مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 04): حقيقة أحرضان وأسرار معارك تحرير الجنوب
تستكمل هذه الحلقة من مذكرات الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر كشف الحقائق التاريخية حول مرحلة ما بعد استقلال المغرب، مسلطة الضوء على كواليس تأسيس جيش التحرير في الشمال وانفجاره، وصراعات التحرير في الجنوب المغربي ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي، وصولاً إلى كشف "حقيقة" الدور الذي لعبه المحجوبي أحرضان في تلك الحقبة.
لقاء القاهرة 1956: ميثاق عدم وضع السلاح
في الوقت الذي كانت فيه الأحداث تتسارع والاصطفافات السياسية في أوجها، قررت الأجهزة المصرية بالتنسيق مع الجزائريين عقد لقاء في القاهرة (فبراير 1956). جمع هذا اللقاء قيادات جيش التحرير في المغرب العربي؛ حيث مثل المغرب كل من الدكتور عبد الكريم الخطيب، المهدي بن عبود، وعباس المساعدي. ومن الجزائر حضر أحمد بن بلة، بينما مثل تونس الطاهر الأسود والبشير الصباح.رفع ممثلو قيادات التحرير المغاربية مذكرة إلى جمال عبد الناصر، التزموا فيها بمواصلة الكفاح المسلح وعدم وضع السلاح حتى تحقيق الاستقلال التام للدول الثلاث، ورفض أي اتفاقات سياسية أحادية قد تبرمها الأحزاب.
محاولات حل جيش التحرير والصراع السياسي
بعد اغتيال عباس المساعدي، تم استدعاء الدكتور عبد الكريم الخطيب وتكليفه بحل جيش التحرير، وهي المهمة التي شارك فيها ولي العهد آنذاك (الملك الحسن الثاني رحمه الله). في المقابل، وبسبب فشل لقاء مدريد، بادر المقاومون لعقد لقاءات في الدار البيضاء والخميسات، أسفرت عن إنشاء ثلاث لجان لمراقبة مواقع الجيش والإشراف عليه، ترأس آيت إيدر إحداها.جرت محاولات لتوحيد فصائل المقاومة بين "المنظمة السرية" التابعة لحزب الاستقلال، ومنظمة "الهلال الأسود" المرتبطة بحزب الشورى والاستقلال، لكنها باءت بالفشل نتيجة الصراع على النفوذ وتدخل المؤسسة الملكية كطرف في المشهد السياسي.
حقيقة المحجوبي أحرضان وعلاقته بالمقاومة
يكشف آيت إيدر في مذكراته حقائق مثيرة حول المحجوبي أحرضان، مؤكداً أنه "لم يسبق له أن انتمى يوماً إلى جيش التحرير". ويوضح أن اسم أحرضان اقتُرح في وقت ما كضابط اتصال، لكنه سافر إلى فرنسا وانقطع الاتصال به.بعد الاستقلال، وحين طُلب من الخطيب حل جيش التحرير، قام أحرضان (بصفته عاملاً على الرباط) بنقل الخطيب بسيارته الرسمية عبر الحدود دون تفتيش، وشكل منزله مركزاً للاتصالات في مناسبات نادرة. ويجزم آيت إيدر بأن هذا هو كل ما ربط أحرضان فعلياً بالمقاومة.
الانتقال إلى الجنوب: تحرير الصحراء وموريتانيا
بسبب تفشي "النزعة المصلحية" والزبونية في الدار البيضاء، قرر بنسعيد آيت إيدر الالتحاق بجيش التحرير في الجنوب. تزامن ذلك مع وصول الزعيم الموريتاني حرمة ولد بابانا وعدد من القادة الموريتانيين إلى المغرب لطلب دعم الملك محمد الخامس لتحرير موريتانيا من الاستعمار الفرنسي.
أصدر الملك أوامره بالتحرك جنوباً، وانطلق فصيل من جيش التحرير من "كلميم" في أكتوبر 1956، ليقطع 1500 كيلومتر في ظروف صحراوية قاسية للوصول إلى موريتانيا.
معركة أدرار (يناير 1957)
خاض الجيش المغربي معركة "أدرار" ضد القوات الفرنسية في ظروف غير متكافئة. وبسبب غياب الخرائط والمعلومات الدقيقة، وتعرض القافلة لقصف جوي فرنسي عنيف، انتهت المعركة باستشهاد 60 مقاتلاً مغربياً مقابل مقتل حوالي 190 جندياً فرنسياً وتدمير 3 طائرات.معركة بئر مكرين: رد الاعتبار
بعد شهر واحد من نكسة أدرار، وتحديداً في 14 فبراير 1957، نجح جيش التحرير في مباغتة الجيش الفرنسي قرب جبل "رغيوه" ببير مكرين، حيث قُتل 150 جندياً فرنسياً وأُسر ضابط كرسيكي، مما أعاد الثقة للمقاتلين وأبناء المنطقة.
المواجهة مع الاستعمار الإسباني: ملحمة تافوارت
أدت انتصارات جيش التحرير إلى تغيير إسبانيا لسياستها، حيث بدأت في التضييق على السكان وفرض الحراسة على الحدود. رد جيش التحرير بتعزيز مواقعه وتحرير مدينتي السمارة وطانطان.بلغت المواجهة ذروتها في معركة تافوارت (فبراير 1958) بضواحي العيون، والتي يصفها آيت إيدر بأنها تشبه "معركة أنوال". استمرت المعركة لثلاثة أيام، وانتهت بإبادة فرقة عسكرية إسبانية كاملة تضم 800 جندي، مما دفع الجنود الإسبان للهتاف بحياة "محمد الخامس" طلباً لوقف إطلاق النار.
بطولات فريدة: خدعة الضابط "حس ولد السملالي"
يروي آيت إيدر حادثة طريفة تعكس ذكاء المقاتلين المغاربة؛ حيث قام الضابط حس ولد السملالي (الذي انشق عن الجيش الإسباني) بإيهام قيادته السابقة بأنه محاصر من جيش التحرير ويحتاج إمدادات. وبالفعل، قام الطيران الإسباني بإلقاء المؤن والأسلحة، ليقوم "حس" بتوزيعها على رفاقه في جيش التحرير المغربي الذين كانوا في أمسّ الحاجة إليها.تنتهي هذه الحلقة بتأكيد بنسعيد آيت إيدر على أن معارك الجنوب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت صراعاً من أجل الكرامة الوطنية ضد تحالف استعماري (فرنسي-إسباني) وضد الانتهازية الداخلية التي حاولت إجهاض حلم التحرير الشامل.





