مذكرات التهامي الكلاوي | الحلقة 17: لماذا لم يركع الكلاوي؟ كواليس الإطاحة بالسلطان
في الحلقة الماضية، حكى لنا عبد الصادق الكلاوي عن كواليس المواجهة بين السلطان والباشا الكلاوي التي أدت لطرده من القصر، الشيء الذي أزعجه وجعله يمتنع عن إرسال إقليم نفوذه لحفل الولاء. في هذه الحلقة، يكشف لنا عبد الصادق كواليس سرية كتبها الرئيس الفرنسي فانسان أوريول في مذكراته حول كيفية الإطاحة بمحمد الخامس من على عرش أسلافه الميامين.
يحكي عبد الصادق أن الجنرال جوان وجد نفسه أمام طريق مسدود بعدما حاول إثارة الفوضى عن طريق الأعيان وفشل فشلاً ذريعاً. في فبراير قرر جمع حقائبه ومغادرة المغرب في 20 شتنبر، وفي لحظة الوداع ترك كلمة بقيت محفورة:
> "أنا الذي عينت 'جيوم'، وهذا 'جيوم' لن يكون في الرباط إلا ظلي ومنفذاً لخططي".
في تلك الأثناء، كان الوالد التهامي الكلاوي في ضواحي باريس (سان جيرمان). الجو هناك كان بارداً، لكن قلب الكلاوي كان يغلي؛ كان يعلن الولاء للسلطان أمام الناس، وفي سره يصب اللعنة على "جوان"، ويرى أن "عصا الماريشالية" التي يحملها "جوان" لا يستحقها بسبب أفعاله في المغرب.
منع حزب الاستقلال وبدأ يتحكم في القوات كما يشاء، ضارباً عرض الحائط بالقوانين. وبأمر من الجنرال "جيوم"، كانت التقارير المرفوعة لباريس تزور الوقائع لتغطية تحركات البشوات المشبوهة، بل وحبسوا العرائض التي كانت تقدم ضد السلطان ولم يسمحوا بوصولها لفرنسا إلا بعد شهور.
ذكاء السلطان ومناورات ولي العهد
هل كان السلطان سيدي محمد بن يوسف غافلاً؟ أبداً. يحكي عبد الصادق أن السلطان استخدم عبقريته ونباهة ولي العهد مولاي الحسن لفتح خطوط اتصال مباشرة مع باريس، بعيداً عن كذب الإقامة العامة.
بين أبريل ويوليو، لم يتوقف السلطان عن التواصل مع الرئيس الفرنسي فانسان أوريول، مطالباً بتطهير الأجواء السياسية، لكن رئاسة الجمهورية الفرنسية لم تجب. والمفارقة أن الرئيس "أوريول" نفسه كان شاهداً على محاولات عزل السلطان في 1951 وندد بها في مذكراته، لكنه لزم الصمت في 1952 و1953.
> "البشوات والقوات في الجنوب، وعلى رأسهم الكلاوي، يحيط بهم 10,000 فارس وهم زاحفون الآن على الرباط لعزل السلطان".
عندما طلب "بليسون" من "جوان" إيقاف هذه الفوضى، أجابه "جوان" بتحدٍ: "هذا مستحيل". كتب "أوريول" بمرارة:
> "لن أغفر لـ 'جوان' تلك القلاقل.. لا يمكنني ترك الجنرالات يتصرفون كعصابات المافيا".
ضغوط "جوان" وشروط العودة
مارس "جوان" ضغوطاً كبيرة على الرئيس بخصوص التعيينات، حتى أن "أوريول" قال له: "إذا أردت الاستقالة فافعل". أرسل "جوان" رسالة يطلب فيها مغادرة الإقامة العامة بشرط أن يختار هو من يخلفه، لضمان حماية "أصدقاء فرنسا" (البشوات والقواد) ومنع أي تقارب بين القصر وباريس قد يعزز موقف الوطنيين.
وعندما طالب السلطان بإصلاحات في التعليم والصحة، أجابه "جيوم" بوقاحة: "تطبيق معاهدة الحماية يسمح لنا بفعل الكثير بلا تسرع". وفي النهاية قال جملته الشهيرة: "يجب أن نتخلص من هذا السلطان الآن".
في يوليوز، توجه التهامي الكلاوي لفرنسا للضغط على المسؤولين، بينما سمح ابنه إبراهيم الكلاوي، بمباركة الإقامة العامة، بالقيام بجولة في المغرب لإبقاء شعلة العصيان متقدة.
في 11 أغسطس، ظهرت الحقيقة في برقية "جاك دوبليسون": "الكلاوي يريد عزل السلطان الآن وتنصيب سلطان جديد من أتباعه". انطلق "جيوم" في حملة قمع واسعة، مغتصباً سيادة المغرب لتنفيذ المشروع الذي رسمه "جوان".
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة لنكتشف التفاصيل السرية لنفي الملك المجاهد محمد الخامس.
1951: سنة الأجواء السياسية المسمومة
كانت سنة 1951 سنة مشحونة؛ الأجواء السياسية في المغرب كانت مخنوقة، تشبه السكون الذي يسبق العاصفة. السلطان سيدي محمد بن يوسف كان صامداً في قصره بالرباط كالجبل، رافضاً التنازل عن حق بلاده، وهذا الصمود كان يزعج الإقامة العامة.يحكي عبد الصادق أن الجنرال جوان وجد نفسه أمام طريق مسدود بعدما حاول إثارة الفوضى عن طريق الأعيان وفشل فشلاً ذريعاً. في فبراير قرر جمع حقائبه ومغادرة المغرب في 20 شتنبر، وفي لحظة الوداع ترك كلمة بقيت محفورة:
> "أنا الذي عينت 'جيوم'، وهذا 'جيوم' لن يكون في الرباط إلا ظلي ومنفذاً لخططي".
الماريشال "جوان" والتحكم عن بعد
طار "جوان" إلى باريس، ترقى ولبس بدلة الماريشال المرصعة بالنجوم، لكن عينه بقيت مسمرة على المغرب. بقي هو المتحكم من باريس، والجنرال جيوم لم يكن في الحقيقة إلا بيدقاً يحركه الماريشال كما يشاء.في تلك الأثناء، كان الوالد التهامي الكلاوي في ضواحي باريس (سان جيرمان). الجو هناك كان بارداً، لكن قلب الكلاوي كان يغلي؛ كان يعلن الولاء للسلطان أمام الناس، وفي سره يصب اللعنة على "جوان"، ويرى أن "عصا الماريشالية" التي يحملها "جوان" لا يستحقها بسبب أفعاله في المغرب.
الجنرال "جيوم": البطل التائه في رمال السياسة
أما العلاقة بين الكلاوي والجنرال الجديد "جيوم"، فيصفها عبد الصادق بذكاء كبير؛ في الظاهر كانت الأمور عادية، لكن في الباطن كان "جوان" يوصي "جيوم" بأن يكون تابعاً له. "جيوم"، الذي كان يبدو بطلاً شجاعاً في ساحات الحرب، وجد نفسه تائهاً وسط الرمال المتحركة للسياسة المغربية، وبدا يرتكب أخطاءً قاتلة وتصريحات عشوائية وصلت حد شتم المغاربة."بونيفاص" ووحشية أحداث الدار البيضاء 1952
زاد الطين بلة وجود شخص يدعى بونيفاص (عامل الدار البيضاء). في دجنبر 1952، بعد اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد، انتفضت الدار البيضاء. "بونيفاص"، بمباركة "جيوم"، لبس قناع الوحش وقمع المتظاهرين بالرصاص الحي في الزقاق وهمجية لم يشهدها المغرب من قبل.منع حزب الاستقلال وبدأ يتحكم في القوات كما يشاء، ضارباً عرض الحائط بالقوانين. وبأمر من الجنرال "جيوم"، كانت التقارير المرفوعة لباريس تزور الوقائع لتغطية تحركات البشوات المشبوهة، بل وحبسوا العرائض التي كانت تقدم ضد السلطان ولم يسمحوا بوصولها لفرنسا إلا بعد شهور.
ذكاء السلطان ومناورات ولي العهد
هل كان السلطان سيدي محمد بن يوسف غافلاً؟ أبداً. يحكي عبد الصادق أن السلطان استخدم عبقريته ونباهة ولي العهد مولاي الحسن لفتح خطوط اتصال مباشرة مع باريس، بعيداً عن كذب الإقامة العامة.
بين أبريل ويوليو، لم يتوقف السلطان عن التواصل مع الرئيس الفرنسي فانسان أوريول، مطالباً بتطهير الأجواء السياسية، لكن رئاسة الجمهورية الفرنسية لم تجب. والمفارقة أن الرئيس "أوريول" نفسه كان شاهداً على محاولات عزل السلطان في 1951 وندد بها في مذكراته، لكنه لزم الصمت في 1952 و1953.
شهادة صادمة من مذكرات الرئيس "أوريول"
في 24 فبراير 1951، جرى حديث بين الرئيس "أوريول" ورئيس حكومته "بليفين". الصدمة جاءت من "بليسون" (المفوض لدى الإقامة العامة بالرباط) الذي أخبرهم أن "جوان" قال ببرود:> "البشوات والقوات في الجنوب، وعلى رأسهم الكلاوي، يحيط بهم 10,000 فارس وهم زاحفون الآن على الرباط لعزل السلطان".
عندما طلب "بليسون" من "جوان" إيقاف هذه الفوضى، أجابه "جوان" بتحدٍ: "هذا مستحيل". كتب "أوريول" بمرارة:
> "لن أغفر لـ 'جوان' تلك القلاقل.. لا يمكنني ترك الجنرالات يتصرفون كعصابات المافيا".
الحقيقة وراء "تمرد الأعيان"
يؤكد الرئيس "أوريول" أن "جوان" كان يخطط لعزل السلطان منذ غشت 1949، وهو تاريخ سابق لأي خلاف مع القصر أو تحركات للأعيان. هذا يثبت أن ادعاءات الاستعمار بأن البشوات هم من أرادوا عزل السلطان كانت مجرد "كذبة" لتغطية خطة مطبوخة مسبقاً في رأس "جوان".ضغوط "جوان" وشروط العودة
مارس "جوان" ضغوطاً كبيرة على الرئيس بخصوص التعيينات، حتى أن "أوريول" قال له: "إذا أردت الاستقالة فافعل". أرسل "جوان" رسالة يطلب فيها مغادرة الإقامة العامة بشرط أن يختار هو من يخلفه، لضمان حماية "أصدقاء فرنسا" (البشوات والقواد) ومنع أي تقارب بين القصر وباريس قد يعزز موقف الوطنيين.
"كيوم" ينفذ المخطط: "يجب التخلص من هذا السلطان"
عينت الحكومة الفرنسية الجنرال "جيوم" مقيماً عاماً خلفاً لـ "جوان". في حوار صادم، سأل "أوريول" الجنرال "كيوم": "هل رأيت مذكرة السلطان؟". أجاب "جيوم" باستهتار: "لا، لكني أعرف أنه يشكو من عدم زيارة البشوات له".اعترف "جيوم" صراحة:
> "منذ وضعت رجلي في المغرب وأنا أحاول إشعال النار بين السلطان وحزب الاستقلال.. المغرب يجب أن يبقى منقسماً لأن في انقسامه قوة فرنسا".وعندما طالب السلطان بإصلاحات في التعليم والصحة، أجابه "جيوم" بوقاحة: "تطبيق معاهدة الحماية يسمح لنا بفعل الكثير بلا تسرع". وفي النهاية قال جملته الشهيرة: "يجب أن نتخلص من هذا السلطان الآن".
مؤامرة الصيف والرحلة الأخيرة
في يوليوز، توجه التهامي الكلاوي لفرنسا للضغط على المسؤولين، بينما سمح ابنه إبراهيم الكلاوي، بمباركة الإقامة العامة، بالقيام بجولة في المغرب لإبقاء شعلة العصيان متقدة. في 11 أغسطس، ظهرت الحقيقة في برقية "جاك دوبليسون": "الكلاوي يريد عزل السلطان الآن وتنصيب سلطان جديد من أتباعه". انطلق "جيوم" في حملة قمع واسعة، مغتصباً سيادة المغرب لتنفيذ المشروع الذي رسمه "جوان".
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة لنكتشف التفاصيل السرية لنفي الملك المجاهد محمد الخامس.





