مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 05 | لا يا جلالة الملك
في الحلقة الماضية تحدث الجامعي عن كوارث حزب الاستقلال، وفي هذه الحلقة سيتحدث عن أهم قصة، وهي أن الحسن الثاني عرض عليه الاشتغال في الديوان الملكي.
يقول خالد الجامعي إنه دخل مجلس رئاسة حزب الاستقلال خلال المؤتمر الثامن المنعقد سنة 1998، وذلك لثني محمد الدويري على الترشح ضد عباس الفاسي لمنصب الأمانة العامة. وقبل ذلك كان النافذون داخل الحزب قد حسموا في أمر الأمين العام القادم، حيث قاموا بتوجيه أغلبية المؤتمرين للتصويت على عباس الفاسي، وتم كل ذلك باتفاق مع القصر.
أما أنا، فكنت حاضراً في المؤتمر بالصفة، رغم أنني لم أكن أشتغل في التنظيم، ولم يسبق لي قبل هذه المحطة أن كنت عضواً في أحد هياكل حزب الاستقلال، لكن مُنحت لي صفة مؤتمر لكوني رئيس تحرير جريدة لوبينيون، اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال.
وخلال هذا المؤتمر فوجئت بإدراج بعض المؤتمرين لاسمي ضمن لائحة المرشحين للمجلس الوطني، وقد تم التصويت علي بقوة لم أكن أتوقعها، لأحصل على المرتبة الثانية. بعد ذلك، وفي ليلة الترشيح لعضوية اللجنة التنفيذية، وبعدما أُقفل باب الترشيحات، رفعت يدي مازحاً لطلب الترشيح. فسألني محمد بوستة:
«آش بغيتي آ خالد، سير بحالك من هنا»،
فأجبته مازحاً: «باغي نترشح للجنة التنفيذية».
أُخذ كلامي على محمل الجد، وتمت إضافة اسمي إلى لائحة الترشيحات، لأحصل على ما يكفي من الأصوات التي جعلتني أصبح قيادياً في حزب الاستقلال. هنا وجد أعضاء مجلس الرئاسة أنفسهم في حيص بيص، لأنهم قبل المؤتمر كانوا قد حسموا أمر لوائح الترشيح، لكنني في ليلة واحدة صرت عضواً في المجلس الوطني ثم عضواً في اللجنة التنفيذية.
خلال هذا المؤتمر تعرفت على حميد شباط، عرفته من بعيد، ومن خلال بعض المؤتمرين الذين كانوا يتناقشون همساً حول مؤتمري فاس، الذين كانوا مجندين وراء محمد الدويري. لكنني لم ألتقِ به إلى يومنا هذا، ويقصد زمن الحوار سنة 2013، بل لم يسبق لي أن تحدثت معه ولو عبر الهاتف. غير أنني كنت أذهب في عدة مناسبات إلى فاس لإلقاء محاضرات، وبالتأكيد أن حميد شباط حضر واحدة أو أكثر من هذه اللقاءات، إضافة إلى أنني كنت حينها رئيس تحرير لوبينيون.
أما قصة اشتغالي في صحيفة لوبينيون، فتبدأ بقيام علال الفاسي بإلحاقي بديوان وزارة الثقافة. كنت قد أطلعته على رغبتي في العمل بالجريدة، لكنه رأى أنه من الأفضل ألا ألتحق بها في تلك الفترة، لأن محمد ماو برادة كان آنذاك رئيس التحرير. وأذكر أن علال الفاسي قال لي:
«أنت و ماو برادة قباح و غادي تنضيو الصداع».
لذلك اتفق علال الفاسي مع محمد الفاسي على أن أشتغل بوزارة الثقافة. وبالمناسبة، أريد أن أتوقف قليلاً عند شخصية محمد الفاسي، الذي كان حينها وزيراً للثقافة، فقد كان رجلاً ذا ثقافة عالية، درس في فرنسا، وكان بمثابة موسوعة. وأعترف أنني تعلمت خلال اشتغالي إلى جانبه أشياء كثيرة.
أذكر أنه اصطحبني معه في جولة في المغرب كله، وكانت برفقتنا سيدة فرنسية هي العالمة الإثنولوجية أوديت دوبيودو، التي سبق لها أن زارت المغرب سنة 1930 مع صديقتها الرسامة ماريون، وجابت أطراف المغرب من طنجة إلى أقصى الجنوب، قبل أن تعبر إلى موريتانيا. قامت بعمل رائع في جرد تقاليد كل المناطق المتعلقة بالحلي والحناء والأزياء، وأدرجت هذا البحث في كتاب.
والحقيقة أنني مستاء من عدم قيام الدولة المغربية بأي التفاتة اعتراف أو امتنان تجاه اسم أوديت دوبيودو، التي لم تنجز فقط عملاً ثقافياً مهماً عن التراث المغربي، بل ساهمت أيضاً، بفضل تنقلها في مختلف مناطق المغرب، في التعاون مع علال الفاسي حين كان يشتغل على قضية الصحراء، ومدّته بكل ما جمعته من معلومات. أقل ما كان يمكن أن تقوم به السلطات هو إطلاق اسمها على أحد شوارع المغرب.
عندما توفيت أوديت دوبيودو، خلفت وراءها كماً هائلاً من الوثائق لمتحف الآثار. وخلال عملي بوزارة الثقافة، قمنا رفقة الوزير محمد الفاسي وأوديت بجولة إلى المواقع الأثرية في مختلف أنحاء المغرب التي تعود إلى ما قبل التاريخ. وكان محمد الفاسي يحمل معه حقيبة تضم حوالي 2000 قصيدة من تراث الملحون، وقد صدرت له ثماني مجموعات من قصائد الملحون بأمر وتتبع من الحسن الثاني.
قضيت في ديوان محمد الفاسي حوالي سنتين، وكان رئيس الديوان هو الرجل العظيم أحمد الخضر غزال، الذي فعل الكثير من أجل المغرب، ومن بين إنجازاته لوحة مفاتيح الحاسوب باللغة العربية.
حدث مرة أن حاول أحد المحتالين الإنجليز، بتواطؤ مع بعض العاملين في القصر، سرقة تحف برونزية من متحف الآثار بالرباط، واستبدالها بنسخ مزورة. توصلت بمعلومات من أصدقائي العاملين بالمتحف، فقررت فضح الأمر إعلامياً، ونشرت مقالاً في لوبينيون باسم مستعار هو «السعار»، فقامت الدنيا ولم تقعد، وتم إفشال العملية قبل سنة 1971.
بعد انتقال وزارة الثقافة، اقترح علي محمد الفاسي الاشتغال بوزارة الإعلام، لكنني رفضت، لأنني كنت أؤمن بإمكانية النهوض بالثقافة من الداخل، واقترحت إنشاء قناة ثقافية، لكن المشروع قوبل بالسخرية. وهكذا خلصت إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن تغيير المخزن من الداخل، بل هو الذي يغيرك.
انتقلت إلى العمل بجريدة لوبينيون بأجر لا يتجاوز 1200 درهم، وتكلفت بالصفحة الثقافية التي حولتها تدريجياً إلى صفحة سياسية. وكنت أنشر مقالات عن ماركس ولينين والثورات، رغم أنني أشتغل في صحيفة حزب محافظ.
سنة 1972، اعتقل عبد اللطيف اللعبي، ووجدت نفسي مضطراً للدفاع عنه، رغم اعتراض الجريدة. وبعد صراع داخلي، نُشر الخبر بدعم من عبد الجبار السحيمي. وفي سنة 1987، رافقت وفداً مغربياً إلى الجزائر لحضور المجلس الوطني الفلسطيني، لنتفاجأ بحضور وفد البوليساريو، ما أدى إلى انسحاب الوفد المغربي.
وفي طريق العودة، على متن الطائرة الخاصة بالحسن الثاني، أخبرني المستشار الملكي أحمد بنسودة بأن الملك عرض علي العمل في الديوان الملكي. وبعد تفكير، اعتذرت عن العرض، مستحضراً وصية نسبتُها لوالدي مفادها:
«ما عمرك تصدّق على الدار الكبيرة، لا يضربك الله الكبير». وهكذا انتهت الحكاية.
انتهت الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





