تحليل قصيدة ويد ئطزين' للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الثاني

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 تحليل قصيدة ويد ئطزين' للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الثاني

تحليل قصيدة ويد ئطزين' للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الثاني


بقلم الأستاذ الباحث محمد وادي

تستمر رحلتنا في سبر أغوار المتن الشعري للرايس الحاج محمد البنسير، حيث ننتقل إلى الباقة الثانية من قصيدته الشهيرة ويد ئطّزين ف تاكًانت. في هذا الجزء، يرتفع إيقاع النقد عند البنسير ليربط الصراع الاجتماعي والمهني بـ التاريخ والمظاهر الزائلة، محولاً القصيدة إلى باقة من المرايا التي تعكس عيوب الذات والزمن.


صراع القشور: المظهر في مواجهة الجوهر


يضرب البنسير في هذه الباقة على وتر السطحية التي أصابت المجتمع والميدان الفني، حيث يقول:
غار ؤدم ؤلا تيدّي ؤلا كمّي اتّاريخ
اف ؤسين غادّ لعاداوت ؤلا تاغوّيّيت

يرى البنسير أن المتصارعين (سواء كانوا روايس أو غيرهم) يركزون على ثلاثية واهية:
- ؤدم (الوجه): البحث عن السمعة الزائفة والمكانة الاجتماعية الهشة.
- تيدّي (القامة/الطول): استعراض العضلات والقوة الوهمية في الميدان.
- تاريخ (التاريخ): التباهي بالأمجاد القديمة والارتهان للماضي دون فعل حقيقي في الحاضر.
هذه العناصر هي وقود لعاداوت (العداوة) وتاغوّيّيت (الصراخ والضجيج) الذي لا طائل منه ولا يخدم القضية الثقافية.

داء الأنانية: كويان ران اد مزّين


يصف البنسير حالة الاستئثار والجشع بتعبير بليغ:
كويان ران اد مزّين اسّول ئسّوموم
الكل يريد أن يرضع وحده (يسّوموم)، وهو توصيف دقيق للجشع والمصلحة الذاتية التي طغت على المصلحة الجماعية. هذا التكالب على الثدي (المصلحة) هو المحرك الخفي للصراع العبثي حول الغابة الذي ذكره في الجزء الأول.

صراع الأجيال وفلسفة الشيب


يقدم البنسير صورة تراجيدية لواقع التدافع بين الأجيال:
ئغ ئكًا كرا شّاباب ئحكام اسّول رمين
ئغ ئشيب يان ئنّا د ئخف نس ئس اكّ ئمّوت

هنا نجد قراءتين عميقتين:
1. الاستسلام والموت المعنوي: ينتقد البنسير الشيوخ الذين ينسحبون من المسؤولية الاجتماعية بمجرد ظهور الشيب، تاركين الساحة لشباب متهور يريد الحكم وهو لا يزال متعباً (رمين) وغير ناضج تجريبياً، مما يفقد المجتمع دور الحكيم (أموسني).
2. التذكير بالوقار والزهد: يدعو البنسير من اشتعل رأسه شيباً لترك صراعات الغابة وخصومات المظاهر، لأن الشيب نذير الموت، والأولى بالمرء الالتفات للقيم الروحية والحب الإلهي بدلاً من العداوة والتباري في القامات.


نقد ثقافة الطاجين وأتاي ومجتمع الاستهلاك


وجه البنسير ضربة قاضية لمجتمع الاستهلاك والمجالس الفارغة بقوله:
اجّات لخبار ن طّاجين والا وي وّاتاي
هو يوبخ هنا الروايس الذين حصروا فنهم في مدح الأكل والمجالس، طالباً منهم الكف عن التفاهات اليومية والالتفات لما هو أعمق: الدين، الآخرة، والقيم الروحية. البنسير يرى في الفنان أستاذاً للأمة وليس مجرد مداح في وليمة.

الميدان الفني وغليان الصراعات (النقائض)

كان الميدان الفني (تاسكلا) في سوس يغلي بصراعات تجاوزت الغناء لتصبح معارك إيديولوجية وهوياتية، ويظهر ذلك في:
- حروب الوكالة: الإشارة إلى الرايس بيسموموين والبنسير وهما يكتبان لرقيّة تالبنسيرت وفاطمة تيحيحيت تجسد حروب الظل. ويبدو البنسير هنا في حالة نقد ذاتي أو توبة فنية عن مرحلة الملاسنات التي أضاعت الغابة.
- صدمة التحديث (أوسمان وإزنزارن): شكل ظهور مجموعات مثل أوسمان (بالآلات العصرية) وإزنزارن (بالشحنة الثورية) تهديداً لنموذج الرايس التقليدي. البنسير، كحارس للمعبد، رأى في هذا التحديث نوعاً من تطعيم النهر (لقّمن أسيف).

استعارة أوسمان وأساغور


في قراءة مذهلة للتحديث، يقول البنسير في الباقة السادسة:
ؤتن ؤسمان غ تاكًانت احلن ئسلمان
(ضرب البرق/أوسمان الغابة فصعق السمك). البرق أحدث دوياً، لكن النتيجة كانت موت السمك، وهو تعبير عن خوفه من إفساد الذوق أو تجميد الفن الأصيل.
كما يهاجم الجيل الجديد في قوله:
ئمربّات ويلّي كُندّ ئسماغن ف ؤساغور
(ويل للذين أنبتوكم على الجذع الميت)، قاصداً من يتغذى على حطب يابس لا روح فيه أو ينسب لنفسه إبداعاً ليس له.

يضعنا الحاج محمد البنسير أمام مرآة قاسية؛ فهو يرفض تحديث أوسمان إذا كان سيمحو الهوية، ويرفض في الوقت ذاته جمود الروايس إذا ظلوا حبيسي ثقافة الطاجين وأتاي، واضعاً نفسه في مقام الصقر (لباز) الذي يراقب تآكل القيم من علُ.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث