مذكرات التهامي الكلاوي |الحلقة 01 كيف صعد نجم الكلاوي في دار المخزن؟
في هذا الشهر الكريم قررنا نفتح معكم واحد من أثقل الملفات في الخزانة التاريخية المغربية المعاصرة، ملف كيتعلق بشخصية خلدات اسمها إما بمِداد من ذهب تارة، أو بمِداد من دم تارة أخرى، أو بمِداد من الجدل الدائم والمستمر. هذه الشخصية هي **الباشا التهامي الكلاوي**. لكن هذه المرة، الحكاية مختلفة.
ما غاديش نهضرو باللي كاين في الكتب المدرسية، ولا باللي كيروج عند عموم الناس بلا دليل. اليوم غادي ندخلو لقلب القصر، ونجلسو نسمعو الحكاية من وسط العائلة نفسها، وبالضبط بلسان واحد من أولاد الكلاوي: عبد الصادق المزواري. هذا الأخير قرر، بعد صمت طويل، يكتب كتاب بعنوان دال: **«الأوبة» (الرجوع)**.
«الأوبة»: وثيقة لا كتاب ذكريات
هذا الكتاب ماشي مجرد أوراق جمعها ولد الكلاوي، بل وثيقة تاريخية كتحاول تنبش في المسكوت عنه، وترمي حجرًا كبيرًا في البركة الراكدة، بغرض تصحيح صورة ظلت محبوسة في أذهان المغاربة لعقود طويلة.
وقبل ما ندخلو في غمار الجدل المرتبط بهذه الشخصية، ارتأينا نبدأ بتقديم بالغ الأهمية، كتبه واحد من عمالقة التاريخ في المغرب، الدكتور **عبد الهادي التازي**، الرجل الذي تعتبر كلمته ميزانًا، وشهادته توثيقًا.
شهادة عبد الهادي التازي: حين يهتز اليقين التاريخي
الدكتور عبد الهادي التازي، بقيمته العلمية وعضويته في أكاديمية المملكة، يفتتح هذه الرحلة بكلمات بالغة الدلالة.
يقول إن هناك أحداثًا تاريخية عشناها البارح القريب، وكنا نظن أننا نتحكم في كل خيوطها، ونعرف كل خباياها من البداية إلى النهاية، حتى ألّفنا فيها الكتب ونشرنا حولها الأبحاث.
لكن فجأة، وبدون موعد، ينزل كتاب من هذا النوع، كتاب وثيقة، يخليك توقف في اندهاش وتقول: *ياك ما كنت ناعس وما عارف شنو واقع؟*
ويعترف التازي أن هذا هو الإحساس الذي انتابه حين قرأ مذكرات عبد الصادق المزواري.
1950: الصدام الذي غير مجرى التاريخ
يرجع بنا التازي إلى شبابه، إلى زمن كانت فيه الغيرة الوطنية مشتعلة، وكان نفوذ التهامي الكلاوي حديث المغرب كله.
جريدة «الأطلس»، لسان حال الحركة الوطنية، كانت تصفه بـ**«المقيم العام الأسمر»**، في تشبيه مباشر بخطورة الرجل على التوازن السياسي. ويتوقف التازي عند يوم أسود في الذاكرة المغربية: السبت 23 دجنبر 1950 (2 ربيع الثاني 1370 هـ)**، يوم الصدام العنيف بين السلطان **محمد الخامس** والباشا الكلاوي.
ذلك الصدام، يقول التازي، جاء كهدية من السماء للإقامة العامة الفرنسية، التي كانت تبحث عن شرخ تضرب به وحدة العرش، خاصة بعد خطاب 18 نونبر 1950، خطاب عيد العرش، الذي طالب فيه الملك بالسيادة الكاملة والديمقراطية.
فرنسا والبحث عن ذريعة
فرنسا، التي “طار ليها الفريخ”، وجدت في صراع السلطان مع الكلاوي فرصة ذهبية. بدأ التحريض على القواد الكبار، وخلق الفوضى، وزعزعة استقرار البلاد، تمهيدًا لضرب العرش.
ويحكي التازي عن أجواء باريس في صيف 1952، حين ناقش القضية المغربية مع نخب فرنسية كانت ترى في الكلاوي “حامي مصالح المغرب”، بينما كان هو يدافع عن موقف الملك، محذرًا فرنسا من خطأ تاريخي قاتل.
المشهد الذي خلدته الذاكرة، وخلده التازي، وقع في قصر سان جرمان بفرنسا، يوم 7 نونبر 1955.
الملك يعود من المنفى، والباشا الكلاوي يسجد بين يديه، طالبًا الصفح. و جواب محمد الخامس كان درسًا في الوطنية والسمو الأخلاقي:
«المغاربة ما فيهم حتى خائن، وإنما كانوا ضحايا استعمار ذكي وشرير… ونحن اليوم محتاجون لكل يد لبناء المغرب الجديد بلا حقد ولا انتقام».
في مذكراته، يوضح عبد الصادق أنه لا يسعى لتلميع صورة والده، ولا لتبرير أخطائه، ولا للرد على الحقد الأعمى، ولا على التمجيد المبالغ فيه.
يقول بوضوح:
> «أنا هنا باش نحط بين يديكم العناصر اللي بقات مخبية، باش نديرو دراسة موضوعية، ونصححو بزاف ديال الأغلاط اللي ولات بحال الحقيقة المطلقة».
ويطرح سؤالًا مؤلمًا:
هل هذا الحقد المتواصل على اسم الكلاوي حقد حقيقي، أم مجرد إحباط سياسي لمن خابت حساباتهم؟
الأصل، النسب، والشرعية المخزنية
يفرد عبد الصادق مساحة واسعة لتوضيح أصول العائلة، ويرد على من يقول إن الكلاويين “جاؤوا من العدم”.
يؤكد أن الأسرة تنتمي إلى سلالة الولي الصالح **سيدي محمد بن صالح** بأسفي، ونسبها يصل إلى الخليفة **عمر بن عبد العزيز**. البيعة للعلويين كانت، حسبه، حجر الزاوية في شرعية الأسرة، منذ عهد مولاي رشيد ومولاي إسماعيل.
من الزاوية إلى القصبة: تلوات مركز السلطة
استقرت العائلة في تلوات منذ القرن السابع عشر. بدأت زاوية علم وعبادة، ثم تحولت إلى قصبة حصينة ومعسكر يتحكم في الطرق التجارية والعسكرية.
شخصية **القائد محمد المزواري (تبيبط)** أعادت الهيبة للأسرة، وربّت أبناءها على خدمة المخزن، وعلى رأسهم السي المدني والحاج التهامي.
السي المدني والحاج التهامي: صراع جيلين داخل النخبة
السي المدني يمثل النخبة التقليدية، المتشبثة بمنطق المخزن القديم.
الحاج التهامي يمثل النخبة البراغماتية، التي فهمت أن زمن الحماية فرض قواعد جديدة. وفاة السي المدني سنة 1918 كانت لحظة التحول الكبرى:
منذ تلك اللحظة، أصبح التهامي الرجل القوي في الجنوب، بدعم المخزن وفرنسا، وحكم نصف المغرب تقريبًا.
النخبة حين تتحول إلى مخزن موازٍ
هذه الحلقة وضعت الأساس لفهم شخصية التهامي الكلاوي:
لم يأتِ من فراغ، بل من عائلة مخزنية ضاربة في التاريخ، تربطها بالعرش علاقة ولاء ومصلحة متبادلة.
لكن الخطر يبدأ حين تتحول النخبة الوسيطة إلى قوة مستقلة، إلى **مخزن داخل المخزن**، وهو ما يفسر وصفه بـ«المقيم العام الأسمر».
ويبقى السؤال مفتوحًا:
كيف انتقل هذا الخادم المخلص للعرش إلى مواجهة مباشرة مع محمد الخامس سنة 1950؟
هل فرنسا هي المحرّض؟ أم الطموح الشخصي؟ أم سر أعمق تكشفه المذكرات في الحلقات القادمة؟
يتبع…





