مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 10 | الهمة لبق ومؤدب
في الحلقة الماضية، بدأ خالد الجامعي الحديث عن علاقته بفؤاد علي الهمة، المستشار الملكي، من خلال الحوارات التي كان يجريها معه. وفي هذه الحلقة، يكشف الجامعي أسرارًا جديدة تتعلق بإدريس البصري وفؤاد علي الهمة.
يقول الجامعي إن أول لقاء جمعه بفؤاد علي الهمة لم يكن للأخير فيه أي مطالب محددة، بل كان هو من اقترح فكرة تأسيس عدالة انتقالية، وعرض عليه أسماء بعض مناضلي اليسار الذين يمكنهم مساعدة المحيط الملكي على إنجاح مصالحة وطنية حقيقية، تقوم على كشف جرائم حقوق الإنسان، وإنصاف الضحايا، والاعتذار لهم.
ويضيف أن فؤاد علي الهمة لم يُبدِ أي اعتراض أو ملاحظة على هذه الفكرة، إذ كان يحمل تربية وثقافة “دار المخزن”، حيث يترك محاوره يتحدث وينصت إليه دون مقاطعة أو تعليق. وقد احتج عليه الجامعي مرة مازحًا قائلاً: «واش دابا أنا وليت باباغيو؟».
ويؤكد الجامعي، للتاريخ والحقيقة، أن فؤاد علي الهمة كان رجلًا لبقًا ومؤدبًا، ولا يصدر عنه كلام نابي. كما يوضح أنه لم يكن يتوفر على مشروع جاهز أو تصور مغلق، بل إن النقاشات التي جمعته بالهمة في مواضيع متعددة قادت إلى خلاصة مفادها أن المغرب في حاجة إلى عقد مصالحة بين الشعب والحكم، وإلى تحقيق عدالة انتقالية حقيقية.
ويضيف أنه قال لفؤاد علي الهمة إن “المغرب الجديد” يجب أن يقطع مع إرث سنوات الحسن الثاني، ويحقق مصالحة مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وأن من الضروري أن يعتذر الملك، باسم الدولة، إلى المغاربة الذين كانوا ضحايا ممارسات خارجة عن القانون.
ويرى الجامعي أن هذه المهمة يجب أن تضطلع بها لجنة شبيهة بلجنة الحقيقة والمصالحة التي تأسست سنة 1995 في جنوب إفريقيا، وأسندت رئاستها إلى رجل الدين ديزموند توتو، والتي نجحت في كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وتحقيق مصالحة وطنية.
ويؤكد الجامعي أن هذا هو النموذج الذي اقترحه على فؤاد علي الهمة، نموذج يمتلك السلطة الكاملة لفتح جميع الملفات الحقوقية، وليس نموذج هيئة الإنصاف والمصالحة التي لم تكن لها الصلاحيات الكافية لكشف ملفات ما تزال عالقة إلى اليوم، وعلى رأسها ملف المهدي بن بركة.
أما بخصوص اقتراح إدريس بنزكري، الذي كان حينها رئيسًا للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، لرئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة، فيوضح الجامعي أنه اقترح في البداية عبد الرحيم الجامعي، وأن اسم بنزكري طُرح في سياق دعوته إلى انفتاح الملك ومحيطه على جيل قريب منه في السن والأفكار، وخاصة مناضلي اليسار، حتى لا يبقى رجال الدولة محصورين في أسماء تقليدية مثل بوستة واليوسفي.
ويضيف أن اقتراحه كان يقوم على أن تكشف الهيئة الحقيقة كاملة حول ما جرى في سنوات الرصاص، وأن يشمل البحث الحسن الثاني وكبار جنرالات الجيش وكل من ثبت أنه استعمل سلطته بشكل أدى إلى انتهاك حقوق الإنسان. ويشدد على أن فكرة اعتذار الملك باسم الدولة كانت من اقتراحه هو، ولم يخبره الهمة بأن الملك مستعد لذلك، لكنه كان يرى الأمر ممكنًا لو تم اعتماد نموذج جنوب إفريقيا، حيث قبل الضحايا، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا، الاعتذار بدل المطالبة بالعقاب.
ويؤكد الجامعي أن الملك محمد السادس كان منفتحًا على هذه المقترحات، لكونه لم يكن له يد فيما جرى سابقًا، وهكذا بدأ العمل بين محيط الملك وعدد من مناضلي اليسار. وفي هذا السياق، اقترح على الهمة الانفتاح على إدريس بنزكري ورفاقه في المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، الذي تأسس في بداية سنة 1999.
ويستحضر الجامعي شهادة صلاح الوديع، الذي صرح قائلًا: «عندما وصلت مرة إلى دار الهمة استقبلني خالد الجامعي. ساهمت فقط في النقاش الأول، ولاحقًا أصبح فؤاد يجتمع مع هؤلاء دون أن أكون بينهم».
ويضيف أن مبدئه كان واضحًا: إذا لم يلتف الديمقراطيون الحقيقيون حول نظام الحكم الجديد لتحصينه، فإن الملك سيصبح رهينة للنظام المخزني المتغلغل في دواليب الدولة.
ويعتبر الجامعي أن إعفاء إدريس البصري في نونبر 1999 كان يمكن أن يشكل فرصة لتصفية عدد من الملفات المرتبطة بالتجربة السابقة، لكنه تم – للأسف – دون استراتيجية واضحة، وكان أقرب إلى تصفية حسابات شخصية.
بعد ذلك، استمر فؤاد علي الهمة في الاجتماع مع إدريس بنزكري وصلاح الوديع وخديجة الرويسي، وأحيانًا محمد مجيد، الرئيس السابق للجامعة الملكية للتنس. أما الجامعي، فلم يعد يُستدعى، لأن الهمة كان يعرف موقفه الصارم ورؤيته الواضحة للعدالة الانتقالية، القائمة على كشف الحقيقة كاملة دون استثناء أحد، حتى لو تعلق الأمر بالحسن الثاني، ورفضه لهيئة لا تمتلك السلطة الكاملة للكشف عن الحقيقة.
ثم ينتقل الجامعي إلى سرد حكاية المقاول الذي سبق أن كتب عن مشاكله مع وزارة الداخلية، وكيف تدخل إدريس البصري في النهاية لإنصافه بعد مقال نشره في جريدة لوبينيون، كشف فيه عن طلب رشوة بقيمة 100 مليون سنتيم، وعن المعاناة التراجيدية التي عاشها المقاول، والتي كادت أن تدفعه إلى الانتحار.
ويروي الجامعي تفاصيل الاتصالات التي جرت بينه وبين إدريس البصري، وكيف تم استدعاء المقاول وتسليمه شيكًا بمئات الملايين، ثم ما تلا ذلك من محاولات بعض المسؤولين استعمال تقارير استخباراتية لتشويه صورة المقاول، وهو ما تصدى له الجامعي بحزم.
كما يتطرق إلى واقعة زيارة الملك الحسن الثاني للجزائر، ومحاولة وزارة الداخلية فرض بلاغ رسمي دون أي إضافة، وكيف لجأ إلى حيلة صحفية لنشر تحقيق مراسله دون أن يتعرض للاعتقال، قبل أن تتأكد لاحقًا صحة ما نُشر.
ويختم الجامعي الحلقة بقصة الضابط محمد أديب، الذي اعتُقل سنة 1999 بعد انتقاده الفساد داخل الجيش في حوار مع جريدة لوموند الفرنسية، وكيف تدخل لدى فؤاد علي الهمة، إلى جانب حملة تضامن إعلامية وحقوقية وطنية ودولية، ما أدى إلى إعادة محاكمته وتخفيض عقوبته، معتبرًا أن أديب وإن أخطأ منهجيًا، فقد أصاب موضوعيًا بجرأته غير المسبوقة في كشف الخلل داخل مؤسسة مسكوت عنها.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





