تحليل قصيدة 'ويد ئطزين' للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الأول

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

تحليل قصيدة ويد ئطزين للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الأول

تحليل قصيدة ويد ئطزين للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الأول


بقلم الأستاذ الباحث محمد وادي

تعتبر قصيدة ويد ئطّزين ف تاكًانت (الساخرون في الغابة) وثيقة سوسيولوجية وأخلاقية بامتياز، صاغها 'ازمار' الأغنية الأمازيغية الرايس الحاج محمد البنسير في مرحلة اتسمت بالصراعات البينية (النقائض) وظهور تيارات التحديث. في هذا المقال، نمضي في مقاربة لنبش دلالات الباقة الأولى من القصيدة (9 أبيات)، مستعرضين الرؤية الفلسفية والنقدية لهذا الفنان الحكيم.

الاستهلال ولازمة الصراع العبثي


يفتتح الحاج محمد البنسير قصيدته بسخرية لاذعة عبر استهلال يصور المتنازعين حول الغابة التي تمثل المجتمع والموارد، متسائلاً بتهكم عن جدوى صراعهم العبثي. إن إضافة النهر إلى الغابة في النزاع تزيد من حدة التهكم؛ حيث نميل إلى فرضية استخدام الشاعر لصورة تطعيم النهر المستحيلة للدلالة على عبثية محاولاتهم الفاشلة، موجهاً نقداً لاذعاً لمن يفسدون تدبير الموارد ويزيدون الأمور تعقيداً، مستخدماً نبرة الحكيم المراقب للصراع.

1. الاستهلال (لازمة الصراع):
ويد ئطّزين ف تاكًانت ئستّ ئي تيويم
هنا البنسير لا يتحدث عن غابة حقيقية فقط، بل عن المجال (الأرض، الثروة، السلطة، أو حتى الهوية). سؤاله هل نلتموها؟ هو سؤال تهكمي يوحي بأن الصراع محموم لكن النتيجة صفرية. الجميع يتصارع والكل خاسر.

2. معجزة تطعيم النهر:
ئمربّي انشاعلاه اونينّ لقّمن اسيف
هذه الصورة من أذكى صور البنسير. التطعيم يكون للأشجار المثمرة لإصلاحها، لكن أن تطعم النهر (المادة السائلة المتحركة) فهذا محال عقلي. هو يسخر من الذين يحاولون إصلاح المجتمع أو التحكم في الأقدار بوسائل غير منطقية أو مشوهة.

3. قلب الهرم الاجتماعي (القط والفأر):
ابدّا تكًيم ئغرداين ئماترن اموشّ
هنا يشخص البنسير الفوضى. حين يطارد الفأرُ القط، فنحن أمام زمن مقلوب. الفئران هنا ترمز لمن لا شأن لهم (الرعاع أو المفسدون الصغار) الذين تجرأوا على القطط (أهل الهيبة والقرار).

4. نقد العلم المزيّف:
لّيغ اؤكان تخرباقن اوي غ لقُران
ئرين اد كًين لعيب ئي لعيلم لّي س نعيش
هنا يلمس البنسير جرحاً غائراً؛ وهو محاولة البعض ليّ عنق النصوص (القرآن) لتبرير أفعالهم، أو الطعن في العلم الأصيل الذي عاش به الأجداد واستبداله بـ خربقات (تفاهات) لا تسمن ولا تغني من جوع.

5. رفض المساواة الزائفة:
اسن كولشي سنكّادّا انغ ؤر ئلاما يان
البنسير هنا يرفض المساواة التي تمحو الفوارق بين العالم والجاهل، بين الصالح والطالح. يقول إن ادعاء الجميع بأنهم متساوون في كل شيء هو ضياع للقيم (إس نكّادّا = جعلنا أنفسنا متساوين).


الرمزية السوسيوسياسية: الأرض، اللغة، الإنسان


الغابة والنهر يعتبران من الملك العمومي (العام أو الخاص) وغالباً لا يملك السكان المجاورون إلا حق الاستغلال، وهذا مشكل كبير تركه المستعمر واستولى عليه النافذون بعد ذلك. من هنا، يلمس البنسير جوهر الصراع بذكاء تشفيري يتقاطع مع رموز الحركة الأمازيغية (أكال، أوال، أفكان):

1. صراع تاكًانت (الأرض والسيادة):
القراءة لمشكلة الملك العمومي والموروث الاستعماري دقيقة جداً. الغابة في سوس (وخاصة شجر الأركان) ليست مجرد شجر، بل هي أكال (الأرض) التي تعني الكرامة. عندما يقول البنسير هل نلتموها؟ فهو يتهكم على النافذين الذين استولوا على ما هو مشترك، وعلى الصراعات البينية بين القبائل التي أضعفت الجميع. كما أن تطعيم النهر قد يرمز لمحاولة قوننة أو خصخصة ما لا يمكن تملكه (الماء والكلأ).

2. معركة أوال والعلماء:
البنسير كان تموسني (صاحب حكمة) يدافع عن الإسلام الأمازيغي الصوفي المتسامح والمبني على المعروف. قوله العيلم لّي س نعيش هو دفاع شرس عن موروث الأجداد (مدارس سوس العتيقة) في وجه الوافد الإيديولوجي الذي يحاول تخريب العقل الجمعي الأمازيغي. هو يرى أن هذا العلم الجديد أو الخربقات لا تخدم الإنسان (أفكان)، بل تزرع الفتنة.

3. رمزية إغرداين (الفئران):
الفئران هنا قد تمثل الوسطاء أو أعوان المستغلين الذين لا يملكون أصالة، لكنهم يتطاولون على القطط (الأعيان الحقيقيين أو العلماء الربانيين).


السياق التاريخي: صراع الإخوة الأعداء


هناك ملاحظة جوهرية تفكك ما يرمو إليه الحاج محمد البنسير، ألا وهو الصراع الخاطئ بين الروايس من منطقة إلى أخرى، حيث نراه لاحقاً يتعهد بإطفاء الفتنة. كانت تلك الفترة تشهد حروباً كلامية (نقائض) ومنافسات حادة، وأحياناً كانت تُذكيها النعرات القبلية. البنسير، بحكم حكمته، كان يرى أن هذا الصراع يمثل:

1. صراع حول الخلاء: تاكًانت هنا ترمز للميدان الفني الذي لا يملكه أحد، وتنافس الروايس عليه هو تطاحن عبثي لا يفيد الأمازيغية في شيء.
2. استصغار الذات: عندما يتصارع الروايس فيما بينهم، يفسحون المجال لـ الفئران (الدخلاء) ليتطاولوا على القطط (أعمدة الفن).
3. تعهد الإصلاح: قوله لاحقاً نبيكّس ئي تاكات نّون... اركيغتّ اكّ نسّنس (ربطنا الحزام لنطفئ ناركم) هو إعلان لموقف سياسي وأخلاقي؛ حيث ينصب نفسه حكماً ومصلحاً لإعادة الهيبة لـ أوال (الكلمة).

إذن، الغابة في هذا التأويل هي الساحة الفنية الأمازيغية التي تتعرض للنهب والتشويه بسبب تشتت أصحابها، مما يضعنا أمام مجتمع يفقد بوصلته: الأرض منهوبة، العلم يُحارب، والقيم مقلوبة.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث