مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 06): علمنا البوليزاريو

الكاتب: تيرفي نت | المعرفة للجميعتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 06): كواليس جيش التحرير وجذور قضية الصحراء

مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 06): كواليس جيش التحرير وجذور قضية الصحراء

في الحلقة الماضية، استعرض لنا المقاوم الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر تفاصيل "معركة إيكوفيون" الشهيرة. وفي هذه الحلقة، يتطرق رحمه الله إلى الأسباب العميقة التي أدت إلى نشأة وتأسيس "جبهة البوليساريو"، كما يتحدث عن كواليس أول حكومة مغربية بعد الاستقلال والتحديات السياسية والعسكرية التي واجهت المغرب آنذاك.

تداعيات معركة "إيكوفيون" ومعاناة جيش التحرير

شكلت معركة "إيكوفيون" نهاية لمرحلة وبداية لأخرى؛ حيث توقفت على إثرها المعارك ووضعت الحرب أوزارها. ورغم استمرار جيش التحرير في حالة تأهب بالمنطقة حتى عام 1959، إلا أنه لم تقع أي مواجهات تذكر مع الجيشين الإسباني أو الفرنسي.

لقد كان للمخاض السياسي والاصطفافات التي عاشها المغرب، ناهيك عن المشاكل الداخلية التي واجهها جيش التحرير، دور حاسم في التأثير على مساره. والحقيقة أن توقف الحرب أثر سلباً على معنويات الجنود، خاصة في ظل العجز المالي الكبير في خزينة الجيش. كان بقاء الجنود في حالة انتظار لا ينتهي، مرابطين في مناطق "آيت بعمران" و"طرفاية" وعلى امتداد الحدود لشهور طويلة، أمراً مرهقاً للغاية، حيث كانوا يقاسون حرارة الصيف اللاهبة وبرد الشتاء القارس في خنادقهم، مدفوعين فقط بإيمانهم بعدالة قضيتهم.

مؤتمر "بوخشيبية": الحدث السياسي الأبرز (1958)

لم تكن الهزيمة في "إيكوفيون" سياسية بل عسكرية فقط. فقد كانت حافزاً لتنظيم مؤتمر "بوخشيبية" في 12 مارس 1958، وهو أهم حدث سياسي تلا المعركة. انعقد المؤتمر على الحدود الفاصلة بين إقليم طرفاية ومنطقة العيون، بمشاركة واسعة من شيوخ وممثلي القبائل الصحراوية والموريتانية.

أبرز التوصيات والنتائج:
تأييد الخطاب الملكي: دعم خطاب الملك محمد الخامس في "محاميد الغزلان" (26 فبراير 1958)، والذي وعد فيه باسترجاع الأراضي المغربية التاريخية.

الوحدة الوطنية: التأكيد على عدم الاعتراف إلا بملك واحد (محمد الخامس) ووطن واحد (المغرب).

إدانة الاستعمار: التنديد بالجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي والإسباني ضد الساكنة الصحراوية.

تلى ذلك مؤتمر الرباط في مارس 1959، الذي حضره 138 مؤتمراً يمثلون كافة القبائل، لترسيخ هذه المواقف وتحديد استراتيجية التحرير في المغرب العربي وإفريقيا.

الهيكلة الإدارية والعسكرية لجيش التحرير بالجنوب
عندما تولينا قيادة جيش التحرير، وجدنا تنظيماً يفتقر للضوابط القانونية والعسكرية الموحدة، فعملنا على إعادة تنظيمه بشكل احترافي عبر إنشاء عدة أقسام:

القسم العسكري: للإشراف على مراكز التدريب ومخازن السلاح.

القسم السياسي: مكلف بالنشر، التوجيه، وتنظيم اللقاءات مع شيوخ القبائل.

قسم الاتصال اللاسلكي: لربط المقاطعات الصحراوية بالدار البيضاء تحت إشراف ضباط مغاربة من ذوي الخبرة.

قسم التخطيط والمالية: لإدارة العمليات العسكرية وتدبير المصاريف والإسعافات للاهالي واللاجئين.

ومن المثير للاهتمام أن جيش التحرير ضم أيضاً جنوداً من "اللفيف الأجنبي" (ألمان، هولنديون، وبلجيكيون) فروا من الجيش الفرنسي وانضموا لصفوف المقاومة المغربية.

كيف ساهم المغرب في تعليم مؤسسي "البوليساريو"؟

يكشف آيت إيدر عن حقائق تاريخية هامة، حيث أكد أن أغلب مؤسسي البوليساريو استفادوا من المبادرات التربوية لجيش التحرير عندما كانوا شباباً. فقد قامت القيادة بنقل أكثر من 380 طفلاً صحراوياً للدراسة في مدن الشمال (الدار البيضاء، أكادير، تافراوت).

هؤلاء الشباب تلقوا تعليمهم الابتدائي والثانوي بفضل جيش التحرير، والتحقوا بالجامعات المغربية حيث تفتح وعيهم الوطني. وفي أواخر الستينيات، حاولوا فتح حوار مع قادة الحركة الوطنية لمواصلة الكفاح ضد الاستعمار الإسباني، إلا أن انسداد الأفاق السياسية آنذاك دفعهم للأسف نحو فكرة الانفصال والارتماء في أحضان خصوم الوحدة الترابية.

حكومة "مبارك البكاي" والصراعات السياسية المبكرة
على الواجهة السياسية، شكل الملك محمد الخامس حكومة ائتلافية برئاسة مبارك البكاي في ديسمبر 1955. ورغم الإجماع الظاهري، إلا أن الانقسامات بدأت تظهر سريعاً. فقد صرح قادة حزب الاستقلال (عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي) لاحقاً أن مشاركتهم كانت "خطأ قاتلاً" وقُبلت على مضض.

شهدت هذه الفترة أحداثاً مضطربة، منها تمرد "عدي أوبهي" وعصيان "الحسن اليوسي"، بالإضافة إلى محاولة اغتيال الزعيم "علال الفاسي" في سبتمبر 1956. يرى آيت إيدر أن هذه الأحداث لم تكن عفوية، بل كانت "مؤامرات ودسائس" تهدف لعرقلة مسيرة التحرر الشعبي وبناء دولة حديثة.

الخلاصة: الفرص الضائعة في تاريخ المغرب

يختتم المقاوم مذكراته في هذه الحلقة بالتساؤل حول كيفية وقوع فصائل الحركة الوطنية في "الفخ الاستعماري" وقبولها بأنصاف الحلول. ويستشهد بكلمات الشهيد المهدي بن بركة الذي اعترف بأن الحركة الاستقلالية انزلقت نحو أخطاء قاتلة بسبب سوء التقدير والابتعاد عن القواعد الجماهيرية.

لقد ضيع المغرب فرصة ثمينة لقيادة حرب تحرير شاملة في المغرب العربي (المغرب، الجزائر، وتونس) كانت كفيلة بتغيير مصير المنطقة بأكملها، لولا التردد والهروب نحو مفاوضات غير مكتملة الشروط.

التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

1714590612528382595

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث