القصة الملحمية الكاملة لنهاية الجنرال أحمد الدليمي: لغز "فخ النخيل" في مراكش

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 القصة الملحمية الكاملة لنهاية الجنرال أحمد الدليمي: لغز "فخ النخيل" في مراكش

القصة الملحمية الكاملة لنهاية الجنرال أحمد الدليمي: لغز "فخ النخيل" في مراكش

في أواخر شهر يناير من عام 1983، كانت مدينة مراكش تشبه لوحة زيتية غامضة، حيث اختلط لون الشفق الأحمر بظلال النخيل الطويل الممتد كأشباح صامتة تحرس المدينة الحمراء. كانت البرودة والرطوبة تتسللان عبر الأزقة الضيقة، بينما كانت رياح الشتاء قوية ومحملة برائحة التراب المبلل، تحمل معها علامات عاصفة غير مألوفة لأهل الجنوب؛ عاصفة لا تقلع الأشجار، بل تقلع الرؤوس الكبيرة التي ظنت يوماً أنها لامست السحاب. في تلك الليالي، لم تكن المدينة تنام، فقد كان "المخزن" يجهز لحدث استثنائي.


كواليس السلطة وزيارة ميتيران

كانت الاستعدادات لزيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران على قدم وساق؛ السجاد الأحمر مفروش بوقار في كل مكان، وثريات الكريستال في القصور تُغسل بماء الورد لتتوهج، والبروتوكولات تُراجع بدقة متناهية. ولكن خلف هذا اللمعان الرسمي، كان الموت يُطبخ على نار هادئة في مطابخ السلطة المظلمة.

وسط هذا الضجيج، كان الجنرال أحمد الدليمي يتحرك بخطوات ثقيلة ومحسوبة. الرجل الذي لُقب بـ "الرجل القوي" ومدير الأجهزة التي لا تنام، وصاحب القرارات التي كانت تزعزع الأركان بكلمة واحدة، لم يكن يدرك أن هناك جهات تراقب ما لا يراه. كانت هناك خيوط تُنسج، ليست من حرير القصور، بل من سلك شائك يضيق مع كل دقيقة تمر من ذلك الشتاء القارس.

صراع النفوذ: الثكنة ضد الإدارة

في الرباط، كان المستشار الملكي عبد الهادي بوطالب يراقب التحولات الصامتة بنظرته الأكاديمية الثاقبة. لاحظ بوطالب بذكائه المعروف أن موازين القوى بدأت تميل في الكواليس لجهة أخرى. لم يكن بوطالب يرى في الدليمي مجرد طامع في منصب وزاري، فالجنرال كان يدرك أن عصر "الضباط الوزراء" قد دُفن مع جثة أوفقير، بل كان يرى صعوداً لافتاً وصامتاً لشخصية أخرى: إدريس البصري.

البصري، الرجل الذي بدأ مساره كاتباً للدولة في الداخلية، بدأ يتسلق درجات النفوذ منذ اتفاقية مدريد الثلاثية عام 1975، ليصبح "رجل المهمات الصعبة" الذي يهيئ نفسه لملء أي فراغ يتركه العسكر في بنية النظام. كان الصراع بين عقيدة الثكنات وطموح رجال الإدارة؛ صراع لم يرَ فيه الدليمي في البصري إلا "مجرد شرطي" يتقن التجسس، ولم يعلم أن ذلك الشرطي كان يخيط خيوط المستقبل.

رحلة فرنسا وأغنية القدر الحزينة

قبل الفاجعة بسبعة أيام، وتحديداً بين 14 و17 يناير 1983، تواجد الدليمي في فرنسا. لم تكن مجرد رحلة عمل، بل دعوة قنص غامضة من صديق القصر المقرب والمثير للجدل، فرانسوا دي غروسوفر، مستشار الرئيس ميتيران.

يصف المحجوب الطوبجي، المعاون العسكري الذي كان يتبع الجنرال كظله، تلك الرحلة بأنها كانت مشحونة بتوتر غير مفهوم. كان الدليمي يخرج في جولات ليلية في أزقة باريس المغطاة بالضباب الكثيف، وعند عودته للفندق، كان يطلب مراراً تشغيل أغنية "إيف مونتان" الحزينة التي تقول كلماتها: "أعطوني ضربة لرأسي وما عرفت لماذا". كان يرددها بصوت مرتجف، كمن يسلم أمره للقدر، أو كأنه يرى في كلمات تلك الأغنية سيناريو نهايته التي تُطبخ في كواليس الإليزيه.

يقول الطوبجي بصوت يملؤه الخوف: "أنا لا أؤمن بالصدف في عالم السلطة". غروسوفر، الذي وُجد مقتولاً أو منتحراً في مكتبه عام 1994، كان هو الخيط الرفيق الذي ربط بين دعوة القنص في فرنسا والكمين في مراكش. كان الطوبجي متأكداً أن التحضير للاغتيال تم هناك، بعيداً عن العيون المغربية وباستعمال خبرات أجنبية تجيد صناعة الحوادث "العادية"، لأن الحسن الثاني كان يدرك أن تكليف ضابط مغربي باغتيال الدليمي مغامرة انتحارية، نظراً لِحس الدليمي الأمني القوي.

التحدي الأخير: ليلة "الشيخات" والنداء الملكي

عاد الجنرال لمراكش بقوة وصلت حد التحدي الصريح للبروتوكول السلطاني. يروي الطوبجي واقعة تقشعر لها الأبدان حدثت قبل الاغتيال بأيام؛ كان الدليمي في سهرة "ناشطة" مع الشيخات، غارقاً في أنغام "الوتار" وعيطة الحوز، حين جاءه طلب ملكي صارم عبر الهاتف: "الملك يريدك الآن في القصر".

لكن الدليمي، الذي شعر بنفوذ فاق الحدود، رفض الحضور وقطع المكالمة. توسلت إليه زوجته "زهرة" وهي ترى الخوف في عيون الحاضرين، وحتى الكاتبة الخاصة للملك حاولت إقناعه بجدية الموقف، لكنه ركب رأسه وغرق في عناده. كان عليه فقط أن يقطع مسافة 50 متراً للوصول للهاتف الثابت والرد على الملك، لكنه رفض وأمر بجلب نساء آخرين للسهرة. في تلك اللحظة، كان الحسن الثاني في الجهه الأخرى يضع النقطة الأخيرة في سطر نهاية الدليمي. بالنسبة للملك، لم يكن الأمر مجرد خرق للبروتوكول، بل تعلق برجل يحمل أسرار العرش ويتحكم في مفاصل الجيش. تلك الليلة كانت "الوفاة السريرية" لنفوذ الجنرال قبل وفاته الجسدية.

مائدة الغداء الأخيرة وتحذير الصديق

في الرباط، وقبل رحيله، جلس الدليمي مع صديق مقرب من مدينته "سيدي قاسم". كان الغداء في منزله بحي "بير قاسم" الراقي. حكى الصديق للجنرال ما سمعه قبل يومين في حانة فندق "المأمونية" بمراكش، وكيف تغيرت ملامح مسؤولين كبار مثل عمر بنشمسي وعبد العزيز العفورة عند ذكر اسم الدليمي أمام ضيف غريب، وكيف ترددت جملة "الجيش في خطر" كنعّي مسبق.

سخر الدليمي من كلام صديقه، واصفاً إياها بدسائس حسني بنسليمان ومحمد المديوري، معتبراً إياهم خصوماً صغاراً يمارسون لعبة "الوشاية" التقليدية، ولم يدرك أن اللعبة انتقلت من الوشاية إلى التصفية الجسدية. أخبر صديقه أن الملك استدعاه لمراكش على عجل، وظن أنها جلسة عمل عادية، دون أن يعلم أنه يسلك طريقه نحو الموت.

فخ حي النخيل: تفاصيل ليلة الإعدام

مساء الثلاثاء 25 يناير 1983، قرابة الساعة الثامنة ليلاً، غادر الدليمي القصر الملكي بمراكش بعد لقاء مع الملك. كانت الطريق إلى منزله في "حي النخيل" معروفة، لكن الجو كان غريباً. رجال أمن بزي مدني تابعون لمحمد المديوري كانوا يحرسون الطريق بدلاً من فرقة الدرك الملكي المعتادة.

تقول الروايات إن قرار الاغتيال قد اتُخذ، وحسب شاهد مقرب، فإن المهمة عُرضت أولاً على ضابط في الدرك رفض التنفيذ إلا إذا أشهر الدليمي سلاحه في وجه الملك، فكان مصيره الاعتقال في مكان سري بـ "أزيلال". طلب الملك من الدليمي أن يرافقه في سيارته "مؤنس ملكي" (صاحب وكالة أسفار). جلس الدليمي في المقعد الأمامي، والسائق في مكانه، والمؤنس في الخلف. وتحت مقعد الدليمي، كان سلاحه الشخصي، رشاش إسرائيلي صغير.

في منعرج ضيق، خرجت من الظلام شاحنة كبيرة، "شاحنة الموت" المسروقة. لم يكن حادثاً عادياً، بل كميناً نارياً. تقول الرواية إن المؤنس في الخلف ضرب الدليمي على رأسه ليفقده الوعي تمهيداً لاستنطاقه، لكن الدليمي بروح المقاتل فتح الباب وقفز برشاشه محاولاً الاحتماء بغابة النخيل. غير أن القناصة الذين كانوا ينتظرونه أمطروه بوابل من الرصاص. بعد أن برد جثمانه، سحبوا الجثة ووضعوها تحت عجلات الشاحنة التي مرت فوقها ذهاباً وإياباً لإخفاء آثار الرصاص، ثم سكبوا البنزين وأشعلوا النار في السيارة لإخفاء معالم الإعدام الميداني تحت غطاء "حادثة سير".

جثة متفحمة وشهادات مريبة

وصل الضابط "البرنيشي" لمكان الحادث والدخان الأسود ما زال يتصاعد. رأى رجال المطافئ والدرك، وعامل مراكش مصطفى طارق يراقب في صمت يملؤه الخوف. البرنيشي، الذي توفي لاحقاً في حادث غامض، قال للطوبجي: "رأيت جثة الدليمي أشلاءً محروقة". لم يتعرف عليه إلا من ساعته الذهبية المعروفة التي كانت ما تزال في يد مقطوعة.

لاحظ البرنيشي شظايا قنابل مشتتة فوق الزفت، واستنتج أن السيارة لا يمكن ميكانيكياً أن تنفجر وتحترق بتلك القوة دون عبوات ناسفة. الرائحة في المكان لم تكن رائحة موت عادي، بل رائحة بارود وبنزين وتخطيط محكم لمحو أثر الجريمة قبل الفجر.

وثائق مسربة وروايات متضاربة

في كتاب "الملك الأخير"، كشف الصحفي جون بيير تيكوا عن وثيقة هزت الرواية الرسمية؛ رسالة من المديوري للحسن الثاني تتضمن تقريراً عن استنطاق "الخائن الدليمي". جاء فيها أن الدليمي اعترف بلقاءات سرية في باريس مع مخابرات أمريكية وجزائرية ومن "البوليساريو" للتخطيط لانقلاب عسكري أثناء تواجد الملك بمراكش.

حسب هذه الرواية، الدليمي لم يمت في الحادث فوراً، بل نُقل وهو فاقد للوعي إلى "فيلا أمنية" حيث خضع لتحقيق قاسٍ حضره الملك شخصياً، وهناك تمت تصفيته بعد أخذ اعترافات مكتوبة وتوكيلات بأملاكه. كما تحدثت الرسالة عن أجهزة تعذيب متطورة وشريط فيديو قدمه كولونيل أمريكي للملك يثبت تورط الدليمي في مؤامرة تستهدف العرش.

من جهة أخرى، ادعى الضابط أحمد رامي من منفاه في السويد أن الملك تسلم ملفاً سرياً يصور الدليمي مع ضباط معارضين في ستوكهولم قبل وفاته بعشرة أيام. وحسب رامي، نُقل الدليمي لغرفة تحقيق في القصر حيث استجوبه عملاء من المخابرات الأمريكية حتى فارق الحياة، ثم نُقلت جثته في سيارة "مرسيدس" وتم افتعال الحادثة لإيهام الرأي العام.

فرضية "حرمة القصر"

يضع المحجوب الطوبجي في كتابه "ضباط صاحب الجلالة" فرضية أخرى؛ يرى أن الدليمي لم يكن بحاجة لانقلاب لأنه كان فعلياً "الملك غير المتوج" والمتحكم في الأجهزة الأمنية. يعتقد الطوبجي أن السبب الحقيقي قد يكون "أخلاقياً" يتعلق بخصوصيات العائلة الملكية، حيث حاول الدليمي الإيقاع بالمديوري في فضيحة مع إحدى الأميرات ليزيحه من طريقه وينفرد بالملك. لكن الملك اعتبر هذا التطاول تهديداً لـ "الوقار السلطاني"، وكان قرار التخلص منه "عملية جراحية" ضرورية للنظام لاستعادة هيبته.

الجنازة والصفقة الصامتة

في 26 يناير 1983، دُفن أحمد الدليمي في مقبرة الشهداء بالرباط في جنازة رسمية كبيرة ظاهرياً، لكنها باردة ومريبة جوهرياً. مُنعت عائلته من رؤية الجثة، وفي مشهد تراجيدي، زار الحسن الثاني الأرملة "زهرة" ليعزيها شخصياً، في خروج عن التقاليد العلوية.

كانت زهرة تدرك مصير عائلة أوفقير (الجوع والنفي)، وبذكاء المرأة الخائفة على أطفالها، سقطت على رجلي الملك تقبلهما بمرارة قائلة: "الجنرال كان مثل ابنك، وأنا راضية بقدر الله، كل ما أطلبه هو حفظ أولادي وأسرتي". استجاب الملك لطلبها، وأصبح وصياً على الأطفال وبقيت أملاك الدليمي للعائلة، في صفقة صمت وامتنان متبادلة، لتموت الحقيقة تحت تراب المقبرة وتبقى رواية "حادثة السير" هي الوحيدة المسموح بها.

الخاتمة: لغز لا يشيخ

رحل الدليمي، وتفككت مراكز القوى التي بناها، ليبدأ عصر إدريس البصري الذي مد يده الأخطبوطية لتشمل كل شيء. لم يكن الدليمي مجرد جنرال، بل كان يمثل مرحلة كاملة وصاخبة من تاريخ المغرب المعاصر؛ مرحلة الصراع في الصحراء والتوازنات الدقيقة بين القصر والجيش.

اليوم، حين يمر الناس من منعرج "حي النخيل" في ليالي يناير الباردة، لا يجدون أثراً للدم أو الحريق، لكن صدى الارتطام وصوت الرصاص الغادر ما زال يتردد في ذاكرة التاريخ. يبقى سؤال معلق: هل كان الدليمي ضحية طموحه الذي لم يعرف حدوداً، أم ضحية أسراره التي فاقت قدرته على الكتمان؟ انتهى عهد الدليمي لتبدأ إمبراطورية البصري، وظل ملف الصحفي علي أنوزلا المنشور عام 2008 وثيقة شاهدة على لغز مدفون في صندوق مغلق بمقبرة الشهداء. رحل الجنرال وبقي اللغز يدور في كواليس القصور وبين سطور الكتب الممنوعة.

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث