مذكرات الصحفي الجريء خالد الجامعي 12 | أنا أب الجميع
في الحلقة الماضية تحدث خليل الجامعي عن الجانب الإنساني في رجال المخزن، في هذه الحلقة غادي ينتقل بنا الجامعي للحديث عن حكومة التناوب والمواجهة الكبرى بينه وبين إدريس البصري.
وكيقول: ربطت مجيء حكومة التناوب في 1998 بالسلم الاجتماعي، أي نجاح الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات، واللي توج باتفاقيات فاتح غشت 1996. الحسن الثاني كان لاعب شطرنج، أحزاب المعارضة كانت تلعب ضامة، وثمة فرق كبير بين اللعبتين واللاعبين.
فلكي يهيئ للتناوب، قام الحسن الثاني بعملية مهمة لم يلتفت إليها أحد، عندما استطاع دفع النقابات إلى إقرار السلم الاجتماعي. وهي لعبة أشرف على إدارتها مع عبد الرزاق أفيلال ومحمد نوبير الأموي، وإدريس البصري لأنه كان على علاقة بهما، وكان الغرض من ذلك هو فصل النقابات عن الأحزاب، خصوصًا وأن الحسن الثاني كان كيعلم بأن الأحزاب بمعزل عن نقاباتها لن تشكل أية قوة دافعة إلى النزول إلى الشارع، وبالتالي ستكون مرغمة على القبول بكل شروطه التي كانت ترفضها بالأمس.
في هذه المرحلة كتبت مقالًا حول الموضوع، وعندما التقيت لاحقًا بإدريس البصري قال لي:
بوحدك اللي عقتي بديك التخربيقة ديال السلم الاجتماعي، راه حيدنا الأحزاب النيّاب والدراس وبقى ليهم غير يعطيو الراس، لأنه قبل ذلك عندما كان يحدث اختلاف كبير بين الأحزاب والنظام كيهبطوا ليه الأمواج للزنقة. هل مازال الآن بإمكان أي حزب أن ينزل إلى الشارع احتجاجًا على المخزن؟ وحدهم الإسلاميون قادرون على ذلك، إضافة إلى تنظيمات اليسار الجذري على قلة عددها.
وكان البصري يقول لي: هذوك صحابك اليساريين نجمعهم ونديرهم فـ كابينة ديال التليفون وتبقى لبلاصة.
يقال إنه عندما شرع عبد الرحمن اليوسفي في استشارة الأحزاب في أمر المشاركة في حكومة التناوب، طغى صوت المصلحة الشخصية والتسابق للاستوزار على النقاش السياسي، وما قيل عشته في تجربتي داخل قيادة حزب الاستقلال.
ما قلته مرارًا: أحزابنا ليست أحزاب حكم، لأنه لا يعقل ألا يتوفر الحزب على بنك معلومات. لا أقصد هنا بنك معلومات اقتصادي اجتماعي ثقافي، بل بنك معلومات تنظيمي يخول الأحزاب معرفة عدد المهندسين والأطباء والمحامين المنخرطين في صفوفها، حتى إذا وصلت إلى السلطة أمكنها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وأستحضر بمرارة مضحكة كيف أن حزب الاستقلال عندما اقترح محمد الوفا لشغل منصب وزير الأشغال العمومية رفضوه، لأن الحسن الثاني كان يريد مهندسًا لهذا المنصب. خرج قياديو الحزب بعد منتصف الليل يبحثون عن استقلالي مهندس، قبل أن يهتدوا إلى بوعمر تغوان، الذي كان استقلاليًا مغمورًا لكونه جاء من حزب آخر.
قال لي إدريس البصري بعد خروجه من الحكومة إن الملكية تضع ما يكفي من المتاريس لكي تأخذ أحزاب المعارضة الحكومة دون الحكم الحقيقي، وأطلعني على قاعدة رائجة داخل المحيط الملكي: المعارضة قد تصل إلى الحكومة لكنها لن تصل إلى الحكم.
أما معايير اختيار وزراء حكومة التناوب الأولى داخل حزب الاستقلال، فكان المشكل أكبر من توزيع الوزارات. فبدل نقاش عقلاني يهدف إلى جعل القطاعات في خدمة البرنامج الحكومي، انشغلت الأحزاب بنقاشات من قبيل: أشمن وزارة غادي نعطيو فلان؟ واش وزير ماشي بزاف عليه؟ ولا نعطيوه كاتب دولة؟
هكذا تشكلت حكومة التناوب، خليط من الأحزاب الإدارية وأحزاب الحركة الوطنية.
وعلى ذكر التناوب، يجب أن نعرف أن أحزاب الكتلة كانت تتحدث في البداية عن التداول على الحكم، فجاء الحسن الثاني وقال إنه لا يريد سماع كلمة تداول، لأن الدولة هي الشوكة والغلبة. كان يقول: تناوبوا بيناتكم، لكن الدولة هي الدولة العلوية ممثلة في أنا.
وفي المفهوم التقليداني، كانت الدولة مقرونة بعائلة: الدولة الأموية، العباسية، السعدية، المرينية، وهكذا تم تعويض مفهوم التداول بمفهوم التناوب.
ولا يجب أن ننسى خطابه في أكتوبر 1978 أمام البرلمان حين قال:
أنا أبو الجميع، أبو المشرع وأبو المنفذ، أي إنني أنا هو السلطة، وسلطتي آتية من عند الله.
في اللجنة التنفيذية، سألنا محمد بوستة: شكون بغى يترشح للوزارة؟ رفعت صبعي وقلت: قيد عندك، ما باغيش نكون وزير. ثم قال بوستة نفس الشيء، وتبعه محمد الدويري، قبل أن يقول عباس الفاسي: حتى أنا ما بغيتش نكون وزير.
بعد الاجتماع، عاتبني بعض الأعضاء: حشومة عليك السي خالد، راحنا باغيين نكونوا وزراء.
في بداية سنة 2000، وجّه عبد السلام ياسين مذكرة إلى الملك محمد السادس. اقترحت الرد عليها، لكن عباس الفاسي رفض بشدة، وسانده أغلب أعضاء اللجنة التنفيذية، باستثناء المرحوم الهاشمي الفلالي.
قررت الرد بصفة شخصية، ونشرت مقالي مذيّلًا بصفتي الحزبية، مما فتح عليّ حملة داخل الحزب. لم يرد عليّ أحد من العدل والإحسان، باستثناء زكرياء الميلودي، الذي كفّر الديمقراطية واعتبر قتلي واجبًا شرعيًا.
عنونت ردي بـ الرد الأغر والجواب الأظهر حول مذكرة إلى من يهمه الأمر، واستعنت بعالم لتدقيق الاستشهادات الشرعية. وسألت عبد السلام ياسين: هل حديثك عن الديمقراطية اختيار استراتيجي أم مجرد تكتيك؟
قلت لشباب العدل والإحسان إن زمن الزعامات قد ولى، وعلى الشباب أن يأخذ زمام أمره بيده.
عندما أُقيل إدريس البصري من وزارة الداخلية في نونبر 1999، اتصلت به، وكانت معرفتي به قديمة. لكن علاقتنا ساءت سنة 1993 بعد مقال كتبت فيه أن المغرب لم يعرف يومًا تعددية حزبية حقيقية.
اشتعل البصري غضبًا، واستدعاني إلى مكتبه. واجهني باحتقار، وقرأ مقالي بنبرة تهديد، ثم صرخ في وجهي. دون وعي وقفت وقلت له: أش باغي دير؟ راه الموت وحدة كاينة.
صرخ: خرج عليّ من مكتبي. خرجت وأنا متيقن أنه سينتقم مني. في الممر، كانت رؤوس الموظفين تطل من الأبواب، غير مصدقين أن أحدًا رفع صوته في وجه إدريس البصري.
قال لاحقًا للقيطوني: هذا حي واحد ما كيحكمه. ثم قال: هاد المرة الله يسامح.
بعد ذلك، توجهت إلى مركز حزب الاستقلال، وحكيت ما جرى لمحمد بوستة، الذي انفجر في وجه القيطوني قائلاً: بغيت تزقل حزب الاستقلال للمحاكم؟
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.
وكيقول: ربطت مجيء حكومة التناوب في 1998 بالسلم الاجتماعي، أي نجاح الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات، واللي توج باتفاقيات فاتح غشت 1996. الحسن الثاني كان لاعب شطرنج، أحزاب المعارضة كانت تلعب ضامة، وثمة فرق كبير بين اللعبتين واللاعبين.
فلكي يهيئ للتناوب، قام الحسن الثاني بعملية مهمة لم يلتفت إليها أحد، عندما استطاع دفع النقابات إلى إقرار السلم الاجتماعي. وهي لعبة أشرف على إدارتها مع عبد الرزاق أفيلال ومحمد نوبير الأموي، وإدريس البصري لأنه كان على علاقة بهما، وكان الغرض من ذلك هو فصل النقابات عن الأحزاب، خصوصًا وأن الحسن الثاني كان كيعلم بأن الأحزاب بمعزل عن نقاباتها لن تشكل أية قوة دافعة إلى النزول إلى الشارع، وبالتالي ستكون مرغمة على القبول بكل شروطه التي كانت ترفضها بالأمس.
في هذه المرحلة كتبت مقالًا حول الموضوع، وعندما التقيت لاحقًا بإدريس البصري قال لي:
بوحدك اللي عقتي بديك التخربيقة ديال السلم الاجتماعي، راه حيدنا الأحزاب النيّاب والدراس وبقى ليهم غير يعطيو الراس، لأنه قبل ذلك عندما كان يحدث اختلاف كبير بين الأحزاب والنظام كيهبطوا ليه الأمواج للزنقة. هل مازال الآن بإمكان أي حزب أن ينزل إلى الشارع احتجاجًا على المخزن؟ وحدهم الإسلاميون قادرون على ذلك، إضافة إلى تنظيمات اليسار الجذري على قلة عددها.
وكان البصري يقول لي: هذوك صحابك اليساريين نجمعهم ونديرهم فـ كابينة ديال التليفون وتبقى لبلاصة.
يقال إنه عندما شرع عبد الرحمن اليوسفي في استشارة الأحزاب في أمر المشاركة في حكومة التناوب، طغى صوت المصلحة الشخصية والتسابق للاستوزار على النقاش السياسي، وما قيل عشته في تجربتي داخل قيادة حزب الاستقلال.
ما قلته مرارًا: أحزابنا ليست أحزاب حكم، لأنه لا يعقل ألا يتوفر الحزب على بنك معلومات. لا أقصد هنا بنك معلومات اقتصادي اجتماعي ثقافي، بل بنك معلومات تنظيمي يخول الأحزاب معرفة عدد المهندسين والأطباء والمحامين المنخرطين في صفوفها، حتى إذا وصلت إلى السلطة أمكنها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وأستحضر بمرارة مضحكة كيف أن حزب الاستقلال عندما اقترح محمد الوفا لشغل منصب وزير الأشغال العمومية رفضوه، لأن الحسن الثاني كان يريد مهندسًا لهذا المنصب. خرج قياديو الحزب بعد منتصف الليل يبحثون عن استقلالي مهندس، قبل أن يهتدوا إلى بوعمر تغوان، الذي كان استقلاليًا مغمورًا لكونه جاء من حزب آخر.
قال لي إدريس البصري بعد خروجه من الحكومة إن الملكية تضع ما يكفي من المتاريس لكي تأخذ أحزاب المعارضة الحكومة دون الحكم الحقيقي، وأطلعني على قاعدة رائجة داخل المحيط الملكي: المعارضة قد تصل إلى الحكومة لكنها لن تصل إلى الحكم.
أما معايير اختيار وزراء حكومة التناوب الأولى داخل حزب الاستقلال، فكان المشكل أكبر من توزيع الوزارات. فبدل نقاش عقلاني يهدف إلى جعل القطاعات في خدمة البرنامج الحكومي، انشغلت الأحزاب بنقاشات من قبيل: أشمن وزارة غادي نعطيو فلان؟ واش وزير ماشي بزاف عليه؟ ولا نعطيوه كاتب دولة؟
هكذا تشكلت حكومة التناوب، خليط من الأحزاب الإدارية وأحزاب الحركة الوطنية.
وعلى ذكر التناوب، يجب أن نعرف أن أحزاب الكتلة كانت تتحدث في البداية عن التداول على الحكم، فجاء الحسن الثاني وقال إنه لا يريد سماع كلمة تداول، لأن الدولة هي الشوكة والغلبة. كان يقول: تناوبوا بيناتكم، لكن الدولة هي الدولة العلوية ممثلة في أنا.
وفي المفهوم التقليداني، كانت الدولة مقرونة بعائلة: الدولة الأموية، العباسية، السعدية، المرينية، وهكذا تم تعويض مفهوم التداول بمفهوم التناوب.
ولا يجب أن ننسى خطابه في أكتوبر 1978 أمام البرلمان حين قال:
أنا أبو الجميع، أبو المشرع وأبو المنفذ، أي إنني أنا هو السلطة، وسلطتي آتية من عند الله.
في اللجنة التنفيذية، سألنا محمد بوستة: شكون بغى يترشح للوزارة؟ رفعت صبعي وقلت: قيد عندك، ما باغيش نكون وزير. ثم قال بوستة نفس الشيء، وتبعه محمد الدويري، قبل أن يقول عباس الفاسي: حتى أنا ما بغيتش نكون وزير.
بعد الاجتماع، عاتبني بعض الأعضاء: حشومة عليك السي خالد، راحنا باغيين نكونوا وزراء.
في بداية سنة 2000، وجّه عبد السلام ياسين مذكرة إلى الملك محمد السادس. اقترحت الرد عليها، لكن عباس الفاسي رفض بشدة، وسانده أغلب أعضاء اللجنة التنفيذية، باستثناء المرحوم الهاشمي الفلالي.
قررت الرد بصفة شخصية، ونشرت مقالي مذيّلًا بصفتي الحزبية، مما فتح عليّ حملة داخل الحزب. لم يرد عليّ أحد من العدل والإحسان، باستثناء زكرياء الميلودي، الذي كفّر الديمقراطية واعتبر قتلي واجبًا شرعيًا.
عنونت ردي بـ الرد الأغر والجواب الأظهر حول مذكرة إلى من يهمه الأمر، واستعنت بعالم لتدقيق الاستشهادات الشرعية. وسألت عبد السلام ياسين: هل حديثك عن الديمقراطية اختيار استراتيجي أم مجرد تكتيك؟
قلت لشباب العدل والإحسان إن زمن الزعامات قد ولى، وعلى الشباب أن يأخذ زمام أمره بيده.
عندما أُقيل إدريس البصري من وزارة الداخلية في نونبر 1999، اتصلت به، وكانت معرفتي به قديمة. لكن علاقتنا ساءت سنة 1993 بعد مقال كتبت فيه أن المغرب لم يعرف يومًا تعددية حزبية حقيقية.
اشتعل البصري غضبًا، واستدعاني إلى مكتبه. واجهني باحتقار، وقرأ مقالي بنبرة تهديد، ثم صرخ في وجهي. دون وعي وقفت وقلت له: أش باغي دير؟ راه الموت وحدة كاينة.
صرخ: خرج عليّ من مكتبي. خرجت وأنا متيقن أنه سينتقم مني. في الممر، كانت رؤوس الموظفين تطل من الأبواب، غير مصدقين أن أحدًا رفع صوته في وجه إدريس البصري.
قال لاحقًا للقيطوني: هذا حي واحد ما كيحكمه. ثم قال: هاد المرة الله يسامح.
بعد ذلك، توجهت إلى مركز حزب الاستقلال، وحكيت ما جرى لمحمد بوستة، الذي انفجر في وجه القيطوني قائلاً: بغيت تزقل حزب الاستقلال للمحاكم؟
انتهت هذه الحلقة، وإلى الحلقة المقبلة بحول الله.





