مذكرات المقاوم محمد بنسعيد آيت إيدر (الحلقة 05): هزيمة "إكوفيون" ومنعطفات الكفاح في الصحراء
في الحلقة الماضية، تناول المقاوم الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر المعارك البطولية التي خاضها جيش التحرير المغربي في الصحراء ضد الاحتلال الإسباني، مبرزاً الانتصارات التي تحققت. أما في هذه الحلقة، فيسلط الضوء على نكسة عسكرية كبيرة تعرض لها الجيش، وهي الهزيمة التي ولّدت تعقيدات سياسية لا تزال آثارها ممتدة في ملف الصحراء المغربية.
كان الهدف الاستراتيجي في منطقة آيت باعمران هو السيطرة على مدينة سيدي إيفني. ولتحقيق ذلك، اعتمدت القيادة على عنصر المفاجأة لمباغتة القوات الإسبانية المتفوقة عدداً وعدة، بالتنسيق السري مع الجنود المغاربة العاملين في صفوف الجيش الإسباني.
تسريب الخطة وفشل عنصر المفاجأة
رغم السرية، تسربت أخبار الهجوم عبر بعض العملاء، مما مكن الجيش الإسباني من تعزيز تحصيناته. ونتيجة لذلك:
استعصت مدينة إيفني على السيطرة السريعة.
حُوصر الجنود المغاربة المنشقون عن الجيش الإسباني، لكنهم تمكنوا من الانفلات ببطولة.
نجح جيش التحرير في السيطرة على معظم المراكز الإدارية والعسكرية الأخرى في أجواء ملحمية.
فُرض حصار خانق على مدينة إيفني دام أكثر من أربعة أشهر.
في ليلة 23 نوفمبر 1957، انطلقت العمليات بالهجوم على مراكز: تغازة، ثلاثاء اسبوية، تبركوكت، تاليوين وغيرها. تمكن المقاومون من أسر 46 ضابطاً وجندياً إسبانياً واغتنام كميات كبيرة من الذخيرة. ورغم استعمال الإسبان للطيران الحربي والدبابات والمشاركة المفترضة لطائرات أمريكية، استطاع جيش التحرير تحرير سبعة مراكز رئيسية في أسبوعين.
سياق ثورة آيت باعمران وحصار "إيفني"
يؤكد بنسعيد آيت إيدر أن الظروف التي انطلقت فيها ثورة آيت باعمران لم تكن سهلة، لكنها كانت أقل قسوة من الشروط التي واجهها جيش التحرير في الجبهة الغربية للصحراء. ويشير إلى أن الحرب مع الإسبان فُرضت فرضاً دون استعداد كافٍ أو وسائل لوجستية متكافئة، فكان الرهان الأساسي يعتمد على حماسة السكان الصحراويين ورغبتهم الجامحة في التحرر.كان الهدف الاستراتيجي في منطقة آيت باعمران هو السيطرة على مدينة سيدي إيفني. ولتحقيق ذلك، اعتمدت القيادة على عنصر المفاجأة لمباغتة القوات الإسبانية المتفوقة عدداً وعدة، بالتنسيق السري مع الجنود المغاربة العاملين في صفوف الجيش الإسباني.
تسريب الخطة وفشل عنصر المفاجأة
رغم السرية، تسربت أخبار الهجوم عبر بعض العملاء، مما مكن الجيش الإسباني من تعزيز تحصيناته. ونتيجة لذلك:
استعصت مدينة إيفني على السيطرة السريعة.
حُوصر الجنود المغاربة المنشقون عن الجيش الإسباني، لكنهم تمكنوا من الانفلات ببطولة.
نجح جيش التحرير في السيطرة على معظم المراكز الإدارية والعسكرية الأخرى في أجواء ملحمية.
فُرض حصار خانق على مدينة إيفني دام أكثر من أربعة أشهر.
عملية "إكوفيون": التحالف الاستعماري (المكنسة)
تعتبر معركة "إكوفيون" (المكنسة باللغة الإسبانية) نقطة تحول مأساوية؛ حيث تحالفت القوات الإسبانية والفرنسية بدعم من الحلف الأطلسي للقضاء على جيش التحرير.في ليلة 23 نوفمبر 1957، انطلقت العمليات بالهجوم على مراكز: تغازة، ثلاثاء اسبوية، تبركوكت، تاليوين وغيرها. تمكن المقاومون من أسر 46 ضابطاً وجندياً إسبانياً واغتنام كميات كبيرة من الذخيرة. ورغم استعمال الإسبان للطيران الحربي والدبابات والمشاركة المفترضة لطائرات أمريكية، استطاع جيش التحرير تحرير سبعة مراكز رئيسية في أسبوعين.
الثغرات العسكرية والإنهاك القتالي
كشفت المعارك عن ثغرات واضحة:
عدم تكافؤ القوة: 1400 مقاتل مغربي فقط واجهوا آلاف الجنود الإسبان المجهزين بأحدث التقنيات.
الإرهاق: استمر الجنود في القتال لأكثر من أسبوع دون تعويض أو راحة، مما استنفد قواهم أمام الإنزالات المظلية الإسبانية.
النقص اللوجستي: عانى الجيش من نقص حاد في السلاح والتموين واللباس.
لتدارك الموقف، نقلت القيادة فصائل عسكرية من الصحراء الشرقية والجنوبية لتعزيز جبهة آيت باعمران، واستعانت بضباط من الجيش الملكي أرسلهم السلطان محمد الخامس، وهم: (محمد بن المختار، إدريس الحارثي، وفاضي ملال).
مؤامرة "بويزكارن" والخيانة الداخلية
لم تكن الضغوط خارجية فقط، بل واجه جيش التحرير طعنات من الداخل. يروي آيت إيدر تفاصيل "مؤامرة بويزكارن"، حيث تم تكليف القائدين (ابن إبراهيم وعلال بن عمر الرحموني) بتنفيذ خطة ميدانية، لكن الأخير سافر إلى الرباط وتلقى توجيهات من جهات سياسية (بينها المحجوب أحرضان) تهدف إلى نسف الجيش من الداخل وتأليب السكان ضد القيادة.
تشتت الصفوف وتضرر سمعة جيش التحرير لدى الساكنة.
فرار بعض الجنود والتحاقهم بالعدو، حاملين معهم معلومات استخباراتية حساسة.
محاولة اغتيال جسدي تعرض لها بنسعيد آيت إيدر نفسه عام 1957 في مدينة كلميم، نجا منها بفضل يقظة رفيقه (بنسعيد الصغير).
الهجوم الأخير والانسحاب المرير
في 10 فبراير 1958، انطلق الزحف الكبير المنسق بين فرنسا وإسبانيا بقوة قوامها 14 ألف جندي و70 طائرة حربية. شمل الهجوم مناطق: الداخلة، العيون، طرفاية، وتفاريتي.
أصدرت القيادة أوامر بالانسحاب لتجنب الإبادة الشاملة بعد انقطاع الإمدادات. يصف بنسعيد المشهد قائلاً:
"قطع الجنود مسافات شاسعة مشياً على الأقدام بعد تدمير الطيران لجميع وسائل النقل، بينما ارتكبت القوات الاستعمارية فضائع شنيعة، حيث أعدمت المدنيين وأحرقت المواشي وأبادت أزيد من 600 نسمة من النساء والأطفال والعجزة".
حصيلة المعارك والنتائج السياسية
بلغت حصيلة معارك آيت باعمران 50 معركة، خسر فيها الإسبان أكثر من 600 قتيل، بينما شهدت الصحراء 15 معركة سقط فيها 1000 قتيل إسباني. في المقابل، قدم جيش التحرير 158 شهيداً و170 أسيراً.
أزمة اللاجئين: تدفقت أفواج النازحين نحو كلميم، مما استدعى تدخل الحكومة المغربية والشهيد المهدي بن بركة لتنظيم مخيمات إيواء.
استقلال طرفاية: كان من النتائج المباشرة اعتراف إسبانيا باستقلال إقليم طرفاية، وهو الذي كان محرراً فعلياً بقوة جيش التحرير.
الالتحاق الموريتاني: استقال أقطاب الحركة الوطنية الموريتانية من "الحكومة الصورية" الفرنسية والتحقوا بالمغرب، وعلى رأسهم الأمير محمد فال ولد عمير والداي ولد سيدي بابا، معلنين رغبتهم في الوحدة مع الوطن الأم.
يختتم بنسعيد آيت إيدر هذه الحلقة بمرارة، مشيراً إلى أن عدم استجابة الحكومة المغربية لمقترحات إدماج الزعماء الموريتانيين في مناصب سياسية ودبلوماسية أدى إلى ضياع فرصة تاريخية لا تعوض لاستكمال الوحدة الترابية في تلك المرحلة الحساسة.
عدم تكافؤ القوة: 1400 مقاتل مغربي فقط واجهوا آلاف الجنود الإسبان المجهزين بأحدث التقنيات.
الإرهاق: استمر الجنود في القتال لأكثر من أسبوع دون تعويض أو راحة، مما استنفد قواهم أمام الإنزالات المظلية الإسبانية.
النقص اللوجستي: عانى الجيش من نقص حاد في السلاح والتموين واللباس.
لتدارك الموقف، نقلت القيادة فصائل عسكرية من الصحراء الشرقية والجنوبية لتعزيز جبهة آيت باعمران، واستعانت بضباط من الجيش الملكي أرسلهم السلطان محمد الخامس، وهم: (محمد بن المختار، إدريس الحارثي، وفاضي ملال).
مؤامرة "بويزكارن" والخيانة الداخلية
لم تكن الضغوط خارجية فقط، بل واجه جيش التحرير طعنات من الداخل. يروي آيت إيدر تفاصيل "مؤامرة بويزكارن"، حيث تم تكليف القائدين (ابن إبراهيم وعلال بن عمر الرحموني) بتنفيذ خطة ميدانية، لكن الأخير سافر إلى الرباط وتلقى توجيهات من جهات سياسية (بينها المحجوب أحرضان) تهدف إلى نسف الجيش من الداخل وتأليب السكان ضد القيادة.
أدت هذه المؤامرة إلى:
تشتت الصفوف وتضرر سمعة جيش التحرير لدى الساكنة.
فرار بعض الجنود والتحاقهم بالعدو، حاملين معهم معلومات استخباراتية حساسة.
محاولة اغتيال جسدي تعرض لها بنسعيد آيت إيدر نفسه عام 1957 في مدينة كلميم، نجا منها بفضل يقظة رفيقه (بنسعيد الصغير).
الهجوم الأخير والانسحاب المرير
في 10 فبراير 1958، انطلق الزحف الكبير المنسق بين فرنسا وإسبانيا بقوة قوامها 14 ألف جندي و70 طائرة حربية. شمل الهجوم مناطق: الداخلة، العيون، طرفاية، وتفاريتي.
أصدرت القيادة أوامر بالانسحاب لتجنب الإبادة الشاملة بعد انقطاع الإمدادات. يصف بنسعيد المشهد قائلاً:
"قطع الجنود مسافات شاسعة مشياً على الأقدام بعد تدمير الطيران لجميع وسائل النقل، بينما ارتكبت القوات الاستعمارية فضائع شنيعة، حيث أعدمت المدنيين وأحرقت المواشي وأبادت أزيد من 600 نسمة من النساء والأطفال والعجزة".
حصيلة المعارك والنتائج السياسية
بلغت حصيلة معارك آيت باعمران 50 معركة، خسر فيها الإسبان أكثر من 600 قتيل، بينما شهدت الصحراء 15 معركة سقط فيها 1000 قتيل إسباني. في المقابل، قدم جيش التحرير 158 شهيداً و170 أسيراً.
النتائج السياسية واللوجستية:
أزمة اللاجئين: تدفقت أفواج النازحين نحو كلميم، مما استدعى تدخل الحكومة المغربية والشهيد المهدي بن بركة لتنظيم مخيمات إيواء.
استقلال طرفاية: كان من النتائج المباشرة اعتراف إسبانيا باستقلال إقليم طرفاية، وهو الذي كان محرراً فعلياً بقوة جيش التحرير.
الالتحاق الموريتاني: استقال أقطاب الحركة الوطنية الموريتانية من "الحكومة الصورية" الفرنسية والتحقوا بالمغرب، وعلى رأسهم الأمير محمد فال ولد عمير والداي ولد سيدي بابا، معلنين رغبتهم في الوحدة مع الوطن الأم.
يختتم بنسعيد آيت إيدر هذه الحلقة بمرارة، مشيراً إلى أن عدم استجابة الحكومة المغربية لمقترحات إدماج الزعماء الموريتانيين في مناصب سياسية ودبلوماسية أدى إلى ضياع فرصة تاريخية لا تعوض لاستكمال الوحدة الترابية في تلك المرحلة الحساسة.





