لماذا تريد الشركات الكبرى القضاء على “مول الحانوت” في المغرب؟

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 لماذا تريد الشركات الكبرى القضاء على “مول الحانوت” في المغرب؟

لماذا تريد الشركات الكبرى  القضاء على “مول الحانوت” في المغرب؟


في علم الاقتصاد، توجد مفارقة معروفة باسم المحيط الأزرق والمحيط الأحمر (Blue Ocean & Red Ocean). يشير المحيط الأحمر إلى الأسواق التي تعرف منافسة شرسة بين شركات عملاقة، حيث يصبح السوق مشبعاً ويشتد الصراع على الزبناء، بينما يرمز المحيط الأزرق إلى الأسواق الجديدة أو قليلة المنافسة، التي توفر فرصاً كبيرة للنمو بهدوء.

قبل حوالي عام، تم التطرق في تحليل سابق إلى تجربة شركة BIM وكيف استطاعت، لسنوات طويلة، السيطرة على سوق غني بالفرص والأرباح دون منافسة حقيقية. يتعلق الأمر بسوق متاجر القرب أو الهارد ديسكاونترز، وهو السوق الذي كان منافسه الوحيد تقريباً هو «مول الحانوت». وبحكم محدودية الإمكانيات المالية والتنظيمية للحوانت التقليدية، لم تكن قادرة على مجاراة شركة كبرى مثل BIM.

آنذاك، كان هذا السوق يُعد محيطاً أزرق، مع الإشارة إلى إمكانية تغيّر الوضع في حال دخول منافس جديد، خاصة بعد بروز شركة مصرية تُدعى كازيون، التي بدأت توسعها خارج مصر.

غير أن المفاجأة الكبرى تمثلت في أن الوضع تغيّر جذرياً خلال سنة واحدة فقط. فالسوق الذي كان محيطاً أزرق، تحوّل بسرعة إلى واحد من أكثر الأسواق تنافسية في المغرب. فقد دخلت إليه شركات كبرى دفعة واحدة: مرجان عبر مرجان سيتي، كارفورعبر سوبيكو، U عبر U Express، و رجل الأعمال منصف الخياط عبر مونو بري وفران بري، إضافة إلى تسريع كازيون لوتيرة استثماراتها وتوسعها في المغرب.

هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية: كيف لسوق احتكرته شركة تركية لمدة 14 سنة (من 2009 إلى 2023) دون منافسة حقيقية، أن يتحول فجأة إلى ساحة صراع بين عمالقة التجارة؟ ولماذا قررت هذه الشركات الدخول إلى سوق تعرف مسبقاً أنه أصبح شديد التنافس؟

نموذج BIM في تركيا


في سنة 1995، افتتحت BIM أول متجر لها في تركيا، معتمدة نموذجاً تجارياً لم يكن شائعاً آنذاك في الدول النامية، وهو نموذج **الهارد ديسكاونت**. تقوم هذه المتاجر ببيع المواد الأساسية نفسها الموجودة في الحوانت والسوبرماركت، ولكن بأقل سعر ممكن في السوق.

ويعتمد هذا النموذج على تقليص كل ما يمكن أن يرفع تكلفة المنتج، وذلك عبر ثلاث ركائز أساسية:

1. تقليص تكاليف التجهيز

تعتمد متاجر الهارد ديسكاونت على محلات صغيرة تتراوح مساحتها بين 150 و300 متر مربع، مع تجهيز بسيط دون رفوف معقدة أو عرض فاخر للمنتجات، حيث توضع السلع غالباً في علبها الكرتونية، مما يقلص تكاليف التهيئة والتسويق داخل المتجر.

2. تقليص تكاليف الموارد البشرية

تصميم هذه المتاجر يفرض مساراً واحداً للزبون، من الدخول إلى الخروج، ما يسمح بعرض أكبر عدد من المنتجات بأقل عدد من العمال، غالباً شخصين أو ثلاثة فقط، دون الحاجة إلى حراس أمن أو طاقم كبير.

3. تقليص ميزانية التسويق

لا تستثمر هذه الشركات كثيراً في الإشهار، بل تعتمد على الأسعار المنخفضة لجذب الزبناء، مع الاكتفاء بنشرات العروض الأسبوعية (Flyers) التي تشجع المستهلكين على العودة بشكل مستمر.

هذا النموذج كان مثالياً للسوق التركية، حيث يُعرف المستهلك بحساسيته الكبيرة للسعر، وهو ما جعل BIM تحقق نجاحاً كاسحاً، وتصل إلى أكثر من 11 ألف متجر داخل تركيا.

دخول BIM إلى المغرب


في سنة 2009، استغلت BIM **اتفاقية التبادل الحر بين تركيا والمغرب**، التي تسمح بمرور السلع والاستثمارات بسهولة كبيرة، وافتتحت أول متجر لها في المغرب. وبفضل تشابه العادات الاستهلاكية ومستوى الدخل بين السوقين المغربي والتركي، نجحت BIM في تكرار التجربة نفسها.

لمدة 14 سنة، سيطرت BIM على السوق المغربية دون منافسة حقيقية، ونجحت في كسب ولاء الزبناء، رغم بعض الخلافات الإدارية والتنظيمية.

الخطأ الاستراتيجي: مصر وكازيون


في 2014، قررت BIM دخول السوق المصرية، مستفيدة أيضاً من اتفاقية التبادل الحر مع تركيا. لكن نجاحها السريع هناك أثار حفيظة رجال الأعمال المصريين، ما أدى إلى إطلاق شركة **كازيون** في السنة نفسها، بنفس نموذج الهارد ديسكاونت.

اندلعت حرب شرسة بين الشركتين في مصر، استمرت لسنوات، وبلغت ذروتها في 2023. وفي خطوة استراتيجية، قررت كازيون نقل المعركة إلى سوق جديد: **المغرب**.

لماذا استيقظت الشركات الكبرى؟

دخول كازيون إلى المغرب كان بمثابة جرس إنذار. فقد بدأت الشركات المغربية والأجنبية تتساءل: لماذا تستثمر شركة تركية منذ 2009، ثم شركة مصرية منذ 2014، ملايين الدراهم في هذا السوق؟

هنا تظهر ظاهرتان اقتصاديتان:

* **العملاق النائم (Sleeping Giant):** سوق مهمل لفترة طويلة يمكن أن يستيقظ فجأة عند حدوث تغيير استراتيجي.
* **التقليد الاستراتيجي (Strategic Copycat):** عندما يقوم فاعل رئيسي بخطوة استراتيجية، يتبعه الآخرون بسرعة.

إضافة إلى ذلك، ساهم **التضخم المرتفع في 2022 و2023** في تغيير سلوك المستهلك المغربي، حيث أصبحت حتى الطبقة المتوسطة والعليا تبحث عن التوفير، ما شجع توسع متاجر القرب في أحياء راقية مثل المعاريف وأكدال.

كما لعب **العقار التجاري** دوراً مهماً، إذ أصبح من الصعب إيجاد مساحات كبيرة للهايبرماركت، في مقابل توفر محلات صغيرة شاغرة بعد جائحة كورونا.

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي، حيث رأت بعض المجموعات المغربية الكبرى ضرورة الدفاع عن موقعها في سوق أصبح تسيطر عليه شركات أجنبية.

هذا التنافس الشديد يصب في مصلحة المستهلك من حيث الأسعار والعروض والقرب. لكن المتضرر الأكبر يبقى **مول الحانوت**، الذي لم يعد يملك سوى العلاقات الإنسانية والقرب الاجتماعي، وهي عناصر لم تعد كافية وحدها لضمان الاستمرار.

أمام هذا الواقع، يجد مول الحانوت نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما:

* إما تطوير نموذجه والاقتراب من نموذج الهارد ديسكاونت.
* أو مواجهة اندثار تدريجي مع مرور الوقت.


التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث