قصة صعود وسقوط أفيطو AVITO
كشخص مغربي، إذا كانت لديك سيارة الآن وأردت نشر إعلان على الإنترنت من أجل بيعها، فلن تفكر كثيرًا؛ ستتجه مباشرة إلى موقع أفِيتو.
تمرّ عبر موقع أفِيتو أكثر من 30 مليار درهم من المعاملات سنويًا. ورغم أن هذا الرقم كبير ومثير للانتباه، فإن الشركة الأم لأفِيتو ما تزال غير قادرة على تحقيق أرباح متناسبة معه. رقم المعاملات الذي يحققه الموقع حاليًا لا يتجاوز حوالي 50 مليون درهم، وهو رقم ضعيف جدًا إذا ما قورن بعدد مستخدمي الموقع وبأرباح مواقع مشابهة على المستوى العالمي.
عند مقارنة متوسط العائد الذي يحققه أفِيتو عن كل فرد في المغرب، بمتوسط العائد الذي يحققه موقع تابع لنفس الشركة الأم في فرنسا، نجد أن الموقع الفرنسي يتفوق على أفِيتو بحوالي 60 مرة. وهو رقم كبير يدل بوضوح على أن أفِيتو لم ينجح إلى حدود الساعة في سياسة تحقيق الدخل داخل السوق المغربي.
هيمنة قوية ولكن مهددة
يُعد أفِيتو من أكثر المشاريع التجارية في المغرب صعوبة في التنبؤ بمستقبله. فمن جهة، يهيمن هيمنة شبه كاملة على سوق الإعلانات المبوبة، إذ يتجاوز عدد زواره الشهريين 6 ملايين زائر، أي أن واحدًا من كل أربعة مغاربة يستعملون الإنترنت يدخل إلى الموقع مرة واحدة على الأقل شهريًا. ومن جهة أخرى، أصبحت هذه الهيمنة مهددة بدخول فاعل عملاق إلى السوق، وهو فيسبوك ماركت بليس.
إضافة إلى ذلك، يواجه أفِيتو منافسة من مواقع متخصصة في مجالات محددة، مثل مواقع السيارات، والعقار، والإلكترونيات، وكذلك منصات الخدمات.
يساعد هذا التحليل على فهم كيفية اشتغال أحد أكثر الأسواق تعقيدًا وربحية في العالم، وهو مجال المنصات الرقمية، وبالأخص منصات الإعلانات المبوبة مثل أفِيتو. كما يوضح أسباب صعوبة هذا المجال في المغرب، وكيف استطاع أفِيتو اكتساح السوق، ثم بدأ يفقد مكانته تدريجيًا بسبب طريقة تفكيره في سوق استهلاكية معقدة.
في ثمانينيات القرن الماضي، حاولت الصحف في الولايات المتحدة البحث عن مصادر دخل جديدة بعيدًا عن إعلانات الشركات التي كانت المنافسة عليها شديدة. فبدأت في تحصيل مبالغ صغيرة من الأفراد مقابل نشر إعلاناتهم، سواء لبيع سيارة أو منزل أو الترويج لمحل تجاري.
نهاية التسعينيات وفقاعة الإنترنت
مع نهاية التسعينيات، لاقت هذه الإعلانات نجاحًا كبيرًا، حتى وصلت مداخيل الصحف منها إلى رقم قياسي بلغ 20 مليون دولار سنة 2000. في الفترة نفسها، ظهرت فقاعة الإنترنت، حيث ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت بسرعة كبيرة، وأصبح المستثمرون يوجهون الجزء الأكبر من أموالهم نحو الشركات التكنولوجية.
في هذا السياق، أصبح أي شاب يرغب في إطلاق شركة ناشئة يفكر أولًا في رقمنة خدمة كانت تُمارس في الواقع. وهنا خطرت فكرة الإعلانات المبوبة على شاب يُدعى كريغ نيو مارك، فتساءل: لماذا لا يتم إنشاء موقع متخصص يمكن للناس نشر إعلاناتهم فيه بدل الصحف؟
كان الموقع بسيطًا جدًا، يحتوي فقط على قائمة بجميع إعلانات المستخدمين، ويمكن لأي شخص إضافة إعلانه بسهولة. حتى اسم الموقع لم يُفكَّر فيه كثيرًا، فسُمّي كريغسليست، أي قائمة كريغ. وخلال أقل من خمس سنوات، غطّى الموقع الولايات المتحدة وكندا، وبلغ عدد مستخدميه ملايين الأشخاص.
كما هو الحال في عالم الشركات الناشئة، ما إن تنجح فكرة حتى تظهر عشرات المشاريع التي تقلدها. وهكذا ظهر مفهوم مواقع الإعلانات المبوبة.
لكن هذا النوع من المواقع يعاني من إشكال جوهري. ولتوضيح ذلك، يجب مقارنته بأقرب نموذج تجاري إليه، وهو نموذج المنصات التجارية (Marketplace).
الفرق بين Marketplace وClassified
في نموذج المنصات التجارية مثل أمازون، علي إكسبريس، Airbnb أو أوبر، تتم عملية الشراء والدفع داخل المنصة، وتحصل المنصة على نسبة من كل عملية بيع.
أما في مواقع الإعلانات المبوبة، فإن البائع والمشتري يلتقيان عبر المنصة، لكن عملية البيع تتم خارجها. فعلى سبيل المثال، عند شراء سيارة عبر أفِيتو، يتم اللقاء والدفع خارج الموقع، وبالتالي لا تتوفر للمنصة وسيلة مباشرة لاقتطاع نسبة من الصفقة.
لهذا السبب، حاولت مواقع الإعلانات المبوبة عبر السنين ابتكار طرق بديلة لتحقيق الأرباح، مثل إتاحة خيار إبراز الإعلانات مقابل رسوم، أو بيع مساحات إعلانية للشركات الكبرى داخل المنصة.
من أكبر التحديات في هذا المجال قاعدة تُعرف باسم "الفائز يأخذ كل شيء"، وتعني أنه عندما يسيطر موقع واحد على السوق ويحقق حجمًا كبيرًا من المستخدمين، يصبح من الصعب جدًا على منافس جديد الدخول بقوة.
لماذا يسيطر أفِيتو على السوق؟
من الناحية العملية، من يريد بيع سيارة لن ينشر إعلانه في موقع ناشئ، ما دام يعلم أن أفِيتو يستقطب ملايين الزوار يوميًا. وكذلك المشتري لن يبحث في عشرات المواقع، بل يتجه مباشرة إلى الموقع الأكثر شهرة.
بسبب هذا المنطق، تسيطر شركتان أساسيتان على سوق الإعلانات المبوبة عالميًا، وهما OLX وAdVinta، الشركة الأم لأفِيتو. وتجاوزت القيمة السوقية لهاتين الشركتين في البورصة 60 مليار دولار. ورغم هذه القوة المالية، فإن نجاح هذه الشركات يختلف من بلد لآخر، حسب الثقافة المحلية والسلوك الاستهلاكي.
في السياق المغربي، قد يبدو الأمر مفاجئًا، لكن المغرب كان من أوائل الدول التي ظهر فيها موقع إعلانات مبوبة، وهو موقع ماروك أنونس سنة 2000، الذي أسسه شاب مغربي يُدعى تاجي فيلالي، في وقت لم يكن فيه استعمال الإنترنت واسع الانتشار بين المغاربة.
-%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B7%D9%88--.png)
-%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B7%D9%88--.png)



