مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 16 | لماذا لم يركع الكلاوي

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 16 | لماذا لم يركع الكلاوي

مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 16 | لماذا لم يركع الكلاوي

في الحلقة الماضية تحدث عبد الصادق الكلاوي عن تهميش والده الذي لم يرافق وفد السلطان سنة 1950، ثم روى قضية الشيخ بوجان الذي تعرض لمضايقات شديدة، حيث طالب محمد الخامس أبناء الكلاوي بإحضاره، لكنهم رفضوا ذلك.

في هذه الحلقة يروي عبد الصادق سياق المواجهة المباشرة بين الكلاوي والسلطان، وما دار بينهما من كلام داخل القصر الملكي، وما كانت العقوبة التي أصدرها السلطان، وكيف كان رد الكلاوي.

يقول عبد الصادق إن الهدنة التي أعقبت ذلك لم تكن طويلة، لأن الجنرال جوان كان يعتزم استغلال دورة الشتاء لمجلس الحكومة ليقوم بخطوة لا رجعة فيها ويشعل فتيل الصراع. وكان من المعروف أن المقررين الاستقلاليين كانوا في تلك المناسبة يهيئون تدخلات من شأنها إثارة غضب المقيم العام.

وفي يوم 12 دجنبر طُرد بعنف من الجلسة السيد محمد الغزاوي بعدما مُنع من قراءة تقرير الأشغال العمومية. وما إن خرج حتى تبعه جميع المستشارين الوطنيين الذين توجهوا مباشرة إلى السلطان، فاستقبلهم في الحال.

وكان هدف الإقامة العامة أن تُقدَّم هذه الحادثة على أنها تعبير عن اتفاق مسبق بين القصر وحزب الاستقلال، وأن ممثلي الحزب في مجلس الحكومة تحركوا بتنسيق مع السلطان.

أما باشا مراكش الكلاوي، الذي كان عضواً في المجلس بحكم القانون، فقد فسر تقارير الوطنيين وكأنها موجهة ضده شخصياً. ومع ذلك وعد المقيم العام بأنه لن يرد عليهم أثناء الجلسة، لأن الجنرال جوان كان قد تعهد مسبقاً بألا يسمح لأحد بتوجيه النقد أو الإساءة إلى أصدقاء فرنسا.

وكان جوان مطلعاً مسبقاً على تدخلات المستشارين المقررين، ولذلك لم يكن ما وقع مفاجئاً بالنسبة له.

بعد نهاية الجلسة تمكن المقيم العام بسهولة من إقناع الباشا بأن اللقاء الذي خص به السلطان محمد الغزاوي والتفاهم الذي وقع بينه وبين حزب الاستقلال كان موجهاً ضده. وأضاف أن هذه الوضعية تعود إلى الزيارة التي قام بها السلطان إلى باريس، حيث جرى هناك ما يشبه العهد الفعلي بينهم، وأن أول أهداف ذلك العهد هو تقليص دور الكلاوي.

وأكد المقيم العام أن عدم إدراج الكلاوي ضمن وفد السلطان المشارك في المحادثات بباريس لم يكن صدفة، بل كان قراراً مقصوداً من السلطان.

وكان الجنرال دوت هوفيل، المسؤول عن ناحية مراكش، مكلفاً من طرف الإقامة العامة بالحفاظ على غضب الباشا تحت السيطرة عند عودته إلى مراكش، بينما كُلِّف بون فاس بالمهمة نفسها خلال إقامة الباشا المتكررة في الدار البيضاء.

لم يبقَ على عيد المولد النبوي سوى عشرة أيام، وهي المناسبة التي كان من المتوقع أن ينفجر فيها الخلاف خلال المقابلة التي سيخصصها السلطان لباشا مراكش. وكانت أحداث أكتوبر تشكل مادة كافية لانفجار الأزمة، وهو ما جعل الإقامة العامة تهيئ بدقة القطيعة التي ستقع بين السلطان والباشا يوم الأربعاء 23 دجنبر 1950.

ويورد عبد الصادق مقتطفات من مذكرات الرئيس الفرنسي فانسان أوريول، الذي كتب عن زيارة سلطان المغرب إلى فرنسا ما بين 5 و8 أكتوبر، حيث كان الجزء الأول من الزيارة رسمياً والثاني شخصياً.

ومن 10 إلى 15 أكتوبر كان السلطان ضيفاً على الرئيس أوريول في قصر الإليزيه. ويذكر أوريول أنه وجد نفسه في وضع محرج عندما طلب السلطان مقابلة مباشرة مع الحكومة الفرنسية.

كما نظم الرئيس مأدبة عشاء على شرف السلطان، وكان من المنتظر إلقاء خطابات احتفالية، غير أن السلطان طلب حذف بعض الجمل من الخطاب حتى لا تسبب له مشاكل، فلبّى الرئيس طلبه.

وخلال اللقاءات التي أعقبت ذلك عبر السلطان عن رغبته في أن تحترم فرنسا روح معاهدة الحماية، وأن يتم تسيير المغرب تدريجياً نحو الإصلاحات التي تسمح للمغاربة بتولي شؤونهم.

كما أبدى استياءه من فئة من الجالية الفرنسية التي كانت تفرض سلطتها بشكل مباشر وتتصرف وكأن المغاربة غرباء في بلادهم.

وأكد السلطان أن ما يجري لا يشبه الحماية بل هو إدارة مباشرة تخالف روح المعاهدة.

ويذكر أوريول أنه لاحظ أن مصالح الإقامة العامة كانت تتصرف ببلادة سياسية، إذ لم تحمِ السلطان ولم تحترم مكانته، بل كانت تمارس عليه ضغوطاً وإهانات متكررة.

بعد ذلك يواصل عبد الصادق الكلاوي روايته للأحداث المرتبطة بعيد المولد النبوي. ففي هذه المناسبة يصطف البشوات والقواد القادمون من مختلف أنحاء المملكة مع وفودهم على جانبي الممر الذي يمر منه السلطان، فيحيونه واحداً تلو الآخر.

وفي اليوم الموالي تُقام مراسم تقديم التهاني الشخصية من طرف الأعيان والشخصيات البارزة في المملكة وأفراد العائلة الملكية والعلماء والبشوات والقواد.

وقد حضر الكلاوي الاحتفال الأول، ثم توجه في اليوم التالي إلى القصر ليقدم التهاني والهدايا الشخصية للسلطان.

وفي الليلة التي سبقت ذلك كان ولي العهد مولاي الحسن قد دعا الكلاوي إلى حفل أقامه في مقر إقامته بالسويسي بحضور الأمير مولاي عبد الله. وكان الكلاوي يكن تقديراً كبيراً للأمراء ويحرص دائماً على إظهار مودته لهم.

لكن ما وقع في اليوم التالي لم يكن يخطر ببال أحد.

يروي عبد الصادق أن اللقاء بين السلطان والباشا جرى دون شهود، غير أن من كانوا خارج القاعة سمعوا ارتفاع الأصوات، ما يدل على أن المقابلة كانت عاصفة.

وبعد خروجه من القاعة توجه الكلاوي مباشرة إلى الفندق الذي كان يقيم فيه بالرباط.

ويقول الكلاوي، حسب ما رواه لأبنائه لاحقاً، إن السلطان كان يريد أن يقتصر اللقاء على تبادل التهاني بمناسبة المولد النبوي، لكن الباشا أصر على إثارة موضوعين:
الأول ما وقع للغزاوي في مجلس الحكومة، والثاني أحداث مسفيوة.

وقال الكلاوي للسلطان إن الوطنيين يسيئون إلى البشوات والقواد، وأن ذلك يمس العرش نفسه.

لكن السلطان رد عليه بحزم قائلاً إن هؤلاء الذين يصفهم بالصعاليك هم مغاربة مثله، وإنه واثق من إخلاصهم للعرش والوطن.

عندها اشتد غضب الكلاوي، واستمر في انتقاد الوطنيين. ولما رأى السلطان أنه تجاوز حدود اللياقة آثر الصمت وتركه يتكلم حتى هدأ.

وبعد انتهاء اللقاء صدر القرار السلطاني الذي يقضي بحرمان الكلاوي من الظهور في القصر الملكي حتى إشعار آخر.

وقد كلف السلطان الصدر الأعظم المقري بإبلاغ القرار، وهو ما شكّل أكبر إهانة في حياة الكلاوي.

لكن التطور الأخطر وقع عندما قرر الكلاوي صرف وفود القبائل التابعة له ومنعها من حضور حفل البيعة في ذلك اليوم، وهو أمر اعتُبر خرقاً خطيراً للتقاليد المخزنية.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الكلاوي مغضوباً عليه علناً، وبدأت الإقامة العامة تستغل الأزمة لتحقيق أهدافها.

ويؤكد عبد الصادق أن والده كان شديد الإيمان والتدين، وكان يعتبر طاعة السلطان جزءاً من الطاعة الدينية. وكان يردد دائماً الآية الكريمة:
وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.

كما كان حريصاً على أداء الصلوات الخمس، ولا يتخلف عن صلاة الفجر، ويؤدي صلاة الجمعة بانتظام في مسجد الكتبية بمراكش.

وكان كثير الصدقات، يوزع الأضاحي في عيد الأضحى، ويقيم موائد الإفطار للفقراء في شهر رمضان، كما أدى فريضة الحج عدة مرات.

ويختم عبد الصادق هذه الحلقة بالقول إن والده بعد قطيعة 23 دجنبر عاش حالة من تأنيب الضمير العميق، لأن البيعة التي قطعها كانت في نظره رباطاً دينياً مقدساً.

ولم تنتهِ تلك الأزمة في نفسه إلا بعد سنوات طويلة، عندما سمع كلمات العفو من السلطان محمد الخامس سنة 1955.


التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث