مرثية الرايسة رقية تالبنسيرت لرحيل سعيد أشتوك و محمد ألبنسير 03

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

مرثية الرايسة رقية تالبنسيرت لرحيل سعيد أشتوك و محمد ألبنسير 03

مرثية الرايسة رقية تالبنسيرت لرحيل سعيد أشتوك و محمد ألبنسير 03


بقلم: ذ. محمد وادي

لقد استطاعت الفنانة رقية تالبنسيرت في خاتمة هذه المرثية أن ترفع سقف الرثاء من البكاء الشخصي إلى رثاء الهوية الفنية ككل، وذلك من خلال نقاط مذهلة تجسد عمق الفجيعة:

1. جغرافيا الحزن: بربطها بين تيزنيت وأكادير، جعلت من رحيل الرويس "مأتماً جهوياً" وقومياً، وكأن الأرض نفسها هي التي تبكي.
2. يتم الآلة: صورتها للرباب وهو "ئكُيكُيل" (يتيم) بعد فراق يد صاحبه هي من أقوى الاستعارات في الشعر الأمازيغي؛ فالآلة عند "الرايس" ليست جماداً، بل هي قطعة من جسده، وبموته تفقد روحها.
3. غدر الموت: وصفت الموت بـ "تامغدارت" (الغدارة) التي لا تستأذن، وهي صورة نمطية لكنها هنا اكتسبت قوة لأنها خطفت "صالحين" (أهل الفن والحكمة).
4. الخروج النهائي: ختمت القصيدة بالتسليم المطلق (لابود نس)، معتبرة أن الموت هو المصير المحتوم الذي لا يفرق بين عالم وفنان.

أولاً: التحليل النقدي.. أنسنة الآلة وشرعية "الوريث"


عند التدقيق في هذا النص "الرخامي"، نجد أبعاداً نقدية عميقة:

* أنسنة الرباب (الرباب اليتيم): عندما تقول "ئكا ريباب ئكَُيكَُيل" (صار الرباب يتيماً)، رقية هنا لا تستخدم استعارة عادية، بل تمنح الرباب "صفة الآدمية". في ثقافة تيرويسا، الرباب هو "الصدر" الذي يبوح بالأسرار؛ وبموت الرايس، لا تصمت الآلة فقط، بل "تتيم" وتفقد حمايتها.
* الرايس كـ "عالم": وصفت أشتوك بـ "لعاليم" و"أطبيب". هذا رفع لمكانة الفنان من "مغنٍّ" إلى "مرشد اجتماعي" وحكيم يداوي جراح المجتمع (تاسا).
* الواقعية التراجيدية: القصيدة لم تقف عند المدح، بل دخلت "غرفة الموت" (عشرين يوم في الخطر، لبيت، الطبيب). هذا الصدق في نقل التفاصيل يمنح النص قوة وثائقية تجعل المستمع يعيش اللحظات الأخيرة معها.

ثانياً: المقارنة.. رثاء أشتوك (الرفيق) مقابل رثاء البنسير (الأستاذ)


رغم أن القصيدة تجمع الاثنين، إلا أن نبرة رقية تختلف بينهما بشكل دقيق:

* سعيد أشتوك: هو "الرفيق" و"المدرسة". نلاحظ لغة المشاركة (نشرك لخير، نمون، نستارا). الحزن عليه حزن "عشرة" يومية وأخوة مهنية. ركزت على وفائه لابنه (أراو نس) واستمرارية نسله الفني.
* محمد البنسير: هو "الهرم" و"العمود". تذكره بهيبة أكبر، كرمز غيابه يترك فراغاً في "الساحة" (أوزاج). البنسير بالنسبة لها هو المرجع الذي يمثل شموخ تيرويسا، ورحيله هو "رحيل الصالحين".

ثالثاً: المقارنة مع الأدب العربي.. رقية تالبنسيرت مقابل الخنساء


إذا أردنا مضاهاة هذه المرثية بشاعرة عربية، فلا نجد أفضل من الخنساء في رثائها لأخيها صخر:

1. وحدة المصدر: كلاهما (رقية والخنساء) جعلتا من "العين" و"الدمع" مدخلاً كونياً للحزن. رقية تقول: "مامنك أور ألاغ" (كيف لا أبكي)، والخنساء تقول: "أعينِيَّ جودا ولا تجمُدا".
2. الرحيل الذي يزلزل المكان: رقية تحرك جغرافية سوس (تيزنيت وأكادير) حزناً، والخنساء كانت ترى أن موت صخر أظلم الآفاق.
3. الاعتزاز بالسيادة: الخنساء كانت ترثي صخر "السيد" في قومه، ورقية ترثي أشتوك "السيد" في فنه (لهيبت ئواوال نون).

> نقطة الاختلاف الجوهرية: رقية تالبنسيرت أضافت بعداً صوفياً (التسليم بالقدر، ذكر الصالحين، الدعاء بالعفو)، بينما كانت مراثي الخنساء (قبل الإسلام) غارقة في الفجيعة الوجودية التي لا عزاء فيها سوى البكاء.

رابعاً: الرمزية الروحية لـ "الرباب اليتيم" (أنسنة الجماد)


في البيت: "ئي ريباب كان ئكَُيكَُيل ئفوغاس أفوس" (صار الرباب يتيماً، فَقَدَ اليد التي كانت ترعاه).

* العمق الأدبي: رقية هنا لا تتحدث عن آلة موسيقية، بل عن "كائن حي". في أدب الروايس، الرباب هو "تاروا" (الابن/النسل) الروحي للفنان. بتسميته "ئكُيكُيل"، نقلت رقية الفجيعة من البشر إلى الجماد.
* المقارنة: هذا يذكرنا في الأدب العربي بوقوف الشعراء على الأطلال، لكن رقية وقفت على "أطلال الصوت". الرباب بدون "أشتوك" أو "البنسير" هو جسد بلا روح، "زود لعود ن فاريد" (مثل حطب يابس).

خامساً: بلاغة "تاسا" (الكبد) مقابل "القلب" في الوجدان الأمازيغي


تقول رقية: "أوالي د كولو نربا تاسا غ ئسوياس" (من ربينا معهم الكبد في الميادين).

* في الشعر العربي، "القلب" هو مركز العاطفة، لكن في الشعر الأمازيغي (سوس)، "تاسا" (الكبد) هي مستقر الحزن العميق والارتباط العضوي.
* استخدامها لكلمة "نربا" (ربينا/نمينا) توحي بأن العلاقة لم تكن عابرة، بل كانت علاقة "نمو مشترك". هي لم تفقد صديقاً فحسب، بل فقدت جزءاً من أحشائها؛ وهذا يفسر وصفها للموت بـ "ئحريكَُ" (الكيّ بالنار).

سادساً: "الرويس" كعالم ومصلح اجتماعي


البيت المحوري: "هاتي رايس ئكَُا زود ئغ تنيت لعاليم" (الرايس في مقام العالِم).

هذا البيت هو "بيان سياسي وفني". رقية ترفض حصر "الرويس" في خانة المغني للفرجة فقط، بل تضعه في مرتبة "الفقيه" أو "العالم" الذي يوجه الناس بكلمته (أوال). وبذلك، هي تضفي شرعية أخلاقية على فن تيرويسا وتعتبر فقدان هؤلاء الرواد ثلمة في جدار الحكمة الأمازيغية.

سابعاً: رثاء المدن والبعد الصوفي


لقد ذكرت رقية تيزنيت وأكادير كمدن باكية، وهو ما يشبه "رثاء المدن" في الأدب الأندلسي (مثل رثاء الرندي). رقية هنا لا ترثي سقوط حجر، بل ترثي سقوط "أعمدة الثقافة".

ومع هذا الحزن، نلمس انتقالاً ذكياً نحو البعد الديني والصوفي:
* التسليم واليقين: "لموت تكَُا لابود نس"؛ تعبير يعكس الاستسلام للقدر.
* ذكر "الصالحين": رفع الراحلين إلى مرتبة "الولي" يضفي قدسية على ذكراهم.
* الدعاء بالعفو: يتحول النص من "شعر" إلى "صلاة" تربط الفن بالقيم الروحية للمجتمع السوسي.


الختام: صوت رقية وأثره الاجتماعي


لا يمكن فصل الكلمات عن بحة صوت رقية تالبنسيرت وتجلي "تيرويسا" في أدائها:
* اللحن الجنائزي: اعتمدت إيقاعاً بطيئاً (أزناز) يسمح للكلمة بأن تستقر في أذن المستمع.
* الأثر: لقد نجحت في جعل الخسارة الفنية خسارة اجتماعية؛ فالبكاء ليس على "مغنٍ"، بل على "أب" و"معلم" و"حكيم".

بهذا قد أتممنا مقاربة تشريح هذه التحفة من جوانبها الأدبية، والرمزية، والروحية، لتظل هذه المرثية "أيقونة" خالدة في الوجدان الأمازيغي.


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث