تحليل قصيدة ويد ئطزين' للرايس الحاج محمد البنسير الجزء الثالث
بقلم الأستاذ الباحث محمد وادي
نستكمل في هذا الجزء "النبش" العميق في درة أعمال الرايس الحاج محمد البنسير، حيث ننتقل إلى الباقة الثالثة التي يمكن تسميتها بباقة "الصدمة والمواجهة". في هذا الفصل، يضع البنسير يده على الجرح النفسي والاجتماعي للمجتمع، واصفاً إياه بـ "تإضصّا ن شيطان" (ضحكة الشيطان)، ومنتقلاً من دور المراقب إلى دور الفاعل والمصلح.
يفتتح البنسير هذه الباقة بكثير من المرارة، واصفاً حالة من الفوضى الأخلاقية التي غلبت على المشهد:
"ئس ؤكان راهلّي كًيون ئضصّا شيطان
غيلا كولشي مدّن كًان كُن غ ئمي س لعار"
هنا يبرز مفهوم "ضحكة الشيطان"، وهي تعبير عبقري عن الضحك الهستيري أو السخرية من كل ما هو مقدس وأصيل. يرى الشاعر أن الناس يضحكون، لكن أفواههم مليئة بـ "لعار" (العار)، في إشارة واضحة إلى القذف، الملاسنات، والكلمات النابية التي شاعت في تلك المواجهات الفنية بين الشعراء والمجموعات الغنائية.
يرسم البنسير صورة قاسية جداً للحالة التي وصل إليها المجتمع نتيجة الصراعات العبثية:
"اكولّو تكًام اغ اضو ؤلا نكًُنين نمّوت"
يرى الشاعر أن المجتمع فقد روحه (المروءة والشهامة) لدرجة أنه أصبح كالجثة التي تفوح رائحتها (أضو). ويذهب أبعد من ذلك بوصف حالة الإذلال الاجتماعي (ئسّوفوس)؛ حيث يصور العابرين وهم "يمسحون أيديهم" أو "يبصقون" على هذا الواقع، كأن المجتمع أصبح مجرد "شيء" بلا قيمة لا يستحق الاحترام، بل يستوجب التطهر منه.
بعد تشخيص الداء، يظهر "البنسير المصلح" ليعلن الاستنفار الأخلاقي:
"بلحاقّ غيلاد نبيكّس ئي تاكات نّون"
استخدم الشاعر هنا فعل "نبيكّس" (شددنا الحزام) ليدل على العزم والحزم.
- تاكات نّون (ناركم): هي الفتنة التي أشعلها الروايس أو التيارات الفنية والاجتماعية الجديدة.
- نسّنس (نطفئها): يتعهد البنسير بإخماد هذه النار بالحكمة وقوة الكلمة (أوال)، فهو لا يهرب من الحريق، بل يقتحم وسطه ليوقفه.
يطرح البنسير تساؤلاً استراتيجياً حول مآلات الصراع:
"سين ئسافّن لّيد ئحملن اتّن خاطرغ"
"ماني راد اغ نيت لكمن وامان"
يرمز النهران هنا، في سياق التحليل، إلى جبهتين متصارعتين:
1. صراع التيارات: التقليد الجاف في مواجهة التحديث المشوه، سواء في الفن أو في ساحة الدين والأخلاق.
2. صراع الجبهات: التجاذبات السياسية أو القبلية التي كانت تغذيها تلك النقائض.
يؤكد البنسير أنه سيخاطر بعبور هذين النهرين الجارفين، لكنه يتساءل بمرارة عن مصب هذه المياه، محذراً من الهلاك كما قال في قصيدة أخرى: "لبحر هانّ ئكًُوت ئغ راتّ نتّارم، لّيغ كًيسن ضرغ كًامّيغ ما يّي ئتّالن".
خلاصة الباقة الثالثة: البنسير في دور "أمغار"
ينتقل الحاج محمد البنسير في هذه المرحلة من "المراقب" إلى "الفاعل". لقد أدرك أن السخرية الهدامة هي التي دمرت نسيج المجتمع، فقرر تقمص دور "أَمْغار" (الحكيم/الزعيم) الذي يترفع عن صغائر الأمور ليعالج أزمة أمة.
عندما يقول "نبيكّس"، فهو يعلن الانتقال من "اللعب بالكلمات" إلى "المسؤولية التاريخية"، مدركاً أن الفتنة بين المبدعين هي "حرب استنزاف" للهوية الأمازيغية، تستهلك طاقة البناء في تحطيم الذات.
لنا عودة لمواصلة النبش في الأجزاء القادمة، ما استطعنا إليه سبيلاً.
سيكولوجية الضحك المسموم: تاضصّا ن شيطان
يفتتح البنسير هذه الباقة بكثير من المرارة، واصفاً حالة من الفوضى الأخلاقية التي غلبت على المشهد:
"ئس ؤكان راهلّي كًيون ئضصّا شيطان
غيلا كولشي مدّن كًان كُن غ ئمي س لعار"
هنا يبرز مفهوم "ضحكة الشيطان"، وهي تعبير عبقري عن الضحك الهستيري أو السخرية من كل ما هو مقدس وأصيل. يرى الشاعر أن الناس يضحكون، لكن أفواههم مليئة بـ "لعار" (العار)، في إشارة واضحة إلى القذف، الملاسنات، والكلمات النابية التي شاعت في تلك المواجهات الفنية بين الشعراء والمجموعات الغنائية.
المجتمع الجثة وضياع المروءة
يرسم البنسير صورة قاسية جداً للحالة التي وصل إليها المجتمع نتيجة الصراعات العبثية:
"اكولّو تكًام اغ اضو ؤلا نكًُنين نمّوت"
يرى الشاعر أن المجتمع فقد روحه (المروءة والشهامة) لدرجة أنه أصبح كالجثة التي تفوح رائحتها (أضو). ويذهب أبعد من ذلك بوصف حالة الإذلال الاجتماعي (ئسّوفوس)؛ حيث يصور العابرين وهم "يمسحون أيديهم" أو "يبصقون" على هذا الواقع، كأن المجتمع أصبح مجرد "شيء" بلا قيمة لا يستحق الاحترام، بل يستوجب التطهر منه.
تحدي النار: الانتقال إلى القيادة والمسؤولية
بعد تشخيص الداء، يظهر "البنسير المصلح" ليعلن الاستنفار الأخلاقي:
"بلحاقّ غيلاد نبيكّس ئي تاكات نّون"
استخدم الشاعر هنا فعل "نبيكّس" (شددنا الحزام) ليدل على العزم والحزم.
- تاكات نّون (ناركم): هي الفتنة التي أشعلها الروايس أو التيارات الفنية والاجتماعية الجديدة.
- نسّنس (نطفئها): يتعهد البنسير بإخماد هذه النار بالحكمة وقوة الكلمة (أوال)، فهو لا يهرب من الحريق، بل يقتحم وسطه ليوقفه.
عبور النهرين (سين ئسافّن): مخاطرة الحكيم
يطرح البنسير تساؤلاً استراتيجياً حول مآلات الصراع:
"سين ئسافّن لّيد ئحملن اتّن خاطرغ"
"ماني راد اغ نيت لكمن وامان"
يرمز النهران هنا، في سياق التحليل، إلى جبهتين متصارعتين:
1. صراع التيارات: التقليد الجاف في مواجهة التحديث المشوه، سواء في الفن أو في ساحة الدين والأخلاق.
2. صراع الجبهات: التجاذبات السياسية أو القبلية التي كانت تغذيها تلك النقائض.
يؤكد البنسير أنه سيخاطر بعبور هذين النهرين الجارفين، لكنه يتساءل بمرارة عن مصب هذه المياه، محذراً من الهلاك كما قال في قصيدة أخرى: "لبحر هانّ ئكًُوت ئغ راتّ نتّارم، لّيغ كًيسن ضرغ كًامّيغ ما يّي ئتّالن".
خلاصة الباقة الثالثة: البنسير في دور "أمغار"
ينتقل الحاج محمد البنسير في هذه المرحلة من "المراقب" إلى "الفاعل". لقد أدرك أن السخرية الهدامة هي التي دمرت نسيج المجتمع، فقرر تقمص دور "أَمْغار" (الحكيم/الزعيم) الذي يترفع عن صغائر الأمور ليعالج أزمة أمة.
عندما يقول "نبيكّس"، فهو يعلن الانتقال من "اللعب بالكلمات" إلى "المسؤولية التاريخية"، مدركاً أن الفتنة بين المبدعين هي "حرب استنزاف" للهوية الأمازيغية، تستهلك طاقة البناء في تحطيم الذات.
لنا عودة لمواصلة النبش في الأجزاء القادمة، ما استطعنا إليه سبيلاً.





