتها؛ فهي لم تبكِ حظها كأنثى فقط، بل بكت حظ الفنان المكافح.
3. بصمة البنسير: أسلوب المحاججة والرد على الحساد (ألحسادة) هو بصمة دمسيرية بامتياز. البنسير كان يواجه خصومه بالشعر، وتيحيحيت في هذا النص تبدو وكأنها استعارت سيف البنسير اللغوي لتقطع به ألسنة منتقديها.
> الخلاصة: حتى لو كانت الكلمات نابعة من قلب وعمق تجربة تيحيحيت مقورن الشخصية -وهذا مؤكد لأن التفاصيل حميمية جداً كزواجها وإعالة والديها- فمن المرجح جداً أن الرايس محمد البنسير وضع لمساته على سبك الأبيات وتطوير الصور الشعرية لتخرج بهذا الرقي والقوة.
الوالدان كـ "درع شرعي" وقيمة أخلاقية
في مجتمع سوسي محافظ، كان خروج المرأة لساحات الغناء (أسايس) أو المقاهي (لقهاوي) مغامرة بسمعتها. لكن تارايست مقورن قلبت الطاولة على منتقديها باستحضار بابا ؤلا ئمّي:
* الوفاء المادي والمعنوي: قولها "كولّو كراد نرور أرت نصّيفيض ئي لبلاد" (كل ما جنيته أرسلته للبلد) ليس تفاخراً، بل هو صك براءة. هي تقول: أنا لا أغني للهو، بل أنا العائل الوحيد لأسرتي.
* تحويل العيب إلى واجب: عندما تذكر أنها لم تترك والديها للفقر (ؤرّاكًّيس نفرد)، فهي تضع المنتقد في مأزق أخلاقي: هل العيب في غناء المرأة أم في ترك الوالدين للجوع؟ هنا نلمس ذكاءً حاداً في الخطاب، ربما تشبعت به من مدرسة البنسير الذي كان يتقن فن المحاججة.
مفارقة باريس مقابل الحباق ن شّاريج (الاغتراب)
تصنع القصيدة تقابلاً موجعاً بين عالمين متناقضين:
1. عالم الواجهة (باريس والغربة)
تذكر باريس والرياضات والزليج والموبر، ليس كدليل على الثراء، بل كدليل على التيه. هي تتنزّه في أماكن فاخرة لكن قلبها يقنض (يضيق). السفر هنا ليس فسحة، بل هو نفي اختياري من أجل لقمة العيش.
2. عالم الأصل (الحباق والشاريج)
في الباقة الأخيرة، تعود لصورة الحباق ن طّرف ن شّاريج. الحبق نبات بسيط، متواضع، لكن عطره أصيل ومرتبط بساحة الدار (شّاريج).
* المفارقة: هي ترى نفسها كذات الحبقة؛ جميلة ومفيدة، لكنها محبوسة على الحافة. من يريد شرب الماء (الحياة/الفن) لابد أن يمر بها، لكن لا أحد يبالي بعطش الحبقة نفسها.
خاتمة: الاعتزال كاسترداد للذات
هذه القصيدة هي بيان اعتزال مبكر. الرايسة فاطمة تيحيحيت مقورن وصلت إلى قناعة مريرة: أنها جالت العالم (من سوس للحوز لباريس)، وأعالت أهلها، وصانت كرامتها، لكنها في النهاية وجدت نفسها كالنحلة التي يسرق الجميع عسلها ثم يطردونها، أو كالحبقة التي يشمون عطرها وينسون سقيها.
بهذا المعنى، الاعتزال لم يكن توبة بالمعنى الضيق، بل كان استرداداً للذات؛ قررت أن تنسحب من أسايس ولقهاوي لكي لا تبقى فرجة لمن لا يقدر قيمة أمود (البذور) التي زرعتها.
هل كان اعتزالها خسارة للفن الأمازيغي، أم أنه كان الخاتمة الأجمل التي حفظت كرامتها وأسطورتها كـ تارايست مقورن؟





