المصور حسن نجيبي: في جنازة الملك الحسن الثاني التقطت صورة تاريخية لصلاة الجنازة كأنها مأخوذة بالدرون
في عالم الصحافة، لا تُصنع الصور بالمعدات فحسب، بل بـ "اللقطة" التي تقتنص اللحظة وتُحولها إلى تاريخ. يروي المصور الصحفي القدير حسن نجيبي فصولاً من ذاكرته الفوتوغرافية، مستعرضاً محطاتٍ فارقة جمعت بين عبق التاريخ الملكي، وحساسية الكوارث الطبيعية، وصولاً إلى تجربة فريدة نصّبته حكماً وخبيراً أمام القضاء.
"هي صورة تاريخية للأرشيف المغربي، لخصت مشهد الوداع لملك عظيم شهد العالم كله على جنازته التاريخية."
جنازة القرن.. "الدرون" التي لم تكن موجودة
يتذكر نجيبي واحدة من أصعب وأجمل صوره؛ صومعة حسان خلال جنازة الملك الراحل الحسن الثاني. في وقتٍ لم تكن فيه تقنية "الدرون" معروفة، جازف نجيبي وتسلق مرتفعات محيطة ليلتقط مشهداً علوياً مهيباً يجمع الساحة والوفود الدولية والملك محمد السادس والأمراء وهم يؤدون صلاة الجنازة."هي صورة تاريخية للأرشيف المغربي، لخصت مشهد الوداع لملك عظيم شهد العالم كله على جنازته التاريخية."
ولم يتوقف الروبورتاج عند الجنازة، بل وثق اللحظة الانتقالية الفاصلة "مات الملك، عاش الملك"، حيث التقط صوراً للملك محمد السادس داخل سيارته، مؤرخاً لرحلة بدأت من خروج الجنازة وصولاً إلى الدفن والعودة.
ذكاء اللحظة: عندما "قهر" الحسن الثاني الفضول الصحفي
يروي نجيبي بابتسامة قصة صورته الشهيرة مع الملك الحسن الثاني خلال مؤتمر دولي. سأل صحفي سنغالي الملك عن تكلفة المؤتمر، فأجابه الملك بذكائه المعهود وتلقائيته التي كانت "تقهر" الصحفيين: "أعد سؤالك، لم أفهم".في تلك اللحظة، وبينما انشغل الجميع بالضحك، كان نجيبي الوحيد الذي لم يغفل عن "الزر"؛ التقط الصورة بدون فلاش وبدقة عالية، لتعكس ملامح الملك في تلك اللحظة النادرة. هذه الصورة لم تكن مجرد لقطة، بل كانت بطاقة تعريفه التي بوأته مكانة مرموقة بين كبار المصورين في الثمانينات.
شاهد على القمم والرمال المغربية
كان المغرب في تلك الحقبة قبلة للرؤساء والملوك، ووجد نجيبي نفسه وجهاً لوجه أمام قامات تاريخية مثل الملك فهد، الملك حسين، صدام حسين، وحافظ الأسد. يصف فخره وهو يوثق هذه اللحظات من مسافة متر واحد، مؤكداً أن مهنته كانت أمانة لتوثيق قوة المغرب الدبلوماسية.وعن الصحراء المغربية، يؤكد نجيبي أن زياراته المتكررة في الثمانينات وما بعدها، سواء مع الحسن الثاني أو محمد السادس، لم تكن تشعره بأي نزاع؛ بل كان الإحساس السائد هو "الوجود في بيته"، وسط تنمية وروح وطنية لا تختلف عن الدار البيضاء أو الرباط.
في قلب الكارثة: زلزال الحسيمة
لم تكن مسيرة نجيبي كلها بروتوكولات؛ ففي ليلة من ليالي عام 2004، طار على متن طائرة عسكرية متجهاً إلى الحسيمة بعد ساعتين فقط من وقوع الزلزال.المهمة: توثيق المأساة بمهنية "باردة" وقلب ينبض بالواجب.
المشهد: مناظر مؤثرة تطلبت منه تماسكاً يشبه تماسك رجل الأمن أو الإسعاف لنقل الحقيقة للعالم.
أدى نجيبي القسم، وتحول من مصور إلى خبير قضائي، واستغرق خمسة أشهر في فحص الصور والأشرطة، وعقد جلسات استماع للأطراف، لينهي المهمة بتقرير مهني حسم النزاع، مسجلاً بذلك سابقة في مساره المهني بجمعه بين "عين المصور" و"عدالة القاضي".
يبقى حسن نجيبي نموذجاً للصحفي الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل عاشه بكل جوارحه، تاركاً خلفه إرثاً بصرياً يختزل عقوداً من تاريخ المملكة المغربية، ورسالة للأجيال القادمة بأن "الصورة" هي الوثيقة التي لا تكذب.
المشهد: مناظر مؤثرة تطلبت منه تماسكاً يشبه تماسك رجل الأمن أو الإسعاف لنقل الحقيقة للعالم.
من وراء العدسة إلى منصة القضاء: الخبير المحلف
في واقعة غريبة وفريدة، استدعي نجيبي لمبنى محكمة الاستئناف، ليجد نفسه أمام هيئة قضائية تطلب خبرته في ملف استعصى على الحل لمدة عشر سنوات. قضية تتعلق بمصور "أفسد" صور زفاف ابنة قاضٍ، ولم تستطع أي هيئة إصدار حكم فيها.أدى نجيبي القسم، وتحول من مصور إلى خبير قضائي، واستغرق خمسة أشهر في فحص الصور والأشرطة، وعقد جلسات استماع للأطراف، لينهي المهمة بتقرير مهني حسم النزاع، مسجلاً بذلك سابقة في مساره المهني بجمعه بين "عين المصور" و"عدالة القاضي".
يبقى حسن نجيبي نموذجاً للصحفي الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل عاشه بكل جوارحه، تاركاً خلفه إرثاً بصرياً يختزل عقوداً من تاريخ المملكة المغربية، ورسالة للأجيال القادمة بأن "الصورة" هي الوثيقة التي لا تكذب.







