محمد بيسموموين في "نيشان وسماود": بين جدل التصريحات وضياع حقوق كاتب الكلمات
بعد الحلقة الأخيرة للفنان محمد بيسموموين في برنامج “نيشان وسماود” الذي يقدّمه محمد أمخاو، تداولت صفحات عديدة مقاطع من الحوار، وأثارت تصريحاته جدلاً واسعاً بين المتابعين. فقد تساءل الكثيرون عن مدى صحة ما قاله، خاصة حين قدّم نفسه باعتباره الكاتب لمعظم أغاني فنانين آخرين، وظهر في حديثه بنبرة وُصفت أحياناً بالحدّة أو التقليل من شأن غيره.
وفي هذا السياق، أودّ أن أقدّم وجهة نظري بخصوص هذه التصريحات، وأن أجيب عن السؤال المطروح: هل فعلاً كتب بيسموموين للعديد من الفنانين الكبار؟
كاتب في الظل.. وفنانون في الواجهة
لا يمكن إنكار أن بيسموموين كتب لعدد مهم من الفنانين، سواء في السابق أو حتى في الوقت الحالي، خاصة لفئة من المبتدئين. غير أن هذا المعطى، في نظري، قد يكون أحد أسباب التوتر الظاهر في مواقفه؛ فبعض الفنانين الذين تعامل معهم حققوا شهرة واسعة، واستفادوا مادياً ومعنوياً من الأغاني التي قدّمها لهم، بينما ظلّ هو في وضع لم يجنِ فيه نفس المكاسب، رغم كثرة إنتاجه وتقدّمه في السن.إلى جانب ذلك، هناك نقطة أساسية لا يمكن إغفالها، وهي أن بيسموموين لم يُعرف في الساحة الفنية كمغنٍ بقدر ما عُرف ككاتب كلمات. فالجمهور في الغالب يربط الشهرة بالصوت الذي يؤدي الأغنية على المنصات، في السهرات والمهرجانات والمناسبات، بينما يظلّ كاتب الكلمات في الخلف، مهما كان دوره محوريًا. هذا الفرق في الظهور والانتشار قد يولّد شعوراً بعدم التقدير، خصوصاً عندما يرى من كتب لهم يتصدرون الواجهة ويحققون الشهرة والنجاح المادي.
تأثير نمط "أزاوار" على الانتشار
كما أن طبيعة الأعمال التي قدّمها كمغنٍ لم تساعده كثيراً على بناء اسم قوي في هذا الجانب، إذ ارتبطت في أذهان الكثيرين بنمط **“أزاوار” (المعاطية)**، وهو لون فني له جمهوره، لكنه في الوقت نفسه قد يحدّ من الانتشار الواسع مقارنة بأنماط أخرى أكثر قبولاً لدى مختلف الفئات. وهذا بدوره يعمّق الفارق بين حضوره ككاتب ناجح وحضوره كمغنٍ أقل تأثيرًا.هذا التفاوت بين من أدّى الأغنية واشتهر بها، وبين من كتبها وبقي في الظل، قد يخلق شعوراً بعدم الإنصاف، خاصة في وسط فني لا يُنصف دائماً كتّاب الكلمات كما ينبغي. فالجمهور غالباً ما يتعرّف على صوت المغني ووجهه، بينما يظلّ اسم الكاتب مجهولاً، مهما كان تأثيره كبيراً في نجاح العمل.
غياب التوثيق القانوني: الدرس الغائب
ومن جهة أخرى، فإن الأسلوب الذي يُعبَّر به عن هذا الشعور له دور كبير في تشكيل صورة الفنان لدى الجمهور. فبدل أن يكون الحديث مناسبة للاعتراف المتبادل والتقدير، قد يتحوّل إلى مساحة للتقليل من الآخرين، وهو ما لا يخدم صاحبه بقدر ما يسيء إلى تاريخه ومكانته.ومن الأخطاء الجوهرية التي يمكن تسجيلها أيضاً عليه، أنه خلال مسيرته لم يحرص على **توثيق الأعمال** التي كتبها بشكل قانوني مع الفنانين الذين تعامل معهم. فغياب العقود أو الإثباتات الرسمية يجعل من الصعب اليوم تأكيد حقوقه أو الدفاع عن مساهماته، مهما كانت حقيقية أو مؤثرة.
في المجال الفني، لا يكفي الإبداع وحده، بل يجب أن يُرافقه وعي قانوني يحفظ الحقوق ويضمن الاعتراف بالمجهود. فالتوثيق، سواء عبر عقود مكتوبة أو تسجيل رسمي للأعمال، هو السبيل الوحيد لضمان حق الكاتب أو الملحن، خصوصاً في حال تحقيق العمل لنجاح وانتشار واسع.
القانون لا يحمي المغفلين
وهنا يُستحضر القول الشائع:“القانون لا يحمي المغفلين”، بمعنى أن من لا يحمي حقه بالوسائل المتاحة، قد يجد نفسه خارج دائرة الاستفادة، حتى وإن كان صاحب الفضل في العمل. وهذا لا يُنقص من قيمة ما قدّمه، لكنه يبرز أهمية الجمع بين الموهبة والاحتراف في التعامل.وفي المقابل، فإن هذه التجربة يمكن أن تكون درساً مهماً للأجيال الصاعدة من الفنانين وكتّاب الكلمات، بضرورة توثيق أعمالهم، وعدم الاكتفاء بالثقة أو الاتفاقات الشفوية، لأن الحقوق في النهاية تُبنى على ما هو مُثبت، لا على ما يُروى.
نحو ثقافة الاعتراف
وفي الختام، يمكن القول إن ما يحتاجه الوسط الفني اليوم ليس تبادل الاتهامات أو التقليل من بعضه البعض، بل ترسيخ ثقافة الاعتراف، والتعاون، وحفظ الحقوق المادية والمعنوية لكل من ساهم في العمل الفني. فالفن في جوهره رسالة نبيلة، تسمو بأصحابها حين يتحلّون بروح الاحترام والتواضع، وتفقد بريقها حين تُثقلها النزاعات الشخصية والخطابات المتشنّجة.
بقلم: عبد الله اسملال
بقلم: عبد الله اسملال





