مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر الحلقة 07 اغتيالات ما بعد الاستقلال
في الحلقة الماضية، استعرض لنا المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر الفرص الضائعة في مغرب ما قبل الاستقلال ومغرب ما بعد الاستقلال. وفي هذه الحلقة، يسرد لنا قصص الاعتقالات والاغتيالات التي شهدها مغرب بناء الدولة. يقول محمد بنسعيد آيت إيدر في هذا السياق، سياق القصور والأخطاء القاتلة وإهدار الفرص، إنه من المفيد تقديم إضاءة تتعلق بمسيرة هذين الحزبين الوطنيين، حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، وبتاريخهما المشترك في تأسيس الأنوية الأولى لحركتيهما منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، وبالاصطدامات التي حدثت بينهما، وحتى بالتحالفات غير المستقرة والأعمال التي قاموا بها بشكل موحد نادرا بإرادة ذاتية، وغالبا بتدخل طرف ثالث، كبعض الأحزاب المغاربية أو أعضاء من الجامعة العربية، من أجل تحقيق توافق بينهما في معركة مواجهة الاستعمار، خاصة سنة 1951 حين احتد الصراع بين القصر والجنرال جوان.
كان هذان الحزبان يعيشان مرحلة خلافات حادة، حدث هذا مثلا عندما تدخلت الجامعة العربية في مسعى حميد لتشجيع الحزبين، ومعهما أيضا حزب الإصلاح وحزب الوحدة، على توقيع ميثاق يوحدهم في وجه الضغوط التي كان يمارسها الجنرال جوان على الملك محمد الخامس. لن أناقش الحزبين بخصوص موقفهما من المقاومة المسلحة، فهذا بالنسبة لي حديث ذو شجون ليس هذا مقامه المناسب، ولكني لا أرى ما يدعوني لكي لا أطرح مثلا مشكلة عدم توحيد موقفهما خلال محادثات إيكس ليبان من أجل الاستقلال وعودة الملك الشرعي إلى الوطن. فما زلت إلى اليوم أعتقد أن تلك المناسبة كانت فرصة ثمينة للاتفاق على برنامج يجمع ويؤلف بين الموقفين، أي انتزاع الاستقلال الكامل الذي كان ينادي به حزب الاستقلال، وبناء دولة المؤسسات التي كان ينادي بها حزب الشورى والاستقلال، خصوصا وأن الحزبين كانا قد ذهبا في وفد مشترك لزيارة الملك في منفاه في مناخ بعيد عن الضغوطات الخارجية لإبرام تحالف برنامجي مع الملك.
استقبل الملك الوفد بحماس وكان ينتظر منهم جديدا يخرجه من حالة الحصار. لو تم هذا العمل الوحدوي لكان قد قطع الطريق على كل الأطراف التي لم تكن تعيش وتنتعش سوى في أجواء الخلافات والانقسامات، وكان ربما قد أعطى توجيها آخر وآفاقا أخرى لتلك المفاوضات، وحد من التنازلات التي اضطر لها الوفد المغربي المفاوض إزاء فرنسا والقوى المغربية الموالية لها. كما أعتبر أن هذين الحزبين يتحملان نصيبا كبيرا من المسؤولية عما تردت فيه الوضعية السياسية للبلاد بعد ذلك، لأنهما لم يكونا مسلحين بالوعي الديمقراطي الكافي، ولم يدركا تمام الإدراك ما كان يتطلبه الوضع السياسي وقتئذ من تركيز في تحالفهم مع الملك محمد الخامس على برنامج وطني ديمقراطي يجنب البلاد المصير الذي سيقت إليه خدمة لمصالح أعداء حركة التحرر، مستندين لدعم أطراف وازنة في حاشية القصر والاستعمار الجديد.
كان ذلك التحالف البرنامجي مع الملك في تلك الفترة الحرجة سيمكن هذين الحزبين بشكل خاص من لجم الطموحات الفردية اللامحدودة لولي العهد آنذاك وضغوطه التي كان لها تأثير كبير على والده الملك محمد الخامس، والساعية لوقف التحالف الضمني ما بين الملك والحركة الوطنية الذي صمد لحقبة تاريخية من النضال الوطني، حين اختارت الكتلة الوطنية أن تلعب بورقة السلطان الذي قام هو الآخر بدور مشرف في أهم الفترات العصيبة، وخاصة أثناء التوتر الحاد مع الجنرالين جوان وكيوم، اللذين لم يدخرا وسيلة للضغط عليه من أجل التبرؤ من الحركة الاستقلالية وتوقيع مراسيم الإصلاحات المفروضة عليه.
أدى غياب مثل هذا التحالف الثلاثي ما بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال والملك محمد الخامس، في إطار دولة مؤسسات ودولة حق وقانون وحريات وتعددية فكرية وسياسية، إلى الانزلاق نحو هاوية معارك أخرى زجت بالبلاد في دوامة من المواجهات والصدامات وحملات القمع الممنهج. وكان من الثمار الأولى المرة والسامة لذلك الانحراف تمردات عامل إقليم تافيلات وأحداث تازة والخميسات، وكذا صدامات الريف. ورغم أنني أثمن عددا من رؤى ومواقف الأستاذ بلحسن الوزاني وأتفهم مواقف أخرى لحزب الشورى، فإني لا أملك إلا أن أستغرب قيام حزب الشورى والاستقلال بمساندة تمردات عدة وانتفاضة الريف، وتورطه في تحالفات مع قوى سياسية مصنوعة من أجل ضرب حركة التحرر الوطني خدمة للاستعمار الجديد. كما أستغرب بنفس القدر وجود عدد من القادة التاريخيين لحزب الاستقلال مع ذات الأحزاب المصنوعة، من حكومة البكاي الأولى إلى حكومة البكاي الثانية.
بتأسيس حكومة البكاي الأولى، بدأ التعاقد الضمني والرمزي ما بين الملك محمد الخامس والقوى الوطنية والاستقلالية يفقد مضمونه التحرري، فوضع مطلب بناء دولة المؤسسات على الرف من قبل أغلب الوطنيين الذين كان بإمكانهم تجنيب الصف الوطني الانبطاح لأطروحات الاستعمار الجديد، وكان بإمكانهم عدم تسهيل إرساء الحكم الفردي على قاعدة دستور ممنوح في عهد الحسن الثاني عام 1962، ولكنهم لم يفعلوا شيئا يجعل الرياح تجري ولو قليلا بما تشتهي سفنهم. الأمور اتخذت مسارات أخرى خطيرة لم تخطر على بال، كانت إحدى علاماتها المبكرة البالغة الدلالة اختطاف الزعماء الخمسة لجبهة التحرير الجزائرية في أكتوبر 1956 من طرف اللوبي الاستعماري بعد أن كانوا في ضيافة محمد الخامس، وهو ما ولد ردود فعل شديدة استهدفت العناصر الاستعمارية الفرنسية، مما اضطر معه الملك لتعيين حاكم عسكري بمدينة مكناس وفرض أحكام عرفية لاستتباب الأمن.
وضع هذا الاختطاف الحكومة الائتلافية أمام تحديات مباغتة وغير مسبوقة، وهي التي لا تملك الحصانة الكافية لمواجهة عدوانية اللوبي الاستعماري الفرنسي ولا القدرة على فرض استتباب الأمن، إضافة لتعرضها للانتقاد من مختلف الشرائح الوطنية، وعلى رأسها تلك الرافضة للحلول الوسطى والتي تم إقصاؤها بسبب مواقفها من اتفاقية لاسيل سان كلو ومن المساومة التي أنتجت تلك الحكومة الائتلافية. في هذه الشروط المحرجة، أقدم الملك محمد الخامس على القيام بتعديل حكومي تمخضت عنه حكومة البكاي الثانية، حصل فيها حزب الاستقلال على مقاعد مهمة تلبية لمطالبته المتكررة بحكومة منسجمة، وتم إبعاد حزب الشورى والاستقلال منها، كما أقيل وزير الداخلية القائد الحسن اليوسي الذي عجز عن تدبير وزارة كان يراد منها أن تمثل أم الوزارات، وتم تعويضه بالقيادي في حزب الاستقلال إدريس المحمدي.
لكن كل تلك التغييرات لم تخفف من الأزمة، بل أصبحت هي نفسها من البواعث الإضافية على اصطفافات اليمين والمحافظين ممن سيشكلون لاحقا القوة الثالثة التي ستحظى برعاية ودعم مباشر وغير مباشر من قبل أطراف فاعلة في القصر الملكي. وقد أخذت قوى اليمين هذه تتوسع تحت غطاء المخزن الشريف، موجهة نيرانها نحو ما كانت تسميه كذبا هيمنة الحزب الوحيد، ومقدمة نفسها في صورة المدافعة عن التعددية الحزبية. كانت هذه القوى قد أصدرت ما يشبه البيان الذي يعبر عن هويتها وشعاراتها، واستطاعت أن تكسب إلى صفها الوزير الأول البكاي الذي ساند موقفها حين استقبل وفدا يضم كلا من حزب الشورى والاستقلال ونواة ما سيصبح لاحقا الحركة الشعبية والوحدة والأحرار المستقلين، وكان كل هذا التجمع قد وضع تحت قيادة الصديق الحميم لولي العهد آنذاك رضا كديرة.
حصل كل ذلك في ظروف كان فيها حزب الاستقلال يعرف نقاشا داخليا واسعا أطره وقاده تنسيق ثلاثي يمثل التوجهات المختلفة المتصارعة داخل الحزب. وكانت البلاد تشهد نهضة على مستويات مختلفة في الإعلام والحركات الاجتماعية وتنظيمات المجتمع المدني والشبيبة والطلبة، نهضة تتسع دوائر تأثير خطابها وتطلق شعارات واضحة في تعبيرها عن هويتها وإرادة اختراقها لكل الخطوط الحمراء التي كانت مرسومة إلى ذلك الحين. أمام هذه التطورات، كان لزاما أن يتطور إطار النقاش الدائر في صفوف الحركة الاستقلالية، وهكذا تم إحداث قيادة سميت اللجنة السياسية تضم القيادات التاريخية لكل من حزب الاستقلال، والاتحاد المغربي للشغل، والمنظمة السرية التي قادت العمل المسلح بالمدن، وجيش التحرير بالشمال المغربي.
توصلت هذه اللجنة بعد أشواط من النقاشات إلى اتفاقات أساسية عكسها البيان الذي أصدرته، والذي حدد موقفها من أوضاع الحزب ومن أوضاع البلاد، وطرح مشروعا متكاملا يركز توجهات الحزب ورؤيته لحل مشكلة الحكم في البلاد، وفي مركزها شعار المجلس التأسيسي. وفي أبريل 1958، أصدرت اللجنة السياسية بيانا حددت فيه شروط الحركة الاستقلالية من أجل تأسيس الحكومة الجديدة، شملت الحفاظ على الاستقلال، وجلاء القوات الأجنبية، وتقوية العلاقات مع دول المغرب العربي ودعم تحرير الجزائر، وإقامة مؤسسات ديمقراطية وتنمية اقتصادية، وضمان الحريات العامة وتحديد تاريخ الانتخابات المحلية، وصولا إلى إقامة ملكية دستورية أو مجلس تأسيسي.
ولا أنسى ما شهدته المنطقة الشمالية من أحداث مثيرة للقلق ومن بؤر انفلاتات أمنية في مواقع متعددة يوجد بها مراكز لجيش التحرير الذي استمر في مراقبة الأمن بها بحذر. وكانت الدولة قد اهتدت إلى تعيين مسؤولين من قيادات جيش التحرير كعمال في مناطق مختلفة، مثل عبد الله الصنهاجي في الناظور، ومحمد منصور في الحسيمة، ومحمد بن الحاج العتابي في شفشاون، ومحمد بن علي المكناسي في العرائش. كما عين مقاومون آخرون كقياد في المناطق الشمالية، لكن لم تكن لهم الكفاءة الإدارية الكافية، بالإضافة إلى أن أصولهم من جنوب المغرب، مما أثار حساسيات جهوية وقبلية لدى أبناء الشمال.
يمكن أن ندرك بوضوح العوامل التي جعلت القصر يتفق على تلك التعيينات، منها انتسابهم للمقاومة وشرف مشاركتهم في تحرير البلاد، ولكن واقع كونهم من أبناء الجنوب ونصبوا في مناطق تعيش انتفاضات شعبية بسبب التهميش ومرارة الإقصاء، أدى إلى تصادمات. وقد يكون في خلفية قبول القصر تعيين أولئك المقاومين هدف آخر وهو ضرب عصفورين بحجر واحد، أي إخماد الانتفاضات بسلطة مقاومين مفروض فيهم أن يكونوا مع مطالب الناس. انكشف هذا الأمر لاحقا عندما تمت إقالة أولئك العمال والقياد في عهد الدستور الممنوح من قبل وزير داخلية الملك الحسن الثاني، الجنرال محمد أوفقير.
إجمالا، تمثلت الكتل السياسية التي ظهرت واستقرت في معسكر اليمين والمحافظين في أحزاب الأحرار المستقلين، وكتلة يمينية تتبنى شعار الدفاع عن العرش مدعومة من القصر، مقابل كتلة وطنية تقدمية تمثلها اللجنة السياسية، والكتلة الثالثة التي يمثلها الملك محمد الخامس كقوة حسم. هذا المناخ من اشتداد الصراع انتقل إلى قيادة جيش التحرير بالجنوب، وحملت معي إلى هناك هموما سياسية واجتماعية ومادية كبيرة، شغلتني لثلاثة أعوام، تابعت خلالها تطورات الوضع حيث أفرزت الاصطفافات تكتلات متباينة.
في هذه الفترة، ترأس البكاي لقاء للتحالف اليميني وأصدر بيانا يتبنى مطالب التكتل متجاوزا حياده كرئيس حكومة. وكان حزب الاستقلال يرغب في الخروج من الحكومة لعدم انسجامها، ودعا لإنشاء مؤسسات ديمقراطية. بادر المهدي بن بركة لخلق لجنة سياسية تحضيرا لمؤتمر الحزب في يناير 1959، واتخذ قرار استقالة الحزب من الحكومة، لكن الملك رفض شروط البيان، وهنا قدرت القيادة التاريخية أن التصعيد يقود لمواجهة مباشرة مع الملك، وبذلك انفرط التحالف الذي جمع حزب الاستقلال والسلطان.
تطور الخلاف داخل حزب الاستقلال حتى أدى للانشقاق، وخرج حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم الحزب في 25 يناير 1959. وفي سياق آخر، أسالت قضية اغتيال عباس المساعدي الكثير من المداد، وكان الهدف من تسليط الضوء عليها هو تشويه صورة المهدي بن بركة الذي كان يمثل وجه الحداثة والمشروع الديمقراطي في المغرب. الحقيقة أنه لم يكن هناك توافق بين المهدي والمساعدي، لكن الزعم بأن المهدي فكر في اغتياله هو اتهام ساخر وشيطاني، فبنب ركة كان أكبر من ذلك بكثير، والاغتيال لم يكن يوما من شيمه.
توالت الأحداث من تمرد عدي أوبيه في تافيلات إلى أحداث الريف عام 1958، وصولا إلى إسقاط حكومة عبد الله ابراهيم التي ضمت رموزا وطنية وحملت برامج رائدة، لكن قوى الاستعمار الجديد وحكومة الظل برئاسة ولي العهد عملت على إسقاطها. ثم جاءت الاعتقالات التي شملتني وشملت اليوسفي والفقيه البصري بتهم ملفقة، منها محاولة اغتيال ولي العهد، وهي تهم حاكها الغزاوي وولي العهد لإقناع الملك محمد الخامس بضرورة تصفية حركة التحرر. تعرضت لتعذيب وحشي في المقاطعة السابعة بالدار البيضاء لأكثر من 15 يوما دون جدوى، ثم زج بنا في السجن دون محاكمة لحل جيش التحرير والانقلاب على الحكومة الوطنية. هكذا استطاع القصر تغيير موازين القوى لصالحه، وجاء دستور 1962 ليكرس حكم الفرد ويصيب التعددية السياسية بعطب لم تبرأ منه أبدا.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.
كان هذان الحزبان يعيشان مرحلة خلافات حادة، حدث هذا مثلا عندما تدخلت الجامعة العربية في مسعى حميد لتشجيع الحزبين، ومعهما أيضا حزب الإصلاح وحزب الوحدة، على توقيع ميثاق يوحدهم في وجه الضغوط التي كان يمارسها الجنرال جوان على الملك محمد الخامس. لن أناقش الحزبين بخصوص موقفهما من المقاومة المسلحة، فهذا بالنسبة لي حديث ذو شجون ليس هذا مقامه المناسب، ولكني لا أرى ما يدعوني لكي لا أطرح مثلا مشكلة عدم توحيد موقفهما خلال محادثات إيكس ليبان من أجل الاستقلال وعودة الملك الشرعي إلى الوطن. فما زلت إلى اليوم أعتقد أن تلك المناسبة كانت فرصة ثمينة للاتفاق على برنامج يجمع ويؤلف بين الموقفين، أي انتزاع الاستقلال الكامل الذي كان ينادي به حزب الاستقلال، وبناء دولة المؤسسات التي كان ينادي بها حزب الشورى والاستقلال، خصوصا وأن الحزبين كانا قد ذهبا في وفد مشترك لزيارة الملك في منفاه في مناخ بعيد عن الضغوطات الخارجية لإبرام تحالف برنامجي مع الملك.
استقبل الملك الوفد بحماس وكان ينتظر منهم جديدا يخرجه من حالة الحصار. لو تم هذا العمل الوحدوي لكان قد قطع الطريق على كل الأطراف التي لم تكن تعيش وتنتعش سوى في أجواء الخلافات والانقسامات، وكان ربما قد أعطى توجيها آخر وآفاقا أخرى لتلك المفاوضات، وحد من التنازلات التي اضطر لها الوفد المغربي المفاوض إزاء فرنسا والقوى المغربية الموالية لها. كما أعتبر أن هذين الحزبين يتحملان نصيبا كبيرا من المسؤولية عما تردت فيه الوضعية السياسية للبلاد بعد ذلك، لأنهما لم يكونا مسلحين بالوعي الديمقراطي الكافي، ولم يدركا تمام الإدراك ما كان يتطلبه الوضع السياسي وقتئذ من تركيز في تحالفهم مع الملك محمد الخامس على برنامج وطني ديمقراطي يجنب البلاد المصير الذي سيقت إليه خدمة لمصالح أعداء حركة التحرر، مستندين لدعم أطراف وازنة في حاشية القصر والاستعمار الجديد.
كان ذلك التحالف البرنامجي مع الملك في تلك الفترة الحرجة سيمكن هذين الحزبين بشكل خاص من لجم الطموحات الفردية اللامحدودة لولي العهد آنذاك وضغوطه التي كان لها تأثير كبير على والده الملك محمد الخامس، والساعية لوقف التحالف الضمني ما بين الملك والحركة الوطنية الذي صمد لحقبة تاريخية من النضال الوطني، حين اختارت الكتلة الوطنية أن تلعب بورقة السلطان الذي قام هو الآخر بدور مشرف في أهم الفترات العصيبة، وخاصة أثناء التوتر الحاد مع الجنرالين جوان وكيوم، اللذين لم يدخرا وسيلة للضغط عليه من أجل التبرؤ من الحركة الاستقلالية وتوقيع مراسيم الإصلاحات المفروضة عليه.
أدى غياب مثل هذا التحالف الثلاثي ما بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال والملك محمد الخامس، في إطار دولة مؤسسات ودولة حق وقانون وحريات وتعددية فكرية وسياسية، إلى الانزلاق نحو هاوية معارك أخرى زجت بالبلاد في دوامة من المواجهات والصدامات وحملات القمع الممنهج. وكان من الثمار الأولى المرة والسامة لذلك الانحراف تمردات عامل إقليم تافيلات وأحداث تازة والخميسات، وكذا صدامات الريف. ورغم أنني أثمن عددا من رؤى ومواقف الأستاذ بلحسن الوزاني وأتفهم مواقف أخرى لحزب الشورى، فإني لا أملك إلا أن أستغرب قيام حزب الشورى والاستقلال بمساندة تمردات عدة وانتفاضة الريف، وتورطه في تحالفات مع قوى سياسية مصنوعة من أجل ضرب حركة التحرر الوطني خدمة للاستعمار الجديد. كما أستغرب بنفس القدر وجود عدد من القادة التاريخيين لحزب الاستقلال مع ذات الأحزاب المصنوعة، من حكومة البكاي الأولى إلى حكومة البكاي الثانية.
بتأسيس حكومة البكاي الأولى، بدأ التعاقد الضمني والرمزي ما بين الملك محمد الخامس والقوى الوطنية والاستقلالية يفقد مضمونه التحرري، فوضع مطلب بناء دولة المؤسسات على الرف من قبل أغلب الوطنيين الذين كان بإمكانهم تجنيب الصف الوطني الانبطاح لأطروحات الاستعمار الجديد، وكان بإمكانهم عدم تسهيل إرساء الحكم الفردي على قاعدة دستور ممنوح في عهد الحسن الثاني عام 1962، ولكنهم لم يفعلوا شيئا يجعل الرياح تجري ولو قليلا بما تشتهي سفنهم. الأمور اتخذت مسارات أخرى خطيرة لم تخطر على بال، كانت إحدى علاماتها المبكرة البالغة الدلالة اختطاف الزعماء الخمسة لجبهة التحرير الجزائرية في أكتوبر 1956 من طرف اللوبي الاستعماري بعد أن كانوا في ضيافة محمد الخامس، وهو ما ولد ردود فعل شديدة استهدفت العناصر الاستعمارية الفرنسية، مما اضطر معه الملك لتعيين حاكم عسكري بمدينة مكناس وفرض أحكام عرفية لاستتباب الأمن.
وضع هذا الاختطاف الحكومة الائتلافية أمام تحديات مباغتة وغير مسبوقة، وهي التي لا تملك الحصانة الكافية لمواجهة عدوانية اللوبي الاستعماري الفرنسي ولا القدرة على فرض استتباب الأمن، إضافة لتعرضها للانتقاد من مختلف الشرائح الوطنية، وعلى رأسها تلك الرافضة للحلول الوسطى والتي تم إقصاؤها بسبب مواقفها من اتفاقية لاسيل سان كلو ومن المساومة التي أنتجت تلك الحكومة الائتلافية. في هذه الشروط المحرجة، أقدم الملك محمد الخامس على القيام بتعديل حكومي تمخضت عنه حكومة البكاي الثانية، حصل فيها حزب الاستقلال على مقاعد مهمة تلبية لمطالبته المتكررة بحكومة منسجمة، وتم إبعاد حزب الشورى والاستقلال منها، كما أقيل وزير الداخلية القائد الحسن اليوسي الذي عجز عن تدبير وزارة كان يراد منها أن تمثل أم الوزارات، وتم تعويضه بالقيادي في حزب الاستقلال إدريس المحمدي.
لكن كل تلك التغييرات لم تخفف من الأزمة، بل أصبحت هي نفسها من البواعث الإضافية على اصطفافات اليمين والمحافظين ممن سيشكلون لاحقا القوة الثالثة التي ستحظى برعاية ودعم مباشر وغير مباشر من قبل أطراف فاعلة في القصر الملكي. وقد أخذت قوى اليمين هذه تتوسع تحت غطاء المخزن الشريف، موجهة نيرانها نحو ما كانت تسميه كذبا هيمنة الحزب الوحيد، ومقدمة نفسها في صورة المدافعة عن التعددية الحزبية. كانت هذه القوى قد أصدرت ما يشبه البيان الذي يعبر عن هويتها وشعاراتها، واستطاعت أن تكسب إلى صفها الوزير الأول البكاي الذي ساند موقفها حين استقبل وفدا يضم كلا من حزب الشورى والاستقلال ونواة ما سيصبح لاحقا الحركة الشعبية والوحدة والأحرار المستقلين، وكان كل هذا التجمع قد وضع تحت قيادة الصديق الحميم لولي العهد آنذاك رضا كديرة.
حصل كل ذلك في ظروف كان فيها حزب الاستقلال يعرف نقاشا داخليا واسعا أطره وقاده تنسيق ثلاثي يمثل التوجهات المختلفة المتصارعة داخل الحزب. وكانت البلاد تشهد نهضة على مستويات مختلفة في الإعلام والحركات الاجتماعية وتنظيمات المجتمع المدني والشبيبة والطلبة، نهضة تتسع دوائر تأثير خطابها وتطلق شعارات واضحة في تعبيرها عن هويتها وإرادة اختراقها لكل الخطوط الحمراء التي كانت مرسومة إلى ذلك الحين. أمام هذه التطورات، كان لزاما أن يتطور إطار النقاش الدائر في صفوف الحركة الاستقلالية، وهكذا تم إحداث قيادة سميت اللجنة السياسية تضم القيادات التاريخية لكل من حزب الاستقلال، والاتحاد المغربي للشغل، والمنظمة السرية التي قادت العمل المسلح بالمدن، وجيش التحرير بالشمال المغربي.
توصلت هذه اللجنة بعد أشواط من النقاشات إلى اتفاقات أساسية عكسها البيان الذي أصدرته، والذي حدد موقفها من أوضاع الحزب ومن أوضاع البلاد، وطرح مشروعا متكاملا يركز توجهات الحزب ورؤيته لحل مشكلة الحكم في البلاد، وفي مركزها شعار المجلس التأسيسي. وفي أبريل 1958، أصدرت اللجنة السياسية بيانا حددت فيه شروط الحركة الاستقلالية من أجل تأسيس الحكومة الجديدة، شملت الحفاظ على الاستقلال، وجلاء القوات الأجنبية، وتقوية العلاقات مع دول المغرب العربي ودعم تحرير الجزائر، وإقامة مؤسسات ديمقراطية وتنمية اقتصادية، وضمان الحريات العامة وتحديد تاريخ الانتخابات المحلية، وصولا إلى إقامة ملكية دستورية أو مجلس تأسيسي.
ولا أنسى ما شهدته المنطقة الشمالية من أحداث مثيرة للقلق ومن بؤر انفلاتات أمنية في مواقع متعددة يوجد بها مراكز لجيش التحرير الذي استمر في مراقبة الأمن بها بحذر. وكانت الدولة قد اهتدت إلى تعيين مسؤولين من قيادات جيش التحرير كعمال في مناطق مختلفة، مثل عبد الله الصنهاجي في الناظور، ومحمد منصور في الحسيمة، ومحمد بن الحاج العتابي في شفشاون، ومحمد بن علي المكناسي في العرائش. كما عين مقاومون آخرون كقياد في المناطق الشمالية، لكن لم تكن لهم الكفاءة الإدارية الكافية، بالإضافة إلى أن أصولهم من جنوب المغرب، مما أثار حساسيات جهوية وقبلية لدى أبناء الشمال.
يمكن أن ندرك بوضوح العوامل التي جعلت القصر يتفق على تلك التعيينات، منها انتسابهم للمقاومة وشرف مشاركتهم في تحرير البلاد، ولكن واقع كونهم من أبناء الجنوب ونصبوا في مناطق تعيش انتفاضات شعبية بسبب التهميش ومرارة الإقصاء، أدى إلى تصادمات. وقد يكون في خلفية قبول القصر تعيين أولئك المقاومين هدف آخر وهو ضرب عصفورين بحجر واحد، أي إخماد الانتفاضات بسلطة مقاومين مفروض فيهم أن يكونوا مع مطالب الناس. انكشف هذا الأمر لاحقا عندما تمت إقالة أولئك العمال والقياد في عهد الدستور الممنوح من قبل وزير داخلية الملك الحسن الثاني، الجنرال محمد أوفقير.
إجمالا، تمثلت الكتل السياسية التي ظهرت واستقرت في معسكر اليمين والمحافظين في أحزاب الأحرار المستقلين، وكتلة يمينية تتبنى شعار الدفاع عن العرش مدعومة من القصر، مقابل كتلة وطنية تقدمية تمثلها اللجنة السياسية، والكتلة الثالثة التي يمثلها الملك محمد الخامس كقوة حسم. هذا المناخ من اشتداد الصراع انتقل إلى قيادة جيش التحرير بالجنوب، وحملت معي إلى هناك هموما سياسية واجتماعية ومادية كبيرة، شغلتني لثلاثة أعوام، تابعت خلالها تطورات الوضع حيث أفرزت الاصطفافات تكتلات متباينة.
في هذه الفترة، ترأس البكاي لقاء للتحالف اليميني وأصدر بيانا يتبنى مطالب التكتل متجاوزا حياده كرئيس حكومة. وكان حزب الاستقلال يرغب في الخروج من الحكومة لعدم انسجامها، ودعا لإنشاء مؤسسات ديمقراطية. بادر المهدي بن بركة لخلق لجنة سياسية تحضيرا لمؤتمر الحزب في يناير 1959، واتخذ قرار استقالة الحزب من الحكومة، لكن الملك رفض شروط البيان، وهنا قدرت القيادة التاريخية أن التصعيد يقود لمواجهة مباشرة مع الملك، وبذلك انفرط التحالف الذي جمع حزب الاستقلال والسلطان.
تطور الخلاف داخل حزب الاستقلال حتى أدى للانشقاق، وخرج حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم الحزب في 25 يناير 1959. وفي سياق آخر، أسالت قضية اغتيال عباس المساعدي الكثير من المداد، وكان الهدف من تسليط الضوء عليها هو تشويه صورة المهدي بن بركة الذي كان يمثل وجه الحداثة والمشروع الديمقراطي في المغرب. الحقيقة أنه لم يكن هناك توافق بين المهدي والمساعدي، لكن الزعم بأن المهدي فكر في اغتياله هو اتهام ساخر وشيطاني، فبنب ركة كان أكبر من ذلك بكثير، والاغتيال لم يكن يوما من شيمه.
توالت الأحداث من تمرد عدي أوبيه في تافيلات إلى أحداث الريف عام 1958، وصولا إلى إسقاط حكومة عبد الله ابراهيم التي ضمت رموزا وطنية وحملت برامج رائدة، لكن قوى الاستعمار الجديد وحكومة الظل برئاسة ولي العهد عملت على إسقاطها. ثم جاءت الاعتقالات التي شملتني وشملت اليوسفي والفقيه البصري بتهم ملفقة، منها محاولة اغتيال ولي العهد، وهي تهم حاكها الغزاوي وولي العهد لإقناع الملك محمد الخامس بضرورة تصفية حركة التحرر. تعرضت لتعذيب وحشي في المقاطعة السابعة بالدار البيضاء لأكثر من 15 يوما دون جدوى، ثم زج بنا في السجن دون محاكمة لحل جيش التحرير والانقلاب على الحكومة الوطنية. هكذا استطاع القصر تغيير موازين القوى لصالحه، وجاء دستور 1962 ليكرس حكم الفرد ويصيب التعددية السياسية بعطب لم تبرأ منه أبدا.
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





