كتاب سنوات صدام .. أسرار من داخل قصور الرئيس العراقي السابق
كتاب «سنوات مع صدام» لسمان عبد المجيد كتاب شيّق وممتع، وسنكتفي هنا ببعض المحطات منه دون حرق مضمونه، فهذه اللقطات لا يمكن أن تغني عن قراءة الكتاب كاملًا، بل على العكس قد تدفع القارئ إلى قراءته مرتين لما يحمله من معلومات وتفاصيل كثيرة عن صدام حسين، وعائلته، وأبنائه، ووزرائه، وسقوط بغداد، إضافة إلى تفاصيل دقيقة عن طريقة إدارة الحكم داخل القصر الرئاسي.
سمان عبد المجيد حاصل على الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، ويتقن الفرنسية، وهو كردي الأصل. يروي في بداية الكتاب جانبًا من طفولته وحياته، ويتحدث عن الأكراد وكيف كان والده يحرص على التحدث باللغة الكردية داخل البيت. كما يكشف أن مساره في الحياة كان يمكن أن يتجه في طريق مختلف تمامًا، لولا بعض الظروف والصدف التي جعلته يعمل لاحقًا مترجمًا.
عمل فترة أستاذًا في إحدى المدارس في السعودية، وكان مدير المدرسة شبه أمي، لا يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة التحضيرية. ورغم ذلك كان المدير هو المسؤول عنه بحكم نظام السعودة، فكان سمان يدرّسه ليلًا. وذات يوم قال له المدير إن العراقيين طيبون لكن فيهم قدر من العنف والحدة.
خلال إحدى عطلته في مصر تعرّض لحادث سرقة، إذ سرق رجل مسن كل الأموال التي جمعها من عمله في السعودية. وعندما ذهب إلى الشرطة لم يحصل على حقه، إذ قيل له إن الرجل كبير في السن، ونُصح بأن يعتبر الأمر صدقة.
بعد ذلك، وبمحض الصدفة، تحوّل سمان عبد المجيد إلى مترجم للرئيس العراقي صدام حسين. كان أول لقاء له في مناسبة رسمية حضرها رئيس تشاد آنذاك حسين حبري. لم يكن يعلم إن كان صدام حسين قد أعجب بترجمته أم لا، لكنه استمر بعد ذلك في استدعائه حتى أصبح المترجم الخاص للرئيس.
يصف الكاتب صدام حسين بأنه كان متواضعًا في تعامله اليومي، يبدأ لقاءاته دائمًا بالسلام والسؤال عن أحوال من حوله، مما ساعده في مهمته كمترجم وجعل الأجواء أقل توترًا. كما يؤكد أن صدام كان يكتب خطاباته بيده، ثم يعرضها على مستشاريه للمراجعة.
في اجتماعات مجلس الوزراء كان صدام يحرص على سماع آراء الآخرين، ويطلب من الحاضرين اقتراح أفكار بديلة، غير أن المشكلة كانت في إحاطته بعدد كبير من المنافقين والمتملقين الذين لم يكونوا يجرؤون على معارضته. ويذكر أن الشخصين اللذين كانا يعبران أحيانًا عن رأي مخالف هما طارق عزيز، وزير الخارجية، وهدى عماش، القيادية في حزب البعث.
يروي مثالًا عن طارق عزيز عندما اعترض على فقرة في خطاب لصدام حسين عام 2001 كانت تنتقد فرنسا بشدة، فنصحه بحذفها لأن العلاقات مع باريس كانت لا تزال مهمة، فاستجاب صدام لنصيحته وحذف الفقرة. أما هدى عماش فقد اعترضت مرة على عبارة كتبها صدام في خطاب يقول فيها إن العراق قبل حزب البعث كان بلد الصعاليك. أخبرته أن هذا الكلام قد يغضب كثيرًا من العراقيين، لكنه شكرها وأبقى العبارة في الخطاب.
يؤكد الكاتب أن صدام حسين كان يحكم بنظام صارم وحديدي، لكنه لم يكن يركز على الانتماءات العرقية أو الطائفية بقدر ما كان يركز على الولاء للنظام وحزب البعث. ويذكر أمثلة مثل طارق عزيز، المسيحي الذي شغل مناصب عليا، وكذلك هو نفسه كردي الأصل وقد عمل معه ستة عشر عامًا دون أن يتعرض لمشكلة بسبب قوميته.
ويتحدث الكتاب أيضًا عن التغيرات الاجتماعية في بغداد، حيث كانت المدينة في العهد الملكي تفرض نمطًا حضاريًا معينًا، بينما أعاد صدام بعض مظاهر البداوة إلى الحياة العامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مظاهر الأناقة الرسمية.
أحد أكثر فصول الكتاب إثارة يتناول شخصية عدي صدام حسين. يصفه الكاتب بأنه كان شخصية فوضوية ارتكب تجاوزات كثيرة، خاصة في تعامله مع الناس والنساء. كان شديد البخل مع الموظفين، رغم امتلاكه ثروة كبيرة، في حين كان يصرف أموالًا طائلة على السهر والنساء. حتى إن صدام حسين نفسه كان يعاقبه أحيانًا، ومن بين العقوبات أنه أمر ذات مرة بإحراق مجموعة من سيارات بورش التي كان عدي يعتز بها.
كما يشير إلى أن صدام حسين استبعد عدي من خلافته بسبب سلوكه، وفضّل ابنه الآخر قصي. ويذكر أيضًا أن عدي تعرض لمحاولة اغتيال عام 1996 أدت إلى إصابته بجروح خطيرة وتركته يعاني من مشاكل صحية طويلة.
يتناول الكتاب كذلك شخصية عبدي حمود، السكرتير الخاص لصدام حسين، الذي بدأ حياته حارسًا عسكريًا ثم ترقى حتى أصبح من أقرب الشخصيات إلى الرئيس، ومسؤولًا عن كثير من الملفات الحساسة داخل القصر.
بعد سقوط النظام العراقي يوضح الكاتب أن كثيرًا من مظاهر الفوضى ظهرت داخل مؤسسات الدولة، وأن النظام الصارم كان يقتصر في كثير من الأحيان على الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، بينما كانت بقية المؤسسات تعاني من الخوف والارتباك وضعف المبادرة.
في النهاية، يقدم الكتاب صورة مركبة عن صدام حسين: شخصية يمكن أن يختلف الناس حولها بشدة. هناك من يراه رمزًا قوميًّا بسبب مواقفه من بعض القضايا العربية، وهناك من يحمّله مسؤولية كوارث كبيرة، خاصة بعد غزو الكويت وما تبعه من حروب وحصار.
مهما يكن الموقف من صدام حسين، يبقى هذا الكتاب شهادة من داخل القصر الرئاسي، مليئة بالتفاصيل والقصص التي تساعد على فهم مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث. ولهذا أنصح بقراءته، فالكثير مما ذُكر هنا لا يمثل إلا جزءًا بسيطًا مما يحتويه الكتاب من أحداث وحكايات.





