شهادات عن هجومات البوليساريو على أقا و أم العلق إقليم طاطا | الجزء 11
عبد القادر أولعايش
جاء دور دوار أكادير أوزرو بعدما كان لنا موعد في الأجزاء العشرة السابقة من شهادات عن هجومات البوليساريو على مناطق أم العلق، و القبابة، و استهداف مدرسة القلعة بمركز أقا، ثم استشهاد مديرها عبيد الزكاغي، و سنتركك أيها القارئ لمتابعة شهادات مختلفة لسكان أكادير أوزرو الذين عاصروا الحدث، محترما تباين المستوى العمري للرواة، و سنقدم في هذا الجزء خلاصة ما أفادنا به م أحمد الجعفري انطلاقا مما تختزنه ذاكرته و ما كان يسمعه عن والده المرحوم إبراهيم الجعفري، إضافة إلى ما قدمه الاستاذ أحمد الغازي من توضيحات عن لا تقل أهمية عن هذا الهجوم.
ليلة الهجوم كان أهل أكادير أوزرو في سهر بحفل زفاف ... و إبراهيم الجعفري اكتشف بمنظاره المرتزقة تقصف المدشر
استهدف دوار أكادير أوزرو كغيره من الأماكن القريبة من مركز أقا بهجومات البوليساريو بعد فجر يوم 25 يناير 1980، و يتذكر أحمد الجعفري أن سكان أكادير أوزرو عادوا قبل حلول ذلك الفجر بقليل من حفل ساهر بمناسبة زفاف شاوف هشوم (الهاشم) اومحمد أوبراهيم، هذا الزفاف سيبقى علامة يستحضرها كل من يريد التأريخ لحدث الهجوم.
و يضيف الجعفري أن والدته استفاقت ذلك الفجر و هي تعد وجبة الفطور على دوي صوت مدفعي قادم من جهة الجنوب، و كانت حينها توقظ والده الذي طمئنها مستبعدا فرضية هجوم من طرف عدو يستهدف المدشر، و أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى صدى عمليات التدريب التي يقوم بها الجيش المغربي جنوب أقا، فقد جرت العادة آنذاك و إلى عهد قريب أن تسمع بمركز أقا و المداشر المحيطة به أصوات المدفعية و الرمي بالرصاص المعروف عند المحليين ب"التير tire" الناتج عن هذه التداريب.
و زاد الشاهد بأن والده بعدما بدأ صوت الرصاص يسمع بحدة مع شروق شمس ذلك اليوم، استعمل منظارا كبيرا من الطراز القديم و مصنوع من النحاس، ليتأكد فعلا بان الأمر يتعلق بتهديد من المرتزقة الذين أصبحوا على مشارف دوار القبابة و يستهدفون أكادير أوزرو بقذائفهم، مضيفا أن والده أمر والدته بإيقاظ باقي إخوته، و في تلك اللحظة خرج الشاهد من البيت تائها عن أسرته بعدما أرعبته حقيقة ما سمع، ليجد نفسه بين سكان المدشر الذين بدأوا يتوجهون إلى حقول الواحة للحماية.
استشهد على إثر الهجوم ثلاثة مدنيين ... و العدو استطاع الدخول إلى وسط اكادير أوزرو
يؤكد السيد الجعفري المولع بتسجيل ما أمكنه من المعطيات المتعلقة بتاريخ بلدته، أن هجوم 25 يناير 1980 خلف ثلاثة شهداء مدنيين من سكان أكادير أوزرو، و يتعلق الأمر بكل من الحسن أوحمام الجعفري، و دا بارا (مبارك) أوماري، ثم دا أوسوس. و نفس العدد و الاسماء أكده الاستاذ أحمد الغازي في ما قدمه من إضافات، و الأمر نفسه تتفق حوله كل الروايات التي جمعناها من سكان المدشر.
و يروي الشاهد الجعفري أنه عاد إلى المدشر قادما من حقول الواحة حوالي الساعة 11 صباحا، حيث انسحبت فلول العدو و بدأ الهدوء يسود المكان، و أول ما يمكن أن ينبهر له القاطن بالمدشر في ذلك الوقت، أن العدو استطاع بسهولة التوغل إلى عمق الدوار و بدون مقاومة تذكر، و هي نفس الملاحظة التي أكدها الشهود بكل من أم العلق و القبابة حول الهجوم على المدشرين، مضيفا أن فلوله وصلت إلى حدود المكان المعروف ب "تيكرار ن سحابة".
الشهيد أوحمام طلب مني مده بالماء متأثرا بالإصابة ... و استشهد بعد نقله إلى مركز أقا
في تلك اللحظة يقول صاحب الشهادة أنه وجد الحسن أوحمام الجعفري بالقرب من مسجد أكادير أوزرو ملقى على الأرض بعد إصابته برصاص العدو و هو يرتدي جلبابه في لون البزة العسكرية، و يحكى عند أهل أكادير أوزرو أنه اصابه بعض اختلال في ذلك الوقت، و قد أكد أحمد الغازي نفس الشيء في توضيحاته، و بينما كان يطل من شرفة في المسجد، رصدته عيون المرتزقة فاستهدفته ربما ضنا أنه أحد عناصر القوات المسلحة المغربية أو مسلح يتحين اللحظة للرد على اقتحام المدشر.
و يضيف م أحمد الجعفري أن أوحمام كان لايزال على قيد الحياة، و أنه طلب منه شخصيا مده بكمية من الماء حيث كان من أول العائدين إلى المدشر بحثا عن عائلته، و بعدما عاد من المسجد جالبا المياه سيجد مجموعة من الرجال حول الضحية، من بينهم المرحوم الحاج مولود أولك و عبد الصمد الجعفري الذين طلبوا منه مغادرة المكان فورا حسب ما يتذكره الشاهد، فالفتيان في عمره عادة ما لا يسمح لهم بمعاينة مثل تلك المشاهد المرعبة. و قد نقل الضحية على متن سيارة تابعة للقوات المسلحة لتصل بعد ذلك انباء استشهاده في مركز أقا.
استشهد أوماري و هو يمنع المرتزقة من دخوله بيته
و في الموقع المعروف بتاملالت بمدشر أكادير أوزرو استشهد دا بارا (مبارك) أوماري، و تجدر الإشارة أنه عاد من مدينة الرباط في ذلك العهد للاستقرار بمدشره بعد حصوله على التقاعد كموظف حكومي.
لقد كان الشهيد حسب الروايات و التي يتذكرها الشاهد يرفض فكرة مغادرة بيته فرارا من الهجوم رغم إصرار زوجته، لكن بعدما يئس وحيدا في البيت، و أمام اشتداد القصف و احساسه بدنو العدو، حاول الخروج من بيته ليجد عصابات البوليساريو أمامه، و حين هم بالعودة لبيته أطلقت المرتزقة الرصاص في اتجاه صدره فأردته قتيلا.
و يضيف الغازي أن إطلاق الرصاص على الشهيد أوماري كان نتيجة دخوله في عراك بالأيادي مع العصابات الغازية للمدشر، لمنعها من دخول منزله الذي كانت تستهدف نهب ما به من ممتلكات، و هي تحاول اقتحامه بالقوة دون أدنى عناية بكرامة صاحبه.
استشهد دا أوسوس و هو يراقب تحركات البوليساريو ... و وجدت جثته وسط بركة من الدماء
و غير بعيد عن مكان استشهاد أوماري كانت جثة الشهيد دا أوسوس تغرق وسط بركة من الدماء، و تجدر الإشارة إلى أن دا أوسوس هو والد الأستاذ الشهير علي أسوس الذي يعمل حاليا مديرا بإحدى المدارس الابتدائية بنواحي إسافن.
و يحكى عند من عاصروا الشهيد و الأحداث عن قرب كما يتذكر الجعفري، أن دا أوسوس لم يكترث بالهجوم، فحاول كعادته تناول مادة التبغ من "السبسي" في مكان ما بالدوار، فلمحته عصابات البوليساريو و طلبوا منه الانصراف، و لما أصر على البقاء في مكانه استهدفته بنيرانها ليسقط شهيدا.
و قد أضاف الغازي أن الشهيد أوسوس رجل متقدم في السن و كان شجاعا، و من بين الذين رفضوا فكرة اللجوء إلى الحقول حماية من الهجوم، بل يروى أنه استغرب في تلك اللحظة لما حدث و كيف تمكنت البوليساريو من اقتحام المدشر بتلك البساطة، فظل يراقب من مكان ما تحركات العدو و عمليات النهب التي تقوم بها فلوله، و لما رصدته أعينهم و تزايدت شكوكهم في هويته قاموا برميه بأعيرة نارية ليستشهد في الحين.





