قراءة في المجموعة القصصية: نحن والحمير في المنعطف الخطير

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 قراءة في المجموعة القصصية: نحن والحمير في المنعطف الخطير

قراءة في المجموعة القصصية: نحن والحمير في المنعطف الخطير


اليوم نسلط الضوء على مجموعة قصصية خفيفة وجميلة لكاتب يمني شاب يُدعى "محمد مصطفى العمراني". ورغم أن الكاتب قد لا يكون ذائع الصيت، إلا أن هذه المجموعة حازت على إحدى جوائز القصة القصيرة المخصصة للشباب في دولة الكويت. هي قراءة ممتعة يمكنك إنهاء صفحاتها في نصف ساعة تقريباً، لكن أثرها سيمتد في ذهنك لفترة أطول.


تحمل المجموعة عنوان "نحن والحمير في المنعطف الخطير"، وهو في الواقع عنوان لإحدى القصص الست عشرة التي يضمها الكتاب، وهي بلا شك أجملها وأكثرها عمقاً. يذكرني هذا الأسلوب ببعض المجموعات القصصية للكاتب "الطاهر بن جلون"، حيث تُتوج أفضل قصة في المجموعة لتصبح عنواناً للكتاب بأكمله.

في هذه المراجعة، سأركز حصرياً على قصة العنوان، وسأضطر آسفاً لكشف أحداثها وتفاصيلها، نظراً لما تحمله من دروس مجتمعية عميقة، وتعرية لمرض خطير يتفشى في العديد من المجتمعات: التطبيع مع المصائب وانعدام الإرادة لحل المشكلات البسيطة.

رحلة الموت اليومية

تدور أحداث القصة حول ذكريات طفولة الكاتب في قريته، حيث كانت والدته توقظه في الصباح الباكر وأحياناً بسكب الماء البارد عليه ليسارع بتناول فطوره والقيام بمسؤولية شاقة وخطيرة: جلب الماء.

كانت المهمة تتطلب قيادة الحمير عبر طريق جبلية وعرة للوصول إلى الوادي حيث يوجد نبع الماء. المشكلة لم تكن في الماء نفسه، بل في "المنعطف الخطير" الذي يتربص بالمارة. وكانت طريق العودة، حيث الحمير محملة بالماء وثقيلة الخطى، تضاعف الخطر مرات عدة.

ينقل لنا الكاتب مشاهد حزينة لأطفال صغار (وحتى كبار) سقطوا في ذلك المنعطف؛ منهم من فقد حياته، ومنهم من كُسرت عظامه وعاش بعاهة مستديمة معتمداً على العكازات طوال عمره. ورغم هذه الكوارث المتكررة، استمر الوضع على ما هو عليه.

الصدمة: حينما يقود الحمار الإنسان!

تتجلى عبقرية القصة حين يكبر الكاتب، وينتقل إلى المدينة للدراسة، ثم يعود لاحقاً إلى قريته ليجلس مع الوجهاء والأهالي، طارحاً السؤال المنطقي الذي غاب عنهم طويلاً: "لقد مات أطفالنا وكُسرت عظامهم، كيف لم نفكر في البحث عن طريق بديلة وآمنة طيلة تلك السنوات؟"

جاءه الرد كالصاعقة: "نحن لم نكن نختار الطريق، بل كنا نتبع الحمير!"

اكتشف الكاتب أن الحمار هو من كان يقود الإنسان في تلك المسالك الوعرة، ولم يكلف أحد نفسه عناء التفكير في تغيير المسار، أو تطويق المنعطف، أو استخدام أدوات بسيطة كالفأس والمطرقة لتوسعة الطريق بضعة سنتيمترات لتأمين حياة أبنائهم. لقد استسلم المجتمع بأكمله لخطوات حيوان، راضين بالخسائر البشرية كضريبة حتمية للوصول إلى الماء.

صراع الزعامة وتضييع النعم

تتوالى خيبات الأمل في القصة، حيث يروي الكاتب كيف تدخلت الدولة لاحقاً ومدت شبكة مياه (صنابير) مباشرة إلى بيوت القرية، لتنتهي أخيراً معاناة المنعطف الخطير. لكن، هل حُلت المشكلة؟

بشكل عبثي، اندلع صراع مرير بين أهالي القرية حول "من سيتولى إدارة شبكة المياه". تحول الأمر إلى صراع محموم على الزعامة والسلطة. تعنت الجميع، ورفضوا حتى الحلول التوافقية كالتناوب الدائم على الإدارة. النتيجة؟ تعطل المشروع، وتدخلت الدولة لقطع المياه، وعاد الأهالي مجدداً إلى رحلة الحمير والمنعطف الخطير!

دروس مجتمعية قاسية

تحمل هذه القصة دلالات تتجاوز حدود القرية اليمينة، لتسلط الضوء على أمراض اجتماعية مزمنة:

غياب الإرادة المجتمعية: انعدام المبادرة الفردية والجماعية لإيجاد حلول بسيطة (كتوسعة الطريق)، والاعتماد الكلي على انتظار المجهول أو التكيف السلبي مع الخطر.

تعطيل العقل: ترك القيادة لـ "الحمار" (كناية عن العادات البالية أو الانقياد الأعمى) بدلاً من إعمال العقل البشري لتصحيح المسار.

صراعات النفوذ التافهة: كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تدمر مصالحها الحيوية ومشاريعها التنموية بسبب خلافات شخصية ضيقة. العائق لا يكون دائماً من الدولة، بل أحياناً يكون المجتمع هو العقبة أمام تطوره.

أنصحكم بشدة بقراءة
قراءة في المجموعة القصصية: نحن والحمير في المنعطف الخطير

التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث