توفي أبي و ترك إرثا أصله ربوي فهل يحق لي الانتفاع به؟
السؤال: توفي والدي رحمه الله، وبقيت والدتي على قيد الحياة، وخلّف لنا الوالد إرثًا، غير أن أصل هذا الإرث كان عن طريق معاملة ربوية. حاليًا إخوتي يقومون بتقسيم ذلك الإرث بينهم بشكل شهري، وأنا لا آخذ شيئًا منه.
سؤالي هو: هل يجوز لي شرعًا أن آخذ نصيبي من هذا الإرث؟ أم لا يجوز لي الأخذ إلا بعد وفاة الوالدة؟
أم لا يجوز لي الأخذ مطلقًا؟
جزاكم الله خيرًا.
الجواب : فضيلة الأستاذ الفقيه سيدي الحسين مفرح، عضو المجلس الأعلى
المسألة التي يسأل عنها السائل تتعلق بإرث تركه والده، ويصفه بأنه “أصله ربوي”. وهنا لا بد من الوقوف عند هذه العبارة، لأن كثيرًا من الناس اليوم لا يميّزون حقيقة معنى الربا.
عندما يُقال: “أصلُه ربوي”، فلابد من تحديد المقصود بدقة. فغالبًا ما يُقصد بذلك أن الوالد اشترى دارًا أو عقارًا بقرض من مؤسسة بنكية تقليدية، أي اقترض مالًا بفائدة، ثم اشترى به عقارًا أو مشروعًا.
والحقيقة أن الربا شرعًا هو الزيادة على أصل القرض، وليس أصل المال نفسه. فالمال الذي أُخذ قرضًا يُسمّى رأس المال، وهذا في ذاته حلال، لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
فلو أن شخصًا اقترض مثلًا 60 مليونًا واشترى بها منزلًا، ثم سدّد للبنك 70 مليونًا، فإن العشرة الزائدة هي الربا، أما الستون التي اشترى بها المنزل فهي مال حلال، وبالتالي فالمنزل في ذاته ليس حرامًا. وهنا يقع الخلط عند كثير من الناس، حيث يظنّون أن كل ما اشتُري بقرض ربوي فهو حرام بعينه، وهذا غير صحيح شرعًا.
وقد بلغ الأمر ببعض الناس إلى الامتناع عن زيارة أقاربهم أو دخول بيوتهم بدعوى أنها اشتُريت بقرض ربوي، وهذا تشديد بغير علم، وتحريم لما أحلّ الله.
واللوم هنا لا يُوجّه لعامة الناس الذين يخافون من الحرام، وإنما يُوجّه إلى من يكرّسون هذا الجهل باسم الشرع والفقه.
بناءً على ذلك:
إذا كان المقصود بـ “الأصل الربوي” أن الوالد اشترى العقار بقرض ربوي،
فالعقار حلال في ذاته،
ويجوز للورثة الانتفاع به،
ويجوز للسائل أن يأخذ نصيبه من ريعه أو من الإرث.
وحتى على فرضٍ آخر، وهو أن الوالد – جدلًا – حصل على المال بطريقة محرّمة كالغصب أو السرقة، ثم اشترى به عقارًا،
فإن العقار بعد انتقاله وتحوّله يصبح حلالًا للورثة،
والإثم يكون على من اكتسب المال الحرام، وهو الذي يُحاسب عليه أمام الله.
فالشيء الذي لا يجوز الانتفاع به هو المغصوب بعينه إذا عُرف أنه مغصوب،
أما المال الذي تغيّر وتحوّل إلى عين أخرى (كمنزل أو مشروع)، فإن الورثة لا يُمنعون من الانتفاع به، وتبقى المسؤولية على من اكتسب المال بغير حق.





