هل مال زوجي المكتسب من بيع التبغ حرام ؟
السؤال: وردة الملالي تقول : زوجي يبيع التبغ للمدخنين من المسلمين وغيرهم، فهل ماله حرام كما قال لي زوج أختي الذي يعمل خطيب جمعة ؟
الجواب: فضيلة الأستاذ الفقيه سيدي الحسين مفرح، عضو المجلس الأعلى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذا السؤال نرجع فيه إلى القاعدة التي أسسناها وذكرنا عليها غير ما مرة، بما في ذلك الحلقات الأخيرة، وهو أن المال الذي يؤول إلى العين أو العملات ـ كنقول حنا العملات، الدرهم المغربي، الأورو، كذا كذا ـ هذه تترتب في ذمة الأخ ديالها، تترتب في ذمته سواء أخذها بطريقة مشروعة أو بطريقة غير مشروعة.
على فرض أن هذه الطريقة غير مشروعة، فاستعمال ذاك المال أو إخراجه من ذمة مكتسب بطريقة غير مشروعة إلى ذمة أخرى بطريقة مشروعة لا يضره. هنا الزوجة كتسول: إذا هذا الزوج، نفرض كما ذكرتم التفاصيل دياله، أنه هذا الشيء اللي كيبيع ويشري فيه، فرضوا أنه حرام، المال كيصرف عليها، ما كاينش الحرج ديالها، ما كيعنيهاش حرمته، ترتبت في ذمة زوجها، هو المسؤول عنه يوم القيامة، أو المسؤول عنه بمعنى أنه ممكن أن يتوب قبل يوم القيامة.
ولكن بيع التبغ، وهذا ذكرنا فيه غير ما مرة وقلنا فيه كلام، تبعنا فيه عدد من المشايخ والفقهاء الأقدمين وغيرهم، أن قضية التبغ أو القنب الهندي لا يُحرَّم ذاتًا، ماشي حرام ذاتًا. و يرحم الله السيد علي الأجهوري المالكي المصري المعروف، كيقول: لا يحرمه إلا من لا يستند إلى مبادئ العقل ومبادئ الشرع، لا يحرمه ذاتًا إلا من لم يستعمل القواعد العقلية والقواعد الشرعية، إما غفلة وإما جهلاً
لماذا؟ لأن هذا نبات، والنباتات كلها طاهرة، هذا هو الأصل فيها، إلا ما غيّب العقل أو أثّر على العقل. أما هذه النباتات في حد ذاتها، فالأصل ديالها الطهارة. نعم، إذا دخلتها صنعة أو مواد أخرى نباتية أو معدنية، فالأصل أن المعادن والنباتات كلها طاهرة. و الحيوانات هي التي ابتلانا الله بها، فحرّم علينا بعضها وأحلّ لنا البعض الآخر. ولذلك قال علي الأجهوري: لا يقول بحرمة القنب الهندي ذاتًا إلا من لم يستعمل القواعد العقلية والقواعد الشرعية.
ثم كيجيو يقولوا نحرم سدًّا للذريعة. شنو هو سد الذريعة؟ إذا أدت إلى تغيب العقل أو الإضرار بالبدن أو الإضرار بالإنسان. وهنا يرحم الله الصنعاني صاحب سبل السلام، الذي انتهى إلى أن القنب الهندي أو التبغ إنما يحرم عند إساءته للعقل أو للبدن، أما أن نقول إنه حرام ذاتًا فلا.
كما قررنا غير ما مرة، فرقوا بين حكم استعمال التبغ وما في حكمه، وبين ذاته. ذاته طاهر وحلال، والأصل أن الإنسان له أن يتاجر فيما هو حلال وطاهر. وقضية أن الآخر سيستعمله استعمالًا يضر به، هذا شغله هو.
إذا ما بعتهوش أنا، ما غاديش نمنعه. ما كلفك الله بذلك. أنت كتبيع، وهو فقيه نفسه. نعم، بين المؤمنين التناصح، ونحب الخير لأنفسنا كما نحبه لغيرنا، هذه مبادئ أخلاقية. فقهيًا، ما أجازته القواعد الفقهية نعمل به، وما لم تجزه فلا. لكن الخطأ هو التعميم وفرض القناعة على الناس.
التبغ أو القنب الهندي طاهر في ذاته وحلال في ذاته، لكن الذي فيه الكلام قد يحرم وقد لا يحرم. الفقهاء منهم من حرّمه سدًّا للذريعة، ومنهم من كرّهه، ومنهم من أحلّه، لأنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما عُرف تقريبًا في القرن الثامن.
قال السيوطي رحمه الله: الأورع تركه، لكن هذا لأهل الورع، ماشي للكل. وقد أُلّفت في هذه المسألة مؤلفات كثيرة، مشرقيّة ومغربيّة، وكلها تصب في هذا الخلاف.
فالخلاصة: لا يمكن أن نبني على قول واحد ونقول إنه حرام قطعًا، وبالتالي لا يجوز الاتجار فيه. لا، هذا غير صحيح.
بالنسبة لهذه السائلة، المال الذي يدخل الزوج من بيع التبغ لا يحرم عليها، ولا إثم عليها، وهو المسؤول عن فعله. بل أصلاً المسألة ماشي حرام قطعًا.
نعم، يقال إن فيه ضررًا صحيًا، لكن الضرر نسبي، ولا يمكن إثبات أنه يضر جميع الناس بنفس الدرجة. ولذلك قال الأقدمون: ضرره يختلف باختلاف الطباع والأجسام وطريقة الاستعمال.
فالناس ليسوا سواء، ومنهم من لا يغيّب عقله بل ينشطه بقدر معين، ومنهم من لا يستطيع التفكير إلا به. ولذلك لا يصح الجزم بالتحريم المطلق.
والله أعلم.





