رواية "اعترافات جثة" لمحمد حياة: حين تنطق الضحية بالألغاز
تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتجد نفسك غارقاً في كابوس حقيقي؛ ذهن مشوش، شعور بالدوار كأنك خُدّرت أو تناولت شيئاً أفقدك الوعي، ثم الصدمة الكبرى: جثة في المنزل، دماء في كل مكان، وأنت المتهم الأول والوحيد في قضية لا تذكر عنها شيئاً. هذا هو المدخل المثير الذي تفتتح به رواية "اعترافات جثة" للكاتب محمد حياة.
تنتمي هذه الرواية إلى أدب الجريمة الكلاسيكي الذي يرتكز على سؤال "من الفاعل؟"، مقتفيةً أثر مدرسة أجاثا كريستي، حيث تبدأ الحكاية بوجود جثة، ثم تنطلق رحلة البحث عن المسؤول الذي "أرسل الضحية إلى الآخرة".
هيكل الرواية: قصة واحدة في جزأين
صدرت الرواية في جزأين؛ الأول عام 2019 والثاني عام 2020 (تزامناً مع أزمة كورونا). ورغم انقسامهما إلى مجلدين بمجموع صفحات يصل إلى 500 صفحة، إلا أنهما في جوهرهما قصة واحدة متصلة. الجزء الأول يضع حجر الأساس للجريمة والتعريف بالشخصيات، بينما يغوص الجزء الثاني في العمق بلغة أكثر رصانة وسرد أسرع.توظيف ذكي للتكنولوجيا
من أجمل لمسات الكاتب هو تحديثه لأدوات الجريمة؛ فالرواية ليست حبيسة الأساليب القديمة، بل توظف "فيسبوك"، "تويتر"، و"واتساب" كعناصر محركة للأحداث. تبدأ القصة ببطلها "عامر" الذي يظهر في "بث مباشر" على فيسبوك، كاشفاً عن أسماء من قتلوه، وتاركاً خلفه ملفات رقمية مليئة بالألغاز المشفرة على هاتفه المحمول، ليتحدى بها رجال الشرطة والقراء على حد سواء."قاتلي العزيز".. خطاب مباشر ومواجهة نفسية
يبرز في الرواية تكرار عبارة "قاتلي العزيز"، حيث تخاطب الضحيةُ القاتلَ (أو ربما القارئ) بأسلوب يجعلك تشعر وكأنك متورط في الجريمة. هذه التقنية تزيد من حدة التشويق وتدفعك للتساؤل المستمر عن الماضي النفسي والخلفيات الاجتماعية لكل شخصية.الإجرام بين المرض النفسي والمسؤولية القانونية
تطرح الرواية سؤالاً فلسفياً واجتماعياً شائكاً: أين تنتهي حدود المرض النفسي ويبدأ الإجرام؟ هل الشخص الذي يرتكب جرائم بشعة هو مريض يحتاج للعلاج في مستشفى الأمراض العقلية، أم هو مجرم خطير مكانه الطبيعي خلف القضبان؟ هي معضلة تواجهها الأنظمة القضائية والمجتمعات كافة، وقد استطاع الكاتب إدماجها في صلب الحكاية.
ملاحظات نقدية
رغم براعة السرد، إلا أن هناك بعض النقاط التي تستحق الوقوف عندها:بداية بطيئة: يعاني الجزء الأول من بطء في وتيرة الأحداث في فصوله الأولى، وهو أمر يقع فيه الكثير من الكتاب قبل أن "يسخن محرك القصة".
التكرار: يؤخذ على الكاتب تكرار بعض السمات الشخصية بشكل مبالغ فيه، وكأن القارئ قد ينسى تفاصيل الشخصية بمجرد قلب الصفحة.
غياب المحامي: في كواليس التحقيقات والضغوط التي يتعرض لها المتهمون، يغيب دور المحامي بشكل غير منطقي، خاصة مع شخصيات واعية ومدركة لحقوقها، مما أضعف واقعية بعض المشاهد القانونية.
لماذا يجب أن تقرأها؟
تتميز الرواية بنهاية صادمة تماماً ستغير كل حساباتك. ستكتشف أن هناك من دفع حياته ثمناً لاتهامات باطلة، وأن الحقيقة أعقد بكثير مما بدا في البث المباشر الأول. إنها دعوة لإيقاظ "المحقق" بداخلك، فمن الأفضل أن تمسك بورقة وقلم لتسجيل الألغاز ومحاولة حلها قبل أن يكشفها الكاتب."اعترافات جثة" تجربة ممتعة لمحبي الغموض، وهي عمل يثبت أن الضحية قد تكون أحياناً أذكى من الجميع، حتى وهي في قبرها.





