مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 11 | الملك الإنسان

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

  مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 11 | الملك الإنسان

مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 11 | الملك الإنسان


في الحلقة الماضية تحدث الجامعي عن علاقته بمحيط الملك، وفي هذه الحلقة يواصل الحديث عن قصص أخرى في سياق علاقته بالمحيط الملكي.

يقول الجامعي: بعد دخول الضابط مصطفى أديب في إضراب طويل عن الطعام احتجاجاً على اعتقاله، اتصلتُ بفؤاد علي الهمة وطلبتُ منه أن يتم نقله إلى المستشفى العسكري، بعدما ساءت حالته الصحية بفعل الإضراب. تدخلتُ أنا والأستاذ عبد الرحيم الجامعي من أجل نقله فعلاً إلى المستشفى العسكري.

التقيتُ بالهمة بوحدي، وطالب محامي أديب بأن تقوم بحراسته عناصر من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DST)، وبالفعل كانت تلك أول مرة تتم فيها حراسة سجين نزيل بالمستشفى العسكري من طرف البوليس، وليس من طرف الجيش أو الدرك.

كانت جهة داخل الدولة قد وعدت المتضامنين مع أديب بتخفيض عقوبته إلى النصف، في أفق العفو عنه لاحقاً، إضافة إلى إيجاد عمل له بعد الإفراج عنه لإعادة إدماجه، لأنه لم يعد ممكناً أن يعود إلى الجيش. فؤاد علي الهمة هو من وعدني بهذا.

بعد إعادة محاكمة أديب، وصدر في حقه حكم بالحبس النافذ لسنتين ونصف، لم يتم العفو عنه كما قيل، والأسوأ من ذلك أنه حُوصر ومُنع من العمل بعد خروجه من السجن. "تكرفصوا عليه مزيان". للأسف، فؤاد علي الهمة ما وفاش بالعهد ديالو.

بعد ما حدث مع أديب، حصل أن نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وقفة احتجاجية أمام سفارة تونس للتنديد بالوضع الحقوقي المتردي على عهد الديكتاتور زين العابدين بن علي. تدخل البوليس بعنف لتفريق هذه التظاهرة، وكان من بين المصابين إصابة بليغة زوجة الراحل إدريس بنزكري، الذي كان النظام حينها على اتصال به لتحقيق نوع من العدالة الانتقالية التي انتهت بتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، كما تم تعنيف الصحفية نرجس الرغاي.

بعد هذه الواقعة اتصلتُ بفؤاد علي الهمة وقلت له: ما يحدث في المغرب أمر لا يعقل ولا ينسجم مع نواياكم في تأسيس دولة تقطع مع ماضي انتهاك حقوق الإنسان. وأضافتُ: واش الراجل جايبينو يحل معاكم المشاكل وجالسين كتخليو يضربو مراتو؟ أقصد زوجة إدريس بنزكري.

أنهيت لقائي معه بالقول: ما تقومون به الآن سيؤدي بكم إلى خلق تازمامارت جديدة. وبالفعل صدق حدسي، وأُسِّس سجن شبيه بتازمامارت، وهو معتقل تمارة.

بعد هذا اللقاء تأملتُ علاقتي بمحيط الملك، فاتضح لي أنني أخطأت التقدير حين اعتقدت بإمكانية وقوع تغيير من داخل الاستمرارية، فإذا بها الاستمرارية من داخل التغيير. حينها قلت لفؤاد علي الهمة: أظهر لي ما بقى لينا ما نقولو.

كتبتُ بعدها مقالاً في "لو جورنال" بالفرنسية، عبارة عن رسالة مفتوحة إلى فؤاد علي الهمة، قلت له فيها: أخبرك من الآن أن تنظفوا الزنازين لأننا قادمون، بمعنى أن النظام سيبدأ في اعتقال الأصوات المزعجة. وقلت له: لن ترتاحوا حتى تعتقلونا. وبالفعل، هذا ما وصلنا إليه لاحقاً.

اتضح أن دائرة الملك لم تكن تريد التغيير نهائياً. لقد تبين لهم أنه إذا ما وقع تقارب بين الملك وأبناء جيله من أمثال محمد الساسي وأبو بكر الجامعي، فلن يبقى لهم وجود وستضيع مصالحهم. لذلك كانوا يرون في الشباب الديمقراطي خطراً محدقاً، وعملوا على عزل الملك عن هذا المحيط.

وصلني أن بعض رموز المحيط الملكي الذي ورثه الملك محمد السادس ذهبوا إليه وقالوا له إن محمد الساسي وأبو بكر الجامعي ومحمد حفيظ يتآمرون مع مولاي هشام ضدك، وهو أمر لا أساس له من الصحة. المستفيدون من ذلك هم المقربون من الملك.

عندما سألتُ فؤاد علي الهمة مرة: لماذا أوقفتم الإصلاحات التي أطلقها سيدي محمد؟ أجابني: إلى خليناكم هي ما بقى مخزن فهاد البلاد.

في الوقت الذي أعلنا فيه على صفحات أسبوعيتي "لو جورنال" و"الصحيفة" القطيعة مع محيط الملك، طوّر عدد من مناضلي اليسار وعلى رأسهم إدريس بنزكري علاقتهم بالدولة، وقدموا مبرراتهم لذلك. كانت هناك طموحات شخصية، ورهان على التغيير رغم كل التجاوزات الخطيرة.

الفرق بيني وبين هؤلاء أنني المناضل الوحيد الذي ابتدأ في اليمين وانتهى في اليسار. تعلمت الماركسية بالبراكسي، بالممارسة لا من الكتب، وكلما تقدمتُ اقتربتُ من النهج الديمقراطي.

حكاية الكولونيل المشرد


أما حكاية الكولونيل الذي شُرّدت عائلته، فتدخلتُ من أجله لدى فؤاد علي الهمة. القصة بدأت عندما دخل شخص إلى مكتبي في "لوبينيون" وقدم نفسه ككولونيل في القوات المساعدة. قال لي إنه أصيب برصاصة في رأسه أثناء عمله في إحدى مناطق الصحراء، وأنه سيموت إن لم تُستخرج الرصاصة.

حكى كيف كان يعيش مع أسرته في سكن وظيفي، قبل أن يُفاجأ بعد عودته من العلاج بأن السكن أُفرغ من أثاثه وشُرّد رفقة أسرته، رغم إصابته أثناء أداء واجبه. قال لي: أنا مزاوق فيك، شوف آش دير لي.

طلبتُ منه الوثائق المهنية والطبية، ثم التقيتُ بفؤاد علي الهمة وقلت له: قبل أي موضوع، هناك كولونيل يعيش التشرد. وأضفتُ: إذا خرج هذا الرجل للإعلام وتحدث عما وقع له، سيتزعزع إيمان الجنود، ولن يبقى أحد مستعداً للموت من أجل الصحراء.

استمع إليّ وقال: ماذا عساي أن أفعل؟ قلت له: أخبر سيدي محمد بحكايته. وبعد أيام اتصل بي الهمة وقال: اعتبر أن مشكلته انتهت، وجدنا له منزلاً.

لكن الوكالة بدأت تماطل، فأخبرتُ الهمة مجدداً. فاطلع الملك على الموضوع، وقال حسب ما نقله لي الهمة: عرفتي آش غادي ندير؟ غادي نشري ليه الدار. وبالفعل اشترى له الملك محمد السادس منزلاً بحوالي 50 مليون سنتيم.

بعد أيام، طرق الكولونيل باب بيتي ليلاً، ومدّ لي ظرفاً فيه مبلغ مالي قائلاً: بغيت نكافئك. ضحكتُ وقلت له: أخويا ما دّيش علي، هادي هي البلاد.

أسوق هذه الحكايات لثلاثة أسباب: أولاً، ليعرف الناس أن المواطنين لا يلجؤون للإعلام إلا بعد انسداد كل الأبواب. ثانياً، لأقول إنني كنت أستغل علاقتي برموز الدولة لحل مشاكل مستعصية لمواطنين. ثالثاً، لأؤكد أن تجربتي علمتني أنه لا يوجد أبيض ناصع ولا أسود قاتم، ومهما كان نقدي للمخزن، فلا يمكنني نزع الطابع الإنساني عنه.

حكاية علاج الطفل


أما حكاية الرجل الذي طلب مني التدخل لعلاج ابنه، فهي قصة غريبة. دخل مكتبي رجل رقيق بحال المسمار، وزوجته غليظة، وبرفقتهما طفل أشقر لا يشبه أياً منهما. قال لي: لا تحسب أنني جئت أطلب مالاً أو عملاً، بل أريد علاج ابني.

اتصلتُ بصديق دراستي مولاي إدريس العلوي، بروفيسور متخصص في جراحة الأطفال، وشرحت له الحالة. بعد ستة أشهر عاد الرجل وزوجته وطفلهما وقد شُفي تماماً.

قال لي الأب: عرفتي علاش بغيتك تداوي هاد الدري؟ باش نضمن ليه المستقبل. قلت له: المستقبل هو المدرسة. فأجابني بجدية: مستقبله يولي شفار، واش عمرك شفتي شفار عندو رجل عوجة؟

محمد بوستة وإدريس البصري


سنة 1993، قيل إن محمد بوستة رفض رئاسة حكومة تضم إدريس البصري. في نظري، الحقيقة أن بوستة كان خبيراً بالمخزن، ويعرف أن أحزاب الكتلة لم تكن تتوفر على الأطر والكفاءات ولا على رؤية واضحة للحكم.

عندما طُرح اسمه لرئاسة الحكومة، توافد عليه أعيان الحزب رفقة أبنائهم طلباً للوزارة، فعرف أنه لن ينجح في قيادة الحكومة. فكان ذكياً وتملص من المسؤولية، ومسحها في إدريس البصري.

هناك حكاية مؤكدة مفادها أن الحسن الثاني قال لبوستة: إلى حيدتي البصري غادي نولي أنا وياك فالمواجهة، وخليه بيني وبينك. وأضاف: إذا ثبت بعد ستة أشهر أنه يعرقل عملك، أعدك بإبعاده.

علال الفاسي و أوفقير

في حوار مع مجلة "زمان" سنة 2013، قال محمد بوستة إن الجنرال أوفقير طلب من الحسن الثاني سنة 1970 إعدام علال الفاسي. المعروف أن علال الفاسي كان ضد التفريط في أي شبر من تراب المغرب، وانتقد استفراد الحسن الثاني بقرارات تمس الوحدة الترابية، مستشهداً بقول جمال الدين الأفغاني: الشعوب يمكنها أن تعيش بدون ملوك، لكن الملوك لا يمكنها أن تعيش بدون شعوب. المفارقة أن أوفقير اقترح قتل علال الفاسي في الوقت الذي كان يخطط فيه لقتل الحسن الثاني نفسه.

علال الفاسي ألّف "الكتاب الأبيض"، ورسم فيه خريطة للمغرب تمتد إلى سان لويس بالسنغال، واستعان في أبحاثه بالمؤرخة الفرنسية أوديت دوبيودو. في المقابل، نشرت صحافة الاتحاد الاشتراكي رسماً كاريكاتورياً يسخر من علال الفاسي لتشبثه بالحدود التاريخية للمغرب.

انتهت هذه الحلقة، وإلى حلقة مقبلة بحول الله.
التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث